الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

المخاض

Share

الليل أسحم أعتم ، ومدينتى العروس تحت كابوس تجاوز فى ارهابه حدود الرعب . شهب ترجم الفضاء ، وتصعق من بالارض ، وصراخ وعويل وأنات مدينتى الجميلة فى جحيم ، وبناتى خائفات .

- امكثن أرضا يا صغيراتى ! . . امسك تلك التى وقعت بجنبك يا رجل ! . . ألا ترى الشظايا تكسر خشب النوافذ ؟

حتى زوجى المصعوق كان فى سهوم ، لملم ثوبه وقرفص فى احد الاركان واجما مفتح العينين طوال ساعات الليل والنهار ، لا يبدو عليه أثر للتصديق بأن ما حدث يحدث ، او الايمان بأن ما كان أمكن ان يكون .

- عطشانه يا أمى ! . .

سامية ظمآنة . هذه المرة المائة التى أسمعها تردد فيها النداء المستغيث . - كلنا عطاش جياع يا ابنتى . . المدينة بلا خبز ولا ماء الصنبور الفاغر فاه ما فتئ فى شهيقه منذ يومين يمتص الهواء ، كأن لم يكفه بخله علينا بالماء .

وتبكى بناتى الاربع من خشية وألم فيتفتت كبدى وتزداد عينا زوجى انفتاحا ، ثم يطرق يائسا فيتناولنى شعور خفيف بالغثيان ، وألم حاد فى أسفل بطنى .

حملى الخامس يخزنى . . ويلى منه فى مثل ما انا فيه . . رويدك أيها الشقى ! . ماذا عساك ترى ؟ لا شك ان قد قربت النهاية .

ومن الشارع صعدت الى طابقنا الثانى رطانة غريبة ، وتناد مسعور . ما أصلف الاعقاب المسمارية وما أقذع صوتها ! . . إنها تدك ارض الرصيف ، وتركل باب المدخل السفلى . فى نفس اللحظة انزاح اطار النافذة عن مكانه ، فتهشم الزجاج وسقط أرضا .

- ابتعدوا عن الزجاج فورا ؟

صاح زوجى فاقتلعنى من بحرانى ، ووجدتنى أتململ فى جلستى التى مللتها ومللت الظلام ، وكل شئ .

- لا صوت يسمع بشقة الجيران ! - وكيف لنا ان نسمعهم وسط هذا الضجيج ؟ - الليل سماع !

الليل ما أطوله . ان مللى ينقلب الى سم يسرى فى بدنى . . حتى الذعر مللته . . ثم ها هو الالم يحز فى بطنى وظهرى مرة اخرى .

ثم انطرح باب المدخل السفلى فى قرقعة مرعدة صمت آذاننا ، وانخلعت لها قلوب صبياتى ، فهمن وسط الغرفة قليلا ، ثم انكمش بعضهن تحت جناحى ، والتف الآخر ببعض ثياب أبيه .

الرطانة فى الدرج وفى الردهة . - هل سمع الجيران ما يجرى ! - لا أدرى . .

وطرق الباب المقابل ، وعلت الضوضاء . وقع الاعقاب الحديدية يطن فى جنبات البناء ، والهلع يمزق أعصاب صغارى .

- تعالين . . لم الخوف ؟ !

وانفتح باب الجيران ، وتبودل الحديث . هذا جارنا الموظف الفرنسى . . زميلنا فى العمل يحادث أبناء جنسه ويحاورهم ، ثم يخفت كل شئ ، فيكاد الهدوء يعود الى نفسى ، وأتململ فى جلستى كلما عاد الالم يحز فى عظمى ، وأشعر بملل شديد حتى لكأنى لبثت هنا سنة كاملة . ليلة ، ونهار ، وليلة أخرى كأنما ذاك بطول العمر كله . لا خبز ولا ماء . والصغار جائعون ، فى خوف يمزق الاكباد .

لقد مللت كل شئ . . لكن ها هو الباب يطرق برفق أولا . . ثم بقوة . وتحرك زوجى ، حرك عينيه أول مرة فنظر الى ، ثم تحرك زاحفا نحو الباب الموصد ، ووقف ناحية القفل لا يحير .

- افتح الباب يا هذا . . أوشك الامر على النهاية . أنا مللت الوجع الذى يقض أضلعى ، ويكاد يغرس أصابعى في زليج الغرفة . ودخل جارنا

الفرنسى تتبعه زوجته الشبيهة بجان دارك التى طالما رأيت صورتها فى كتب التاريخ القديمة . ومن خلف جارنا جند عديدون . . اندفعوا كالسيل وتوزعوا فى الشقة يجوسون خلالها فى ريبة وشك ، بأيديهم المصابيح يبثون ضوءها فى كل مكان ، ثم صاحوا :

- هيا . . تقدموا للخروج من هنا ! . - لكن الى أين ؟ والجحيم فى كل مكان ؟ - الى حيث لا أدرى . . لكن يجب الخروج من هنا .

ونظر زوجى الى زميله يسأله ان كان اتصل بأمر كهذا . عيناى لم تتجرءا على تسلق السراويل المنمنمة بل تسمرت عند حدود الاحذية الغليظه التى كانت تدق أرض الغرفة جيئة وذهابا ، وتاهت بعد ذلك بين دوائر الضوء المجنونة التى كانت تحملق فى وجوهنا تارة ، ثم تقفز من ركن الى آخر فى جنون .

وتحدث الجار الفرنسى الى زوجى حديثا اختلط فى مسمعى بصليل السلاح الذى كان يحتك بعضه ببعض على صدور الجند وجنوبهم ، وسمعت أوامر كثيرة ، كانت تنطلق بين الفينة والاخرى من حنجرة ذات فحيح .

تداخلت اشلاء الصور التى أمامى ، وازدادت تشويها فى وعيى الذى لم يكن فى سوى شبه يقظة ، حتى تألفت من الثياب الرقطاء ودوائر الضوء المتراقصة ، مجموعة من الافاعى تفح من حولى وتزحف على أرض الغرفة بعيون ملتهبة .

- رباه . . !

وقفزت من مكانى ، اذ ركلتنى احدى الاقدام ، فقرب زوجى منى ليساعدنى على الوقوف ، فما أكاد اتماسك على قدم . الجار يشير الى الباب ، حيث سبقته امرأته ، وزوجى يسوقنى الى مكانهما ، ويدفع الصغار بركبتيه .

- هل يطردوننا من دارنا ؟

- يبغون جمعنا فى شقة واحدة ليتمكنوا من مراقبتنا بسهولة ، أو ليستعملوا بقية البناية فى الدفاع .

هذا بيت جيراننا ، فيه هو بدوره فئة أخرى من الزبانية ، فى عيونهم

هزء واستخفاف . . يا للابالسه ! انهم الشياطين فى أجساد . لم أتصور أن آدميا يستطيع الاقتراب من شكل الشيطان بهذه الدرجة .

العرق البارد يتفصد منى ، وازداد ظهرى انحناء . . ثم آه للضربة القاصمة ! انه المخاض !

أهذه مشيئتك يا إلاهى ؟ يا أمى . . يا رسول الله . . يا كل من استجير بكم ! . .

ومدت الفرنسية الى يدها . . جان دارك تمد الى يدها وكأنها خرجت لتوها من كتاب التاريخ . أمن المقدر على أن أدنس بهاته الصورة ؟ وأزحت اليد التى شدت على عضدى ، ثم استمررت فى خطوى الوئيد مستندة الى كتف زوجى ، وأنا أكتم الصراخ عضا على شفتى ، حتى اذا بلغت غرفة النظافة استدرت لالقى نظرة على الموكب الغريب الذى وقف يشهد مأساتى ، ثم دخلت وحدى وأقفلت الباب .

وحدى هنا ، والعزف اللعين هناك ، والافاعى الرقطاء تحوم فى خيالى بعيون مضيئة ، ولا من مجير . شعرى سحابات سوداء بين أظافرى ، والالم فى أحشائى يمزق كل صبر ، ويسحق كل شجاعة . . سأصبر ولو تحطم كل شئ . . لابد لكل خلق جديد ان يقوم على انقاض ، يريد الالم ان يقضى على ، سوف لن أستسلم ، ولن أرتخى ، وسأبحث عن الخلاص ، سأفتكه من أنياب كل شيطان . أى جحيم هذا ؟ مالى لم ألق فى أى مرة سابقة ما ألقى الساعة ، كان لى من يشد أزرى دائما ، وما بلغ بى العسر هذا المبلغ . لن استسلم . . يا من يجير ! أين رحمتك ؟ أنسيتنى كهؤلاء الذين يصيحون فى الشارع الدامى ؟ وصراخى لا أريد أن يزيد من كآبة هذه الليلة سأحتفظ به فى حلقى ، أقضمه بأسنانى ، ألفه فى الكتان الذى مزقتة من ثوبى . يا للالم القاتل . . حتى سلسلة المضخة لانت لوجعى فتخلصت من مكانها . . انها تقع على الارض وتتدحرج فارة الى احد الاركان فى الغرفة الضيقة . .

. . ثم هل الوليد صارخا فى وجه الوجود ، فجعلته فى لفافة مما بقى من ثوبى السابغ ، وربطت ببعضه الآخر حزامى ، وخرجت بالعرق البارد على جبينى ، وبالالم بين فكى ، أجر جسمى الهزيل المرتعش بساقين لم تعزما على الوقوف ، وأقابل الناس بوجه من لون الشمع . نفس الموكب الذى غادرته منذ قليل ، قد وقف ينظر الى باب حجرة النظافة الذى خرجت منه . . جان دارك ، والبدلات الرقطاء ، وصليل معدات الجحيم . الكل يتأملنى ، ولكنى لم أبال بسوى زوجى الذى مد يده لينال الهدية التى جئته بها .

- هاك . . ودعنا نخرج . اين البنات ؟

- ها هن هنا . ألم تعلمى ؟ لقد توقف القتال . - لم يعد يهمنى . . هيا يا أحبابى . . آه . انى - كيف نخرج وانت . .

- لابد أن نخرج . . لم أمت بعد ولكنى متيقنة من أنى سأموت ان بقيت ساعة أخرى هنا .

- هل تقدرين على المشى ؟ وانت ما تزالين . . . - أقدر . . آه . . لابد ان أقدر . أحس أنى قادرة على كل شئ

وأخذت أزحف نحو باب الشقة معتمدة على الجدار بيد وعلى كتف زوجى بأخرى .

- ثم الى أين سنذهب ؟ - هات لى رداء من بيتنا وهيا . .

وتحرك نحوى أحد الاصنام الرقطاء التى كانت تزين شقة جارتى اذ كنت وصلت الى قفل الباب واردت فتحه ، ولكن الضابط أوقفه بحركة من يده .

ولما صرت فى الردهة ، التفت وكنت أريد أن أقول شيئا ، ولكنى نظرت الى كل ما هناك بعينى الغائمتين وحدقت حتى أوجعنى بصرى ، ثم لم أقل شيئا . . . كنت أحب أن أسأل أولئك عما اذا كان من الواحب أن يحدث ما حدث . . وبهاته الصورة ؟ لكنى لم أسأل بل قضمت طرفى عجارى وشرعت فى نزول الدرج . حتى إذا صرنا فى الشارع المقفر ، وقزقزت تحت أرجلنا شظايا الزجاج المهشم شممنا رائحة الموت تشيع من كل الاشياء . . ثم رأينا كل الاشياء لكنى لم أعد أحتمل أكثر من ذلك .

- هيا بنا جهة البحر !

- وسار ركبنا الضليل ناحية ( البطاح ) حيث انهرنا جميعا فى ظل جدار نملا رئاتنا الملتهبة بالهواء الممتزج برائحة الملح ، وننظر الى الضباب المتصاعد من البحر فى ضوء الصباح . وكشف زوجى عن أحد طرفى اللفافة ، وأخذ يسترق النظر داخلها فى فضول .

- انه ولد . . وسأسميه جلاء .

قلت له ذلك وأنا أنظر الى الضفة الاخرى من القنال ، والى مياه الجزر المنسحبة فيه بهدوء ، وقد بدأ ألالم يزايلنى شيئا فشيئا فأحسست أنى أوشك أن أستعيد حقيقتى .

اشترك في نشرتنا البريدية