الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

(( المحاضر )) جامعات الأدب والثقافة, ومعاهد العلم في الصحراء

Share

لقيام أية حضارة فى بلد ما ، لا بد من اسس ثقافية سليمة تحفظ هذه الحضارة ، وتغذيها بالمعين الفكرى الناضج الذى يشكل فى مجمله القيم والمبادىء الاخلاقية ، والروحية والعلمية . ومن هنا يجوز لنا ان نقول : ان الثقافة هى المرآة الصافية الصادقة الامينة التى تعكس - بمختلف جوانبها الادبية ، والفنية والعلمية - وجدان الامة ، وعقليتها ، وتترجم عن العبقرية الخاصة بهذه الامة ، وان نظرة عابرة الى الحضارة الموريتانية كفيلة بتقديم بعض الجوانب انطلاقا من مكانة (( المحاضر )) ، هذه المؤسسات الثقافية التى أخذت على نفسها حمل أمانة الفكر ، فى ظروف أقل ما يمكن أن توصف به انها قاسية ، فعملت على تشييد صرح حضارة شامخة ، فمتى نشأت هذه المؤسسة المعروفة بالمحضرة وما هى الظروف المحيطة بنشأتها ؟

لمحة تاريخية عن نشأة المحاضر :

تعود البذرة الاولى لهذه المؤسسات العريقة الى بداية دولة المرابطين ، وبالذات عندما استقدم احد طلائعهم المستنيرين الداعية الاسلامى الشهير ، عبد الله بن ياسين ، الى الصحراء الموريتانية ، حيث أقام هذا الداعية ونخبة من ابناء هذا الوطن - من بينهم على وجه الخصوص القائد الموريتانى العظيم (( ببكر بن عامر )) - (( رباطا )) على بعد 60 كيلو مترا من مدينة نواكشوط كان بمثابة منبع الاشعاع الدينى والثقافى . فهى اذن قد نشأت من أجل خدمة العقيدة ، والتمكين لها ، ولا ادل على ذلك من ان (( الرباط )) المأخوذ من المرابطة ، وهى الجهاد كان يدل بنفس المعنى تقريبا عند هؤلاء الرواد المؤسسين على الجهاد الثقافى ايضا ، ولعل من نافلة القول ان كلمة (( مرابط )) التى

اصبحت تطلق اليوم فى موريتانيا على من يشرف على ادارة اى من هذه المؤسسات الثقافية ذات الخطر العظيم - قد استمدت اشتقاقها اللغوى من لفظ (( الرباط )) الذى مر ذكره . تلك كانت بداية المحضرة ، وذلك الهدف الذى نشأت من أجله . ولكن التطور المذهل الذى شهدته هذه المؤسسات العلمية النشطة ، التى تعدى اشعاعها الفكرى الحدود القطرية الضيقة ، حتى تغلغل فى ادغال افريقيا ، وفى المشرق العربى ، فأعطى (( لشنڤيط )) صورتها المضيقة فيهما ، على ايدى صفوة من أبنائنا البررة الذين سخروا حياتهم لخدمة العلم ، هذا التطور يدعونا الى ان نتساءل : كيف تم لمحضرة ان تقدم هذا العطاء الوفير ، وتصمد فى وجه الزعامة السياسية والهزات الفكرية منذ ذلك التاريخ حتى اليوم ؟

دور المحاضر فى تفجير النهضة الادبية

لعل من المسلمات التاريخية - وهذا ما نلمسه بوضوح فى بداية العصر العباس الثانى ، أى منذ القرن الرابع الهجرى عندما بدأت الدوله الاسلامية تتشعب الى دويلات صغيرة - ان تجاور عدة مراكز لكل منها استقلاله الذاتى يؤدى بصفة طبيعية فى بعض أطوار التاريخ الى لون من التنافس الايجابى ، قد يكون فى صالح الحياة الثقافية ، بما يحصل عنه تزاحم هذه الخلايا الصغيرة ، ومحاولة كل واحدة منها ان تفوز بالتفوق والامتياز ما لم يصل هذا التنافس الى الترافس ، والتطاحن ، وما لم تتعرض هذه المراكز الصغيرة لغزو أجنبى عام ، يستقطبها ويقضى عليها ، كما وقع للحضارة الاسلامية فى الشرق على يد المغول ، ومع ان بلادنا قد منيت بهيمنة الاستعمار عليها ، الا انها كانت تتوفر على نوع من المناعة تجلى فى تماسكها ، الثقافى ، واستقلالها بطابعها الثقافى ، وحفظها ،، لشخصانيتها .

وإذا رحنا نطلق فكرة التنافس الايجابى هذه على المدارس الاهلية فى بلادنا ، وحدنا انها قد اخذت الوطن من جميع اقطاره ، بحيث تأسست فى كل ناحية من نواحى الوطن خلية فكرية ، تعطى تشكيلا ثقافيا خاصا ، متميزا عن باقى التشكيلات ، والخلايا الاخرى بالرغم من اتحاد المشرب العام لهذه المدارس مجتمعة ، هذا المشرب الذى يستمد أصوله من منابع الدين الاسلامى الحنيف .

وتتجلى ايضا فى وحدة المذهب ، والنمط الفكرى ، فمثلا كانت كل هذه المدارس تتألف من أتباع المذهب المالكى فى الفقه ، والاخذين بمنهج البصريين

فى النحو كما كانوا ينفعلون كلهم بالشعر الجاهلى ، ويعدونه المثل الاعلى للجمال الفنى ، بما فيه من صدق العاطفة وجزالة اللفظ ، وجودة الصياغة كل هذه علائق تعطينا فكرة واضحة عن الجوهر الواحد لطبيعة المحضرة ، ومهما يكن من وحدة هذا الجوهر وتأصله ، فان هناك تمايزا بين هذه المدارس ادى الى حدوث تنافس ايجابى نجم عنه شعور كل من هذه المؤسسات على حدة ضرورة تلافى أى نقص فى تأدية رسالة المحضرة بوجه عام ، وقد دفع هذا الشعور فى النهاية الى استمرار الاتصالات بين سائر المحاضر فقد كان (( المرابط )) - وهو عميد المدرسة واستاذها الاكبر المفتى فى بعض الاحيان - كان هذا الاستاذ متصل الاسباب بطائفة غير قليلة من زملائه اساتذة المحاضر الاخرى ، تجرى بينه واياهم مراسلات هدفها تبادل الخبرات العلمية ، والتوسع فى جوانب المعرفة ، ولكنها قد تنطوى على بعض الخصومات والمناظرات قد تصل الى حد الشتم والتجريح - احيانا - الا انها على علاتها تسهم كلها فى اثراء واخصاب الحياة الفكرية العامة ، وبالتالى دفع عجلة البحث والاستقصاء العلمى .

وتنبع تلك المناقشات والمناظرات من الخلاف على حكم يصدره احد الفقهاء ، فيتسامع به العلماء فى جميع المناطق الوطنية ، فما هو الا ان تنهال عليه الرسائل أشكالا وألوانا واردة من كافة المدارس تقريبا ، ينقض البعض منها هذا الحكم عروة عروة ، بينما يؤيده البعض الاخر تأييدا قد يصل الى حد المدح والتقريض فتحصل من ذلك جملة تآليف على شكل رسائل ، وفتاوى ، وأنظام ، وربما قصائد تعليمية ، تتناول كثيرا من المعضلات الفقهية ذات المساس المباشر بواقع الحياة .

وهنا يلعب الشعر دوره ليس بوصفه موصلا لهذه المعارف فحسب ، وانما بوصفه خير وسيلة للدفاع عن وجهة النظر التى ينتمى اليها كل من اصحاب هذه الردود ، وذلك لما فطر عليه الشعب الموريتانى من ميل الى الموسيقى الشعرية ولما عرف عنه من تأثير القافية العربية فى نفسه ، وهذا يجرنا حتما الى التعرض للشعر الموريتانى وعلاقته بالمدرسة الاهلية ، فنجد ان المحضرة ودورها فى النهضة الادبية الموريتانية فى الوقت الذى كان الادب العربى يعيش فترة امتحان عصيب نتيجة لخضوع الغالبية العظمى من وطننا العربى للحكم العثمانى المتعفن الذى قتل الملكات وأخمد جذوة الابتكار ، فى هذه الفترة التى وسمت فى التاريخ العربى المعاصر بفترة الانحطاط ، فى هذه

المرحلة المظلمة من الحضارة العربية ، شهدت موريتانيا المعروفة يومئذ (( بشنڤيط )) نهضة ادبية عظيمة حيث انطلقت بلابل الشعر مغردة باعذب النغمات العربية فى جميع انحاء الصحراء الموريتانية فاعادت للضاد الشريفة حرمتها ، وكبرياءها ذلك أن الشعر الذى ظهر عندنا آنئذ كان مصحوبا بحركة علمية نشطة ، كثرت فيها التآليف والمصنفات ، وزكا فيها النقد وترعرع متخذا من روائع الشعر العربى القديم معاييره الجمالية ، وقد رافق هذه النهضة الشعرية الملفتة للنظر تطور خطير فى المدرسة اللغوية بوجه عام ، اذ أكب العلماء على ترويض القواعد النحوية ، شارحين ، ومستنبطين فنشأت عن ذلك الطرر المتعددة ، وهى عبارة عن شروح وتهميشات على الفية بن مالك ، يكاد عددها يوازى عدد المحاضر نفسها واهمها طرة ابن بونة التى طبعت بمصر طرة العلامة يحظيه بن عبد الودود ، المعروفة بام الحواشى ، وقد هال بعض الفقهاء ان ينصرف هذا النشاط العلمى الخصب الى أصول اللغة وحدها ، ولا يترك مجالا لعلم الفقه ، وهو الذى احب العلماء الشناقطه حتى اطلعوا عليه علم الحلال والحرام واعتبروه فرض عين ، فاثر هذا الانصراف عن الفقة فى عمداء المدرسة الفقهية ، فهبوا يلهبون الحماس الدينى داعين الى ضرورة اخذه حصة الأسد من الدراسة والتمحيص فكانوا يتمثلون فى ذلك بهذه الأبيات التى حفظتها من كثرة ما رددها علينا مشائخنا فى الحضرة .

هو الجهل الجهل الفقه ليس بجائز            وجاهل علم النحو ليس بفائز

وجهل عروض الشعر شر غريزة              اذا عددت يوما شرار الغرائز

ولا تجهلوا علم الحساب فانه                 قبيح على الفتيان عد العجائز

ويمكن ان نستنتج بسهولة ، ان هذه الدعوة الى الفقه - وان لم تكن تهمل ما لبقية العلوم من الاهمية ، وبعد الاثر - قد لقيت رد فعل شديد ، حيث ازدهرت حركة التأليف فى الفقه ازدهار كبيرا جدا ..

وعلى العموم فقد ارتبط اسم (( الحضرة )) بتاريخ موريتانيا التعليمى الادبى والعلمى ، وبتراثها الثقافى ، منذ أقدم العصور . واغلب الظن ان حاملى لواء التحيز الى اللغة هم من الشباب الذى يمثل وجدان الامة المتحفز ويجب ان لا يعزب عن اذهاننا ان انصار هذا المذهب كانوا متصلين ايضا باسباب الثقافة الاسلامية وهم يرون ان التشبع بالروح العربية ، والغوص على اسرار النحو كفيل بفتح الباب للمتصدين لدراسة القرآن الكريم آية البلاغة العربية الخالدة، ومصدر الشرع الاسلامى الاول ، وما اكثر ما كانوا يرددون هذه الأبيات التى تمثل عقليتهم حق التمثيل :

النحو افضل ما يقرا ويقتبس             لانه لكتاب الله ملتمس

لا يستوى معرب منا وملتحن            هل تستوى البغلة العرجاء والفرس

اذا الفتى عرف الاعراب كان له         مهابة فى اناس حوله جلسوا

ونشتم من البيت الاخير رائحة التيه والاعجاب التى تحصل لدى المشتغلين بعلوم اللغة دون غيرهم لانهم يملكون الفانوس السحرى الذى يسيطرون به على الموقف اذا حدث جدال ،

وفى مجال افضلية الاصول اللغوية باعتبارها اساس الدراسة الدينية يقول ابن متالى :

تعلم اللغة شرعا فضلا           على التخلى لعبادة العلى

ومن طريف المأثورات فى هذا الباب ان تلاميذ احدى المدارس النحوية كانوا يتندرون باخوانهم الفقهاء فيسألونهم : كيف تعربون زيدا فكان اصحاب المدرسة الفقهية يعيرونهم بجهل احكام الجنازة فيقولون وماذا تعملون انتم ( بزيد ) ان ادركه الموت .

وفى نظرى ان تقسيم مدارسنا الشعرية حسب التسلسل الزمنى يحتاج الى غير قليل من الحيطة والحذر ، فأغلب الذين لهم تمرس بدراسة الشعر الموريتانى ، وتتبع اطواره . يكادون يتفقون على انه اخذ صبغته المتميزة اول ما اخذها على يد محمد بن الطلب التيرسى ، الذى اشتهر تقليده للشعر الجاهلى ان لم نقل تقمصه للنفسية العربية فى العصر الجاهلى .. فهو كان يجنى القسى ويحدد ليقتنص الثيران الوحشية ، كما كان يفعل اجداده من عرب الجزيرة ، ثم هو كان يحب اللغة لحد الكلف الى ان عرف الناس عنه ولوعه بالقاموس المحيط .

وربما يرى البعض انه قد حفظه ، ولكن السلسلة الشعرية بعد هذا الشاعر الكبير غير مطردة اطرادا عموديا ، كل ما نستطيع ان نجزم به ان بلادنا لم تخل فى عصر من العصور من مئات ان لم نقل الاف من الشعراء المجددين - ولكن المقياس الزمنى وحده غير صالح لتبويب هذا الشعر بالنظر الى التجديد والابتكار ، فبينما نجد المدرسة الاندلسية ممثلة عندنا فى محمد بن محمدى ، نلاحظ ان الفترة التى ربطت بينهما وبين محمد ابن احميد لا تخلو من حلقات شبه مفرغه ظهر فيها شعراء مقلدون اعادوا لمدرسة محمد ابن الطلب شبابها ربما لاحظ القارئ ان عنايتنا ببقية المعارف الاخرى التى تتضمنها دائرة المعرف (( المحضرة )) ترتكز على الشعر ، وذلك عائد فى الاغلب الى سيطرة هذا

الشعر على وجدان امتنا ، فقد كثر تراث موريتانيا الشعرى كثرة تستدعى من الباحث ان يفرد لهذا اللون من النشاط الابداعى فكرة خاصة ، والشعر كما يقول (( اليوت )) يمثل اوج الوعى فى الامة ، وسمت قوتها وارهف احاسيسها ، ومع ذلك تظل المعارف الاسلامية بجميع فروعها هى المحرك الاول لهذه المواهب، لمكان الشريعة الاسلامية من نفس الانسان الموريتانى .

ان الموريتانيين بفضل (( المحضرة )) التى تعتبر الرافد التثقيفى الاساسى لهم والتى كانت المدرسة الوحيدة فى البلاد قبل حلول الاستعمار البغيض - استطاعوا ان يتخلصوا من الامية الغفل بوجه عام ، ذلك ان العرف الاجتماعى يقضى بضرورة انتساب الطفل فى ربيع حياته الى هذه المؤسسة ويعتبر التخلف عنها سبة و عارا وخصوصا فى اوساط (( الزوايا )) ( قبائل العلم ) الذين يشكلون المنطلق الاساسى لهذه المدرسة .

ان تعاطى الموريتانيين لهذا اللون من الدراسة ادى الى انخفاض نسبة الامية إلى حد ان بعض الاحصاءات التى اعقبت فجر الاستقلال تذكر ان نسبة المتعلمين الذين يحبون القراءة والكتابة تقارب 80 % من مجموع شعبنا. وحسب المدرسة الاهلية فخرا ان ينسب اليها القيام بهذا العطاء الثقافى العظيم فهى بدون مبالغة او تزويق - استطاعت بوسائلها المحدودة ، ورغم نواقصها الكثيرة ، ان تنشر المعرفة بصورة واسعة على اديم هذه الارض الطيبة المعطاء ، كما تحدث الاستعمار البربرى بما يحمله من سموم ثقافية قاتلة ، فالمحضرة اذن هى القلعة الحصينة التى تحطمت على اعتابها كل محاولات المسخ والسلب التى تعرض لها وطننا الحبيب ، وهى المنارة التى ظلت على وجه الدهر حافظة لثقافتنا ولغتنا ، العربية العزيزة وتراثنا الادبى، الفكرى كما انها كانت الدرع الحصين فى مواجهة السيطرة الاجنبية وهنا نذكر على سبيل المثال اصرار أقطاب المحاضر على مقاطعة التعليم الاستعمارى ونمط الحياة الاستعمارية وبث روح النفور من هذا الجسد الغريب ، باعتباره عدوا للاخلاق والمثل .

واود ان انبه الى خطورة النظرة السطحية الشائعة المنحرفة عن بؤرة الضوء ، المجافية لزاوية الرؤية السديدة لفكر المستعمر واهدفه الاستراتيجية نتيجة الخداع بالبهرجة والطلاء اللذين يطهرهما المستعمر ليخفى طبيعته الحقيقية ، فالاستعمار - وهو الخبير بمسالك النفس الانسانية ودروبها ، والعارف بتمسك الشعوب بمأثوراتها الحضارية ، ولا سيما ان استندت هذه

المأثورات الى عقيدة اصلية - لهذا كان المستعمر اذكى من ان يعلن على الملا ابعاد نظريته لانه يدرك بقرون استشعاره الاستعمارية ان مثل هذا التصرف لن يكون فى صالحه على الاطلاق ، وهنا نضع اصابعنا على موقع حساس من مواقف الاستعمار عموما ، وهو ان الاستعمار تنازل للامة فى الظاهر عن الكثير من التقاليد ، والاعراف وسمح لها بممارسة مقدساتها الاسلامية ، مكرها لا بطلا لانه كان يتحاشى الطرق المؤدية الى اثارة عواطف الشعب وغمز ابائه ، فتظاهر بالبراءة ، والموادعة وربما البلاهة فى كثير من الاحيان ولكنه ظل يعمل فى صمت مستمدا ارادته من المثل الاروبى الذى يصف التخطيط الرصين للهدف الحقيقى بانه : (( بطئ ولكنه مضمون النتائج ، ومؤكد ))

ومهما كان من أمر ، فقد ظلت (( المحضرة )) الموريتانية تحتفظ بمكانتها كمدرسة عليا لتربية النابغين وغير النابغين .. ولم تكن هذه التربية تتمثل فى مجرد تلقين علوم اللغة العربية والشرع الاسلامى بل كانت تمتد فى خدمتها للفرد الموريتانى الى حد تكوينه تكوينا اجتماعيا وخلقيا يمكنه من مواجهة مختلف اعباء الحياة ، ففى (( المحضرة )) ايضا ، كان الانسان الموريتانى يتعلم كيف يتعامل مع الاخرين .. كيف يعيش معهم ويحتك بهم لانها ( اى المحضرة ) تعتمد على التعايش والاحتكاك .. وفيها ايضا كان هذا الانسان يتلقى اوسع الدروس فى اعمال البيت وتدبير الحياة ، حيث تقوم دعائمها دائما على الاكتفاء الذاتى والعمل الدورى المنتظم ، الذى يمارس الطلبة من خلاله تسيير الشؤون المادية فى الحياة اليومية ( الزراعة التنمية الحيوانية - الطبخ - ارتياد المياه .. الخ ) ،

وقد تخرج من (( المحضرة )) كثير من الاعلام الموريتانيين الذين ساهموا بجدارة فى بناء الانتعاش الثقافى العربى فى العصور الاخيرة ..

لقد ارتبط اسم (( المحضرة )) ارتباطا وثيقا ، بتاريخ موريتانيا التعليمى ، والادبى والعلمى وبتراثنا الثقافى ، منذ أقدم العصور حتى اليوم . اذ انها قد ظلت طيلة اجيال عديدة هى منار العلم والادب . . وظل اساتذتها من مشايخ العلم يحملون امانة نشر الثقافة الاسلامية والعربية ، واحياء التراث .. وحماية الاصالة العربية والدينية ، كما كانوا ائمة التقوى ، والهداية ، والارشاد ، النافذى الكلمة والمطاعى الرأى فى اوساط المجتمع .. وفخر البلاد الشنڤيطية ..

ومن المحضرة ، تخرج سائر شعرائنا وادبائنا النابهين ، وذلك فى وقت كانت فيه المحضرة هى ( الجامعة ) الوحيدة التى يقصدها طلبة العلم والفقه ، و يرتادها شداة الادب ، من جميع الشناقطة ، وكان اساتذتها الاجلاء يستقبلون فى مبناها المتواضع فى جلال ووقار ، كافة الطلاب الذين يفدون اليها من مختلف الانحاء بكل مودة وترحاب ويجتهدون فى تلقينهم العلم ، وشتى ضروب المعرفة ، من دين ، وفقه ، وأصول وسيرة ولغة ، ونحو ، ومنطق ؛ وبيان .. الخ ، ويسبغون عليهم كل رعاية ، وتشجيع وارشاد ، ويبذلون لهم كل مساعدة مادية ومعنوية ، مدة تلقيهم العلم فى محاضرهم كل ذلك باخلاص وكرم وتجرد ، وبدون اى مقابل .. خدمة للعلم وأداء رسالته المقدسة .

وقد كان طلاب ( المحاضر ) كذلك ، يكنون خالص الوفاء والحب ، ووافر التقدير والاجلال لاساتذتهم ، ومشائخهم ، ويتفانون فى طاعتهم وخدمتهم ، وايضا فى تعلمهم بالمحضرة وانكبابهم على كتبهم والواح دراستهم .

وقد كان للمحضرة ، قديما ، طرائف واخبار ، تستطاب وتستجاد ، نجدها مبثوثة ، من ثنايا المراجع التراثية والادبية ، وفيما خلفه لنا الاوائل من أدب ، وشعر ، وأخبار تتصل بهذه المدرسة - الجامعة ، ووصف نظمها ووسائلها التعليمية البدائية ، وحياة الطلاب فيها ، وهى تدلنا على المكانه المرموقة التى كانت تحتلها ( المحضرة ) فى نفوس اجدادنا وعلى مدى تمركز امور الثقافة ، والادب ، فى حياتهم العامة ، فى ذلك الوقت ..

وقد كان الاديب الشاعر محمد بن حبنل ، أحد تلامذة المحاضر وخريجيها ، الذين خلدوا - نظم ا- مشاعرهم ، نحو ( محضرتهم ) ارتضعوا فيها افاويق العلم والعرفان ، وانكبابهم على الدرس والتحصيل للنهل من معين المعارف الاداب ، وتعلقهم بالالواح والكتب والمتون العلمية ، والنصوص الدراسية فى المحضرة وهجرهم لجميع مغريات الحياة ومباهجها ومتعها ، التى كانت تتراءى فى خارج جو المحضرة الصارم مستعيضين عن كل ذلك بلذة التحصيل والبحث. ارواء غليلهم فى المعرفة ، واشباع نهمهم العلمى ، وذلك فى هذه التحية الرائعة التى يهديها للوح تعلمه فى المحضرة .

عم صباحا افلحت كل فلاح               فيك يا لوح لم أطع الف لاحى

انت يا لوح صاحبى وانيسى                وشفائى من غلتى ولواحى

فانتصاح امرئ يروم اعتياضى            طلب الوفر - منك ، شر انتصاح

بك لا بالثرا ، كلفت قديما              ومحياك ، لا وجوه الملاح

. . رب خود ، ماء النعيم عليها        جريان الزلال فى الصفاح

قد تسليت عن رسيس هواها           بك حتى كأننى جد صاحى

بل يمينا بواردات البطاح                 يتبارين ، ضمرا كالقداح

أفتأ الدهر ، هاجرا للغوانى              ووصولا للكتب والالواح ..

ومن أهم هذه المتع والمغريات التى كانت تستهوى الطلاب فى المحضرة ، هى التنزه بين بيوتات الاحياء المجاورة فى فترات الراحة والاجتماع بالصحاب والصواحب ، ومغازلة الفتيات والتحدث اليهن .. الخ . وكان مشايخ ( المحضرة ) يتشددون ، نوعا ما ، على طلبتهم فى هذه الامور ، وبالاخص ، فى تردد الطلاب على مجالس الفتيات بحجة ان فيه شاغلا للطالب ، عن استظهار ومذاكرة الدروس التى يتلقاها فى المحضرة اضافة انهم يرون فيه مخالفة لتعاليم الشرع ، مما يتنافى مع جو الوقار والاحتشام المفروض فى المحضرة فى حين كان يرى الطلبة فى مثل هذه النزه ، وهذه الاحاديث وسيلة للترويح عن النفس ، وسببا لتجديد النشاط العقلى فى ساعات الدرس .

وقد بلغ من تشدد بعض مشايخ المحاضر ، انه حكم على احد تلامذته بالطرد من المحضرة وطلب اليه الالتحاق باهله ، فوجه اليه الطالب بهذين البيتين يتنصل فيهما مما اشيع عنه ، ويوضح فيهما موقفه من حياة اللهو والتفتح .. والتعلم بالمحضرة :

همنا العلم ، لامراض الجفون           لا تظنوا مرجمات الظنون

ان هزلا أقوله فى المجون                لمعين على صعاب الفنون

ويقدم العلامة الكبير الشيخ سيدى ، نصحه وارشاده للطلاب وارباب الالواح باعتزال حياة المجون واللهو ، على هامش المحضرة والتردد على النساء ومغازتهن ، ويشرح خطر تعاطى مثل هذه الحياة ، على وقت الطلاب ومستقبل دراستهم ، فيقول :

وقد كان الاديب محمد بن السالم - فيما يبدو - فى طليعة الملبين لنداء شيخة المتقدم والمتمثلين لفحوى نصيحته وارشاده باعتزال حياة العواطف والمغازلات فى فترة الاقامة بالمحضرة وصحبة مشايخ العلم ، وفى مقدمة السابقين الى ادراك امتناع الجمع بين هاتين الحالتين حياة اللهو وحياة التعلم فى نطاق المحضرة ونظامها الداخلى الذى يسهر المشايخ على تطبيقه واحترامه .. ذلك ما يتضح لنا من خلال ما جاء فى مناجاته لطيف محبوبته ، الذى طاف به ، وهو طالب بمحضرة الشيخ :

أهلا وسهلا بطيف الخود فاطمة            لكن رقية آل الشيخ فى عنقى

لا تحسبى نفثات الشيخ مبقية              مرمى لنبل لحاظ الجوذر الخرق

لو كنت اصبو الى خود لكنت .. ولكن   ليس وصل الغوانى اليوم من خلقى

اشترك في نشرتنا البريدية