هئ لكاتب هذه السطور ان يجتمع فى الشهر الماضى بمعالى الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ وزير المعارف . . ودار بحث حول (( المجمع العلمى اللغوى " الذى تجاوبت الاقتراحات بضرورة انشائه . . وقد ابدى معاليه ترحيبه بتأسيس المجمع وموافقته وتأييده للفكرة التى نادى بها رئيس تحرير هذه المجلة فى مقاله الافتتاح بعدد المنهل الصادر فى جمادى الاولى ٣٨٣ من استقلال المجمع وعدم خضوعه للروتين . وقد كان تجاوب طيب مع معاليه فى هذا الشأن .
- ٢ - ثم كتب الاستاذ عمران بن محمد العمران كلمة فى صحيفة اليمامة بالعدد الصادر فى ١١ - ١ - ١٣٨٤ جعل عنوانها (( فكرة انشاء مجمع لغوى فى بلادنا سابقة لأوانها )) وقال فيها : (( إن انشاء مجمع لغوى فى بلادنا تكرار لا مبرر له للمجامع المنشأة فى بعض الاقطار العربية )) وقال : علينا ان نهتم باللغة فى المدارس قبل ان نفكر فى انشاء المجامع ، وقال : ان دور انشاء المجامع لم يحن بعد ، وتساءل عمن يتولى انشاء مجمع لغوى الأن واضاف انه ليس فى مقدور اى متشبث بهوامش اللغة ، والأدب ان ينهض بهذا العبء العلمي الكبير ، وقال : انه ليس لدينا على وجه الاجمال من هو فى مستوى كرسى المجمع ، واخيرا قال : انه يشك في ان بعض الداعين الى انشاء مجمع فى بلادنا قد فهموا مهمة المجامع الحقيقية وان اشد ما يخشاه هو ان يكون تصور هذه المهمة فوق مستوى هذا البعض . .
- ٣ - وانا على تقديرى للاستاذ - ارى خلاف ما يراه . . ارى ان حاجة البلاد الى انشاء مجمع لغوى الآن أصبح ضرورة لازمة . . مثل حاجة الظمآن الى الماء الزلال ، والغرثان الى الطعام الدسم ، والعريان الى الكساء الواقى من حر ومن برد ، والمريض الى العلاج الشافى من داء .
وليس فى المجمع اللغوى العلمى الذى نتمنى بناءه من صميم قلوبنا تكرار لا مبرر له للمجامع المنشأة فى الاقطار العربية الاخرى ، فالمعرفة لا تكرار فيها . . والتكرار فيها خير من الافتقاد . وانشاء المجمع المشار اليه انما هو تغذية مباشرة للغة المدارس والجامعات بالصالح والاصلح من اللغة والبيان الناصع والعلوم المفيدة والآداب القيمة الأخرى .
وليس المجمع الذي دعونا وندعو لانشائه مقصورا على ما تنشؤه او تصنعه المجامع الاخرى فى اللغة فحسب ، . . انه مجمع
ذو مهمة حيوية تختص بواقع بلادنا المتطورة ، ورغبتنا فى تزويدها باقساط ثمينة محلية وسمينة من زاد المعرفة فى كل فن وعلم . . ولو قال بهذه النظرية كل من انشأوا مجامع مماثلة قبلنا ، ما انشأوها ، وما تقدموا بها وتقدمت بهم فيها بعد . . والمسألة مسألة وضع النواة الأولى . . والبذرة الصالحة الصغيرة تسقى فتنمو وتكبر وتضخم ، كما فعلت مصر وفعلت الشام وفعلت العراق وفعلت فرنسا قبلهن والمجمع الذى نريده ينبغى - كما قلنا ونشرنا ان يشارك في حمل امانة العلم والأدب واللغة ، وأن يكون الرائد لحملة التقدم التى نسير فى ركابها . . حتى لا تتعرج بنا سبل البيان واللسان والفكر فى فوضى جامحة لا اول لها ولا آخر . . بسبب ان لا قائد ولا رائد من هذه الناحية . .
وفى المقال الذى كنت نشرته فى عدد جمادى الاولى ١٣٨٣ من هذه المجلة أوسعت هذه الفكرة ايضاحا وتبيينا ، حتى لا يقال : ان المجمع لا فائدة منه ، وانه تكرار محض
وكان مما قلته : ولا تقتصر بحوثه ولا موضوع تقريراته وقراراته ومناقشاته ونشراته وصحافته على متن اللغة وحدها )) واهتمامنا بالمجمع اللغوى العلمى ، هو اهتمام بالتوجيه الصالح الراشد ، واهتمام بان نضع للمدارس والجامعات ، رائدا يتقدمها الى ذرى هجد التطور المنظم القويم . . واهتمام بأن لا نترك للفوضى مسارب تنخر فيها كيان نهضتنا الفكرية بسبب تبلبل الافكار وتناقض الآراء وعدم وجود من يتسلم زمام قيادة ركب اللغة والعلم والأثار والفنون عندنا . .
وأعتقد ان الفئة النزرة اليسيرة الموجودة بين ظهرانينا من رجال اللغة والعلم والأدب
يصح ان يكونوا (( نواة )) للمجمع المرتقب . .
فهم صالحون لذلك وهم واعون لما دعوا اليه وفاهمون لمهمة المجمع العلمى واللغوى كل الفهم . . ولا ينقصهم المساهمة فى موضوعه . . ولا بناؤه ولا تأسيسه ، وهم فى مستوى كرسي المجمع . بل ان بعضهم وهو لا يزيد عن الآخرين قد انتخبوا اعضاء لا فى مجمع لغوى واحد بالاقطار العربية وانما فى اثنين وثلاثة . . مما يدل على الكفاءة وانهم وزملاءهم فى مستوى تلك المجامع . وانتظارنا الى الظرف الذى يرى بعضنا أنه يجب الانتظار الى ان يحين لتكوين المجمع اللغوى العلمى ، هو من باب التواكل والانهزامية . . ومثلا وشاهدا نورد انشاء جامعة الملك سعود بالرياض . . فهذه الجامعة المنشأة قبل سبع سنوات . . واتت أكلها جنيا ، لو قام بعض وقال : انها لم يحن وقت تأسيسها اذ ذاك . . وفرضنا اننا عملنا برأيه ، فأية خسارة تلحق بركب العلم في بلادنا ؟ ؟ وقل مثل ذلك فى (( الجامعة الاسلامية )) بالمدينة المنورة . وقل مثل ذلك فيما تنشؤه الدولة اليوم من مصانع وصنائع وفيما تبنيه من دور رعاية ودور تصنيع ومشروعات علمية وعملية واصلاحات شتى ، لو قلنا ان الوقت لم يحن بعد ، لها . . لتوقف سيرنا . . وخسرنا بذلك خسرانا مبينا . ولنضرب للاخ الاستاذ عمران مثلا آخر . . بالصحافة والطباعة . . فقبل نحو ثلاثين عاما وأزيد قام نفر مغامرون رواد فانشأوا ببلادنا صحفا ومطابع على قدر حالهم . . وكانت تلك الصحف نواة هذه الصحف اليومية والاسبوعية والشهرية التى تموج بها البلاد وتزداد وتتسع عمقا وطولا وعرضا وسمقا . . وقل كذلك فى المطابع كانت المطابع لدينا يومها مطابع بدائية يدوية ورجلية ، ولكنها تطورت مع الزمن حتي
اصبحت اليوم وفيها مكائن اللينوتيب والاوفست والزنكو غراف وغيرها . . واصبحت كلها تدار بالطاقة الكهربائية . .
فلو قام قائم منا يومئذ وقال لأولئك الرواد : لا تؤسسوا مطابع ولا تنشؤوا صحفا فلم يحن الوقت بعد ، لانشاء هذه ولا تأسيس تلك . ثم نمنا ونمنا واعتمدنا على صحف الاقطار العربية ومطابعها فاية خسارة تلحق بالبلاد من جراء هذه التواكلية ، وهذه الانهزامية ؟ ؟ ! !
ومن سنن الله فى خلقه . . ان كل شئ يبدأ صغيرا ثم يكبر ، ضئيلا ثم يضخم . . وهذه بشارة ايجابية راهنة للمجمع المرتقب . . فان ولادته على ايدى هذا النفر الضئيل الموجودين من رجال اللغة والأدب ، سيكون دليلا واقعيا وحتميا لحبويته ونمو شجرته واثمارها فى المستقبل بشتى ثمار المعرفة الموجهة البناءة ، ان شاء الله .
واننا حينما نقرر ان يكون المجمع مزدوجا وثلاثيا . . اى مجمعا لغويا عمليا اثريا . . فان معنى ذلك هبة الحياة المشرقة المنتجة له . .
وحتى العلم الكونى والصناعى فان الافراد الموجودين لدينا من المتخرجين من الجامعات نستطيع ان نضم بعضهم الى المجمع . .
ليكونوا نواة طيبة فى دراسات العلوم التى تخصصوا فيها أو درسوها دراسات جامعية منتجة . . يفيدهم ذلك كمذاكرة ومراجعة دائمة ، الى ما فيه من ضمان مركز لمعلوماتهم وامدادها دائما بطاقات جديدة من المطالعات والمداولات . . ويفيدون مواطنيهم بما ينتجون وقد يكون
فيهم وفى اولئك العبقرى والعباقرة المستترون ، ومن ثم يظهر او يظهرون
فى عالم البروز . . بسبب مباحثهم التى تنشر فى مجلة المجمع ومؤلفاته ، وفى الصحافة الوطنية وغيرها . .
- ٥ - ونحن لا نريد للمجمع المنتظر ان يكون ( معجميا بحتا ) نريد ان يكون حيا متحركا يسير مع الركب وامامه لافى اللغة وحدها وانما فى العلم والأدب والحياة . . فمهمته من هذه النواحى مهمة حيوية وثمينة بناءة . . ومجيدة . .
ونريد ان يكون من اعضائه ، العالم العالم الدينى والعالم المؤرخ والعالم الطبعى والعالم الطبيب والعالم المهندس والعالم الأديب ، والشاعر المتفوق . . ونريد لبحوثه الامتداد الى كل جانب من جوانب الحياة والفكر كما تمتد الاعشاب النامية النضرة المزهرة المتسلقة على اطراف الجدران وعلى كل مكان . .
ولنا خير قدوة بهذا الترتيب فيما فعلته سورية قبل اربعين عاما . . اذ بنت حياة مجمعها على هذا الاساس المتين . . فنرى من اعضائه اليوم - المحدث الكبير ، والعالم الدينى التحرير ، والاديب المتفوق , واللغوى المتعمق المتضلع ببحوث اللغة , والمؤرخ ، وغير اولئك . . ولذلك قلنا ونقول ودعونا وندعو الى ان يكون مجمعنا شاملا
لا محدودا ، وثلاثيا لا انفراديا ، وان يسعى الى التجديد المفيد القويم . . وان يكون حصننا المنيع دون تسرب الأعجمية الجارفة الى لغتنا فى مهد اللغة ، وان يكون (( نبراسا ))
لنا ولاجيالنا المقبلة فى مقاييسنا الفكرية والاجتماعية والادبية حتى لا تتسرب المبادئ الهدامة . . وان يكون ( جناحنا ) القوى الجبار الذى نحلق به فى شتى آفاق المعرفة . وليس بضائره اليوم مطلقا ان يكون بناته قلة يعدون على الاصابع ، او
غير مستكملى أهبة العبقرية العالمية ، فى فنون المعرفة المنشودة . . فكل يمتح من آبار المعرفة بقدر دلوه . . وكل ينشد الطريق الموصل الى القمة بأسلوبه الخاص وعلى مقدار امكاناته . ومن سار على الدرب وصل على كل حال . والسير مهما كان وئيدا خير من الاخلاد الى الجمود على ما كان .
