) لشد ماتفارضتما الثناء ( كأني اسمع هذه الكلمة تلوكها الالسنة ويتهامس بها القراء حين يطالعون حديثي عن كتاب ) المخلاف السليماني او الجنوب العربى فى التاريخ ( تاليف الاستاذ محمد احمد عيسى العقيلي . فالاستاذ صديقنا والحديث عن الصديق مظنة تهمه ومثار شك لاسيما وقد استقبل الصديق ديوانى ) القلائد ( بروح ودية وعاطفة كريمة وكتب عنه فى ) المنهل ( الاغر فصلا مطرزا بالثناء والتقدير
اما انا فسأقول كلمتى وللقراء أن يفسروها بما يشاؤون . . لقد احسن صديقي كل الاحسان حين كلل كتابه بالرسالة الصادرة اليه من فضيلة العلامة الشيخ المؤرخ ) عبد الله العمودى ( المتضمنة اذنه له بالاستفادة بمعلومات تاريخية - المخطوط هو الجزء الثاني من ) اللامع اليماني في تاريخ المخلاف السليماني ( فقد قطع عن قلمه الريب وعن امانته الشكوك كما ) قطعت جهيزة قول كل خطيب (
وبعد فان الذين يحسنون كتابة التاريخ كثير ولكن الذين يحسنون التغلغل فى اسرار الحوادث والتعمق فى اغوار الوقائع قليل . ومن اولئك القليل الصديق العقيلي
فلقد احسن كل الاحسان فى تعليل الحوادث وفهم اسرارها وابدع كل الابداع فى تحليل القضايا ووعى تيارها . . اذ ان رواية الحوادث وسرد الوقائع لاتشكل من التاريخ الا جانبه الضئيل اما الجانب المهم فهو وعى تلك الحوادث وادراك تلك القضايا واستخراج النتائج الصحيحة من ورائها وتفسيرها تفسيرا يوافق منطق الحياة ويوائم طبائع الاشياء ، يقول المؤرخ الفرنسى ) بارانت ( ) كما ان الرجال والشعوب لم يفكروا ولم يعملوا باستعدادات واحدة فكذلك هم لايرون الحوادث بصورة واحدة فعلى قدر ماتغير الانسان تغير التاريخ ايضا ومن المعقول ان الصورة تتغير كلما تغير نموذجها . فالتاريخ الحق الوحيد الذى يستحق هذا الاسم فى نظر البعض هو الذي يكتبه رجال رأو الحوادث رأى العين وهذا صحيح من جهة ان شهود الحوادث هى الشهادة الحقة التى بقيت لنا ولكن الاجيال التالية يستطيعون الحكم على الحوادث والسريان فى سرائرها وتصور روحها وتحديد اسبابها وعللها ونتائجها وعلائقها فالتاريخ يشغلهم من هذه الوجهة بينما مادته الاصلية التى لا يسمى تاريخها الا بها قد وصلت الينا بالكتابة او الرواية لا من طريق المشاهدة او المعاينة (
وهذا الكتاب النفيس يؤرخ لفترة قريبة منا جدا ولكنها غامضة جدا او مجهولة على احسن تعبير . فهو يؤرخ لحقبة تمتد من ١٢٤٥ الى ١٣٥١ هجرية وهي الحقبة التي بذرت فيها بذور الدعوة وتكونت خلالها الدولة الادريسية فى ) تهامه ( او ) المخلاف السليماني ( حسب التعبير ) الكلاسيكى ( والفصول التى تبدا من الفصل الثاني الى الفصل الثاني عشر والتى تتحدث عن هذه الفترة قرأ على الصديق اغلبها وهى لما تزل مسودات و ) نماذج ( فى جلسات ادبية ولا اكون مجاملا اذا قلت ان الاستاذ الصديق وهو ذو الجوانب الثقافية العديدة والاطلاع الواسع كان يتقبل منى بعضا من الملاحظات التى ابديها له ويعمل على الاخذ بها .
ان هذا الكتاب تسجيل امين وتصوير حى لجزء من الوطن العربي الكبير يشهد لصاحبه بما بذله فيه من جهود مضنية وعناء بالغ فى سبيل استخراج تلك الحقبة المجهولة من تاريخنا إلى نور الحياة الساطع وفضائها الرحب . فقد تكلم عن الحالة العامه فى المخلاف قبل وصول الاستاذ الجليل ) السيد أحمد بن ادريس ( الى صبيا وما اعقب ذلك من تغير فى الحياة
الاجتماعية والدينية نتيجة للارشاد الديني والتوجيه الاسلامى الذى قام به فى المنطقة الاستاذ المذكور ثم ماتلا ذلك من قيام ) السيد محمد بن على الادريسى ( مؤسس الدولة الادريسية وبانى اركانها ومشيد صروحها مضافا إلى ذلك تحليله الرائع للشخصيات البارزة من رجال ذلك العصر الذين كان لهم اكبر الاثر فى مجرى الحوادث ودفع تيارها . . واشهد ان الفصول التى كتبها عن شخصية ) الادريسى ( وشخصية ) محمد يحيى باصهى ( وشخصية ) احمد شريف الخواجى ( هى فصول فى غاية الروعة تحليلا وتفصيلا
ولعل اعجب مالاحظته فى تلك الفترة التاريخية من حياة ) المخلاف ( هو خلوه من شاعر عربي فحل يسجل وقعة ) الحفائر ( بريشة الفن العالى والبيان الشعرى الفصيح تخليدا لتلك ) المعركة ( التى كانت نتائجها الحاسمة هي الحد الفاصل بين عهدين من عهود التبعية التركية وعهد الاستقلال الادريسى :
ومما يدهش المتأمل دهشة كبيرة ان يقوم بتسجيل تلك ) المعركة ( شاعر عامى يدعى ) عبد الله السلامى ( . ودعك من القصائد التى نظمها بعض الشعراء فى مدح ) الادريسى ( فانها كلها خالية من اى اشارة الى تلك المعركة الفاصلة فى تاريخ ) المخلاف ( . فهل معنى هذا ان رجال الادب فى تلك الفترة لم تهز مشاعرهم ولم تحرك احاسيسهم ) معركة الحفائر ( . ولم يعتبروها فجرا جديدافى حياتهم المتفتحة على الحرية والسيادة والنور . اللهم لا ولكن مامعنى ذلك ؟ سؤال يحتاج الى جواب وختاما فمن حق المكتبة العربية ان تفخر بدخول هذا الكتاب الى رفوفها لتحتل مكانه بين كتب التاريخ العربي ولحتل مؤلفه مكانه بين رجال

