الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

المحطـــــــــــة ...

Share

تنهد القطار ولفظ نفسه الاخير، وانهد تحت سقف قصديري عال، مندسا فى وحشة الصمت بين رصيفين من الاسمنت المتشقق، خاملا امام حاجز من الخشب المتقشر دهنه، فابتعد عنه المنتظرون متأففين من فقاقيع البخار الكربون المتفاقمة.

سكن كالدابة الهالكة.

بعض قوائمه المعدنية سرت فيها كهرباء غريزية متأخرة، متخلفة من هتزازاته السريعة المضطربة، فارتعدت وقزقزت وعوت عواء يوم شتائى.

عوى الكلب عند رجلى الشيخ. ضربه الشيخ بعصاه البيضاء. سكت الكلب عندئذ وتكمش بدوره، واندس تحت برنس الشيخ غير عابئ بغدير الماء الذى كان الشيخ يقف فيه منذ الفجر مستندا الى حائط ابرص علق به اسم المحطة وسبورة لم يعد أحد يكتب عليها حرفا ...

اطمأن المنتظرون الى خمود القطار. فتقدموا الى نوافذ العربات وأبوابها التى تدلت منها رؤوس ذات وجوه متطلعة الى ابتسامات حفاوة، بدون هدى وبأمل ثقبل يحمل خضرة الجبال، والحقول تحت قتامة السماء فى عشية من عشايا البرد ...

أخرج الكلب رأسه من تحت البرنس وأطل. شيع بنظره جماعات مبتهجة باللقاء، محملة بالحقائب والقفاف وباقات الدجاج المنقنقة كالضفادع فى الخنادق الليلية، مسرعة نحو القرية التى بدأ المطر يرشها بمياه من القرف.

أغلق القابض باب مكتبه. نبح الكلب . عبس القابض وبصق فى اتجاه الشيخ وانطلق لاحقا بآخر المهرولين، حاملا تحت معطفه فرحة عارمه بالعودة الى المقهى، حيث نرجيلة وطاولة وورق وأصحاب ينتظرون ...

لم يبق سوى القطار الهامد. لم يبق سوى المطر يغسل سطوح العربات غسلا شامتا. لم تبق سوى سكك مرمية فى أخدود، متمددة بين الحصى على خشبات نخرة، تائقة الى الرحيل القادم، نحو المدينة البعيدة التى هجرها الشيخ منذ سنين.

أغلق الكلب فكية على عصا الشيخ، وجرها وجره الى القرية، الى المقهى، الى الناس ... اذعن الشيخ وانقاد الى العادة، كالعادة ... وتحمل ثقل خفين متشبثين بالماء والوحل، مكركرا فى صدره ضحكا كسعال المهزومين امام هجمة الليل فى بقعة من الارض منسية. وتحمل خيبته كذلك. وتحمل ان يبقى مرة اخرى حيا، حيا، حيا ...

- انك لا تستطيع لمس يدى لانك ترانى فى الحلم. أنت لا ترانى الا فى الحلم. عندما ترانى فى اليقظة ...

- متى ؟

- قريبا. لقد وافقت المدينة أخيرا على أن أزورك فى الربيع.

- منذ مدة قلت لى انك زائرتى فى الشتاء!

- كان الفصل اذ ذاك خريفا.

- وفى الصيف قلت انك قادمة فى الخريف!

- الصيف كاذب. أنت تعلم أن الصيف يجعلنا نكذب من حيث لاندرى، فهو وعد، ولا يحق للوعد أن يعد.

- هو وعد أنت وعدتنى به ولم تأتى!

- كان على الربيع أن يعد بالزيارة فى الربيع. اذ لا يحق للفصول ان تبنى الوعد خارج حدودها.

- الصيف وعد، والخريف فتور، والشتاء اغفاءة، والربيع كذب . وأنت؟

- سأزورك فى الربيع ... لا تغمض عينيك حتى أغيب. فحلمك الآن صار صقيعا لا أتحمله ...

علت الضجة ...

خسر القابض. فهلل كل الجالسين حول الطاولة وضحكوا.

وارتفع ضحكهم كلما صرخ فى وجوههم متهما اياهم بالحيلة والشماتة، مهددا عيونهم بأصابع يديه الغليظة.

كان القابض قد رمى ورقة. وادعي انه لم يكن يقصد رميها، انما عثرت يده فيها فسقطت. ولم يرض خصمه، ولم يمهله، بل اغتنم الفرصله لكسب الجولة.

قال القابض - أنا اعرف منكم بالحساب. ولم أكن لارمى ورقة رابحة لولا انكم شوشتم ذهنى بكلامكم الفارغ عن الاكواخ التى رحلتها الامطار فى سفح الجبل.

قال خصمه - هل لك فى جولة أخيرة ؟

قال القابض لمرة أخرى - مع ثرثار مثلك. ثم اني لم اعد اتحمل حضور ذلك العجوز الاعمى.

قال خصمه - انه لا ينظر الى أوراقك !

وضحك الجالسون مرة أخرى فارتعدت فرائص القابض، وانبرى واقفا، وأسرع نحو الشيخ ليفتك منه عصاه ويرمى بها خارج المقهى.

لم يتكلم الشيخ.

بقى نباح الكلب. ولم ينبح الكلب.

اشتعل القابض غيظا وعاد الى الشيخ ليهزه هزا كالزلزال، صائحا:

- كم قلت لك من مرة، انى لا أطبق رؤية عينيك المرمريتين! وقف رجل هادىء الصوت وقال:

- لا دخل للشيخ فى خسارتك. دعه. انه يحلم صرخ القابض:

- فليحم بعيدا. انا قابض المحطة وموضبها ولا أقبل الا المسافرين والمودعين والمنتظرين. وهذا الشيخ يلازمنى يوميا لا أدرك لماذا وقوفه من الفجر الى المغرب بجانب شباكى.

قال الرجل :

دعه. انه غريب.

ضحك بقية الرجال. واختلط ضحكهم بفرقعة رعد بعيد لكن القابض لم يهدأ.

بل صاح وكأن الرعد أوحشه:

- تحملناه فى شبابه لانه كان منفيا بيننا فى اقامة جبرية. ولكنه اليوم ... ليعد من حيث اتى وليخلصنا من عينيه العمياوين اللتين تشعان حقدا على قطاراتى.

تقدم الرجل الهادىء وقال :

- دعه. انت تتذكر انه كان يحدثنا عن شخص وعده باللحاق به. لربما خشى ان يأتى الشخص ولا يكون هو فى الانتظار. ارجوك. دعه ولا تهتم به بعد اليوم.

صاح القابض مرة أخرى:

- كيف؟ كيف لا اهتم به، وقد صار يلازمنى؟ انا لا احب العمى. ولا احب اعمى ينظر الى القطار. القطار لا يأتي الا لذوى البصر. القطار يحمل قادما أو رائحا الا لمن يرى القدوم والقادمين والذهاب والذاهبين.

ثم سكت منصتا الى خاطرة أوحى بها وميض برق، وتمتم تحت دوى الرعد

- لعل المرأة التي ينتظرها أتت يوما ولم يرها؟ لعلها لم تتعرف عليه لانه صار اعمى؟ ثلاثون سنة مرت، وهو لا يزال ينتظرها؟

قال الرجل :

- هو الوفاء. أليس فى محطتك غير الذين ينتظرون واثقين من قدوم واعديهم؟

أجاب القابض:

- هى محطة. وان كانت المحطة الاخيرة، فانها محطة لمسيرة. ولا مسيرة بدون تخطيط لموعد. أنا أعرف الناس بذلك ...

وعاد القابض إلى الشيخ ليحمله ويرمى به فى الشارع حيث استقبله برق لامع ورعد كسخط الظلام ...

لم ينبح الكلب. لم يعد ينبح. بقى ممددا تحت الطاولة التى كان يجلس الها الشيخ، وفي عينه المفتوحتين فحمتان بللهما دمع بارد، فانطفأتا الى لابد ...

وعندما عاد القابض الى خصمه ليتحداه فى جولة أخيرة، خرج الرجل الهادىء من المقهى، وسار فى الليل المحشو مطرا، حتى عثر فى الشيخ. انحنى ليحمله. لكن البرق كان اسرع منه.

حتى البرق لم يعد يقدر على ايقاد عينى الشيخ. فحمتان باردتان تدحرجتا مع الرعد وغاصتا فى الوحل، وفى النسيان ...

- هل حقا ان الربيع كذلك كذب؟

أطلت من احدى النوافذ بعد ان غاب كل المسافرين ومنتظريهم. لم يبق فى المحطة غير القابض. اندهش عندما رآها. فتح عينيه وسعهما. وكتم صيحة. ثم لم يتمالك، فجرى اليها متطلعا فى غرابتها.

امرأة بيضاء فى ثوب من الحرير الابيض !

لم يسألها ولم تسأله. بقى مشدودا الى عينيها البيضاوين. دخل العربة وجلس الى جانبها. لم ينطق. ولم يعد يتنفس. ولم يتنفس بعد ذلك أبدا.

قالت المرأة :

- انت هو اذن قابض المحطة !...

وفى الصباح، عندما قدم الرجل المكلف بتنظيف العربات، وجد جثة القابض هامدة زرقاء، مرمية على مقعد خشبى، مهملة كندم قديم.

فتمتم الرجل وهو يحمله مع بقايا السجائر والاوراق الوسخة والاتربة : - مسكين! قتله البرد ...

اشترك في نشرتنا البريدية