تبرز الثقافة العصرية التى تعرف اليها المفكرون التونسيون لدى عباقرة الغرب ، وفى المجتمعات الاوروبية الناهضة - تبرز - اهم مقوم فى تكوين الفكر التونسى الحديث ، وانعكس احتكاكه بمعالم الثقافة الغربية الحديثة فى ثلاثة مظاهر :
1 - تعلم اللغات الاجنبية . 2 - استقدام البعوث من الاجانب وقد سبق الحديث عن هذين المظهرين 3 - اما المظهر الثالث ، فهو انشاء المدارس العصرية لتعليم العلوم الرياضية والطبيعية ، واللغات الاجنبية .
كان للمدارس العصرية تأثيرها العميق فى تطوير التربية التونسية : ووسائل التعليم ، ومواد الدراسة ، وشحذ الاذهان ، وتنبيه القرائح وتحريك الهمم ، وتجديد الثقافة ، وتطعيم المعرفة بما جد فى ميدان العلم والاستكشاف . ومن أهمها :
1 - مكتب المهندسين :
انشئت هذه المدرسة سنة اربعين وثمانمائة والف ( 1840 ) بمثابة مدرسة لتخريج جيل من المتخصصين فى الفنون الحربية على نمط الكليات الحديثة التى عرفتها اوروبا . لذلك كان جل اساتذتها من الاجانب وقد ضم اليهم الشيخ محمود قابادو ( 1 ) لتعليم العربية ومساعدة اطار التعليم فى تعريب المؤلفات الاجنبية ( 2 ) .
وجاءت هذه المدرسة حدثا عظيما فى حياة الفكر التونسى اطل منها المتعلم عل ابعاد ثقافية حديدة تعرف خلالها على اساليب العلم المستحدثة ووسائل التقدير والبحث من : احصاء ، ورسوم ، واختبارات ، وخرائط . فى آثارها المحفوظة بالمتحف الاسلامى بتونس العاصمة وخزينة الحكومة التونسية ما يشهد بالدور الفعال الذى ادته فى دعم النهضة
وكان خريجوها الفوج الاول من قادة الاصلاح ( 3 ) التقوا على مثل رأيهم الثورى لدى نخبة واعية من خريجى جامع الزيتونة تتلمذوا ( 4 ) فى رحابه على الشيخ قابادو نفسه
2 - المدرسة الصادقية :
اسس هذه المدرسية الوزير المصلح خير الدين باشا سنة 1874 وغرضه توفير حاجة البلاد من المثقفين الاكفاء تخطيطا لمحاولة انقاذ رصينة دائمة تبعد شبح الاحتلال ما امكن ، وتؤخر من موعد حلوله وقد ظهرت فى الافق بوادره المخيفة فى غمرة من القلاقل الداخلية والثورات المحلية والازمات الاقتصادية والتدبير الخارجى المبيت ( 5 ) . ارادها لتطوير المعرفه على مناهج تواكب العصر ، وتطعم الثقافة الوطنية بفتوحات الغرب فى المضمار العلمى بواسطة اللغتين الفرنسية والايطالية وبالاضافة الى اللسانين العربى والتركى وتؤهل الجيل الصاعد لملاحقة المعرفة فى اوروبا نفسها . . ومد الامة بمخلصيها فى الشدائد
جاء فى صفوة الاعتبار للشيخ بيرم : " . . تعلم العلوم الشرعية التى هى المقصد الاهم لكى يحصل التبصر من علماء الديانة بالعلوم الرياضية ويوفقون بين ما يظهر بحسب بادىء الامر انه مخالف للشرع من بعض العلوم الرياضية . . " ( 6 ) .
" . . ونتج من ابناء البلاد ما شهد لهم به الوافدون من اصل اوروبا والحاضرون لامتحانهم . . ( 7 ) .
وادت المدرسة الصادقية رسالتها البناءة فخرجت افواجا من المثقفين النيرين وما تزال . فجاءوا على النسق الذى ارادهم عليه مؤسسها فيما كان حريصا على توجيههم اليه من مثل ومبادئ اذ كان يختلط بهم لغرسها فيهم حتى تشربوا بروحه الوثابة وارائه النيرة واطمأن على مصير الوطن بمؤهلاتهم ووعيهم ولم يعد يخشى على المدرسة من الفشل ، بعد ما قطعت مرحلة التأسيس ( 8 ) .
3 - المدرسة التأديبية :
طراز هذه المدرسة مغاير لطراز المدرستين السابقتين ، لانها لم تبرز بتدبير من ابناء البلاد ، ولا بجهود وطنية ، وانما ظهرت بعيد حلول الحماية الفرنسية بتونس ( 9 ) .
فى سنه 1884 وبعد اربع سنوات من توقيع معاهدة الحماية ( 10 ) فتحت التاديبية ابوابها للمتعلمين بقرار من مدير ادارة العلوم والمعارف الفرنسى لغاية اعداد المؤدبين وتاهيلهم لمهنة التعليم بالمدارس الابتدائية الرسمية ذات اللسانين العربى والفرنسى فكانت النواة الاولى لدار المعلمين ، كان يعطى المنتسبون اليها ، بعد اجتياز مناظرة القبول بتفوق : ثقافة عامة وخبرة تربوية مهنية .
وبرغم الريبة التى قوبلت بها المدرسة من طرف بعض المواطنين ، والاحتراز من فريق اخر ، لقيت بعض الاقبال لدى فئة ثالثة لم تتهيب فى سبيل التحصيل او المنفعة او كليهما معا ما قد يحف بوعاء المناولة من شوائب الظنون ، فخرجت عن مفهوم السواد الاعظم فى مقاطعة " معاهد الكفار حذرا من الوقوع فى حبائل الكفر " .
كانت المدرسة تضم ثلة من شيوخ جامع الزيتونة البارزين اضطلعوا
وتدريس اللغة العربية والعلوم الشرعية فيها بالاضافة الى " معلم مسلم معاون واخر فرنسى خصصت اوقاتها لتلقين تلامذة الاقسام الخمسه - المتكونة منها المدرسة - مبادئ اللغة الفرنسية - قراءة وكتابة - وآدابها ، والتاريخ والجغرافيا والحساب " ( 11 )
وفى فصل طويل حرره عن جو المدرسة ، ومتناقضاتها ، ونزعات اساتذتها : احد خريجها المصلح الكبير سالم بن حميدة الاكودى ( 12 ) ولاهمية المعلومات التى اشتمل عليها نورد منه ما يلى :
. . كان معلم التونسى ( 13 ) شابا فى عنفوان شبابه خليعا قد بهرته آيات المدنية الغربية الحديثة بروائها ، مثقفا ملأ وطابه من علوم الغرب على الاخص فاصاب من سعه مداركه ، واتساع معارفه ، وحدة ذهنه ، واتقاد قريحته وسمو فكره ، وذلاقة لسانه ، وسحر بيانه ، مرمى جعله فى مركز اجتماعى ادارى ممتاز ، وبالاخلاص عند رؤسائه واولياء نعمته من الفرنسيين
ومعلمى ابن مؤدب اقراه ابوه القرآن ، وعلمه لغة القرآن ، ثم زاول اللسان العرب والعقيدة الاسلامية على النمط الذى ازاولهما به بين يدى اساتذتى ، فثارت نفسه على ما القى فى روعه من ذلك ، ثورة جعلته مغتبطا بما هو فيه من علم حى وحياة نامية ومركز ممتاز
ينفر من قرآنه الذى لم يفهمه ، ويرى فى حفظه عن ظاهر قلب ما يضطر الفكر لان يجمد ، والقلب ليتحجر ويزرى بموات العربية ، ويرغب عنها لغيرها ، ويحقر ويتسامى عن مبهم ما تناول من العقائد الاسلامية وعن الواثقين بها . . افر من ثلج دروس الاساتذة المميت ، فاقع فى نار هذا المعلم الشاب المحرقة ، وفى نفسى من الثورة على الجمود القاتل ما فيها من الثورة على النار المحرقة . .
كانت مشاكسته لى فى كل شئ ، مشاكسة يبعثه اليها ما يجرى فى عروقه من ماء الحياة ، ورزق الشباب العاتى ، والاعتزاز بالمركز . . متكرما على بوصف الجمود والبلادة والبلاهة ، وربما وصلت به المشاكسه ، وحاله تلك إلى مجاوزة هتك حدود الوقار الواجب له كمعلم ، وانتهاك حرمه الكياسة والاداب . . .
وكانت نفسى بين الفريقين - من معلمى - نفس المؤمن فى محيط ممتحن تتأمل فيما حولها فى عطف ورقة وسكينة ، فترى عن يمينها مرضى قد اثخنت جراحهم ، وتورمت ابدانهم ، وتعفنت اشلاؤهم ، يخوضون فيما سال من اجسامهم من قيح وصديد ، طعامهم الضريع والزقوم ، وشرابهم الدماء الكدرة والحميم ، وكساؤهم الذلة والمهانة ، ووطاؤهم السفل ، وغطاؤهم البلاء المرسل ، لهم قلوب لا يفقهون بها ، ولهم اعين لا يبصرون بها ، ولهم اذان لا يسمعون بها ، وقد اعتادوا سوء حالهم فاستانسوا به ، والفوه حتى صار لهم فى البقاء عليه لذة وفى الاستكانة الى آلامه حياة . . وترى عن شمالها مردة من الجن نفخت فيها نار الجحيم روحا ، فتطايرت وزاغت ابصارها وبصائرها ، واضطربت امزجتها ، فجنت ، وما يدريك ما ياتيه مارد الجن اذا جن ! فما هو الا الاعصار والنار ، وما هو الا العجاج والغيار ، وما هو الا البرق الخلب يحاول ن يمثل لك بريقه انه العذب الزلال ، صحو النهار وما هو الا الرمضاء المحرقة ، والسراب البقيعة . .
بين هؤلاء وهؤلاء نفس بريئة تتطلب الهدى والحقيقة لتطمئن اليها بعد النظر والبحث والاقتناع . . وتنشد من تتوسم فيه بقية رمق من الحياة بين الاموات والموبوئين ان يعينها على النجاة من الخطر المحدق بها ، واستئلاف من جنوا ببوارق المدنية الخلابة فتأبى الانانية والخمول وخشية الناس فى الله ان تدعهم يحسون ويعون ويتدبرون فيلبون ، وهرعت الى من به مسكة عقل من المتمردين على من تردوا فى زمهرير التقليد والجمود عليهم ان يمدوا اليها يديهم لانتشال النائمين المقصرين ممن قعد بهم الى الارض فدسوا انفسهم فى اعماق قبور الموتى يلتمسون العيش فى رفاتهم ، ويتخذون مما بقى من جراثيم جنائزهم الفتاكه دواء فيضاعفون عللهم من حيث يعتقدون انهم يحسنون صنعا ٠٠
نفس طهرتها الخطوب وصقلها الضرر والضرار ، فجرت من مسقط رايها الى معمل المدرسه . لكن وجدت نفسها فى جحيم من ضر وضرار انكى ، شن عليها غاراته انصار التقليد ، ودعاة الاجتهاد ، وعباد القديم وعباد الجديد . . " ( 14 ) .
4 - المدرسة العلوية :
اسست المدرسة العلوية بتدبير من دولة الحماية - ايضا - فى نفس السنة التى ظهرت فيها " التأديبية بثلاثة فوارق "
1 - بالاضافة الى ما تقوم به العلوية فى تكوين اطارى المعلمين والاساتذة فقد اريدت - ايضا - لتربص مديرى المدارس العربية الفرنسية الذين كانوا من الفرنسيين فقط .
2 - تشتمل برامج الدراسة فيها على تعليم صناعى وزراعى وتجارى
3 - احدثت فيها سنة 1889 اقسام للعمل والتمرن على الصناعات يتلقى فيها الطلاب : التصوير ، والتخريم ، ورسم الصور بالقوالب ، وتركيب الآلات الميكانيكية ، والتجليد ، وغيرها .
وبنوعى الدراسة الاخيرين اكتسبت هذه المدرسة اهميتها فى حياة الفكر التونسى الحديث اعتبارا للوجهتين العلمية والصناعية اللتين غدتا لها فى فصولها بعد ان درست مدرسة المهندسين الاولى
وكان الاقبال عليها فى تزايد حتى تجاوز عدد تلاميذها سنة 1911 خمسمائة تلميذ ( 15 )
5 المدرسة الخلدونية :
تسمية المدرسة ليست الا مظهرا من مظاهر استمرار نزعة ابن خلدون فى الفكر التونسى ، فجاءت مشروعا وطنيا حرا لا صلة له بالدوائر الحكومية الرسمية ، انشاها سنة 1897 رجال الاصلاح من التونسيين الاحرار لتكمل ثقافة طلاب جامع الزيتونة فى المواد التى لا تشتمل عليها مناهج دراستها انذاك ، مثل : التاريخ ، والجغرافيا ، والعلوم الطبيعية ، والرياضية ، ورسم الاراضى ، والاقتصاد ، واللغة الفرنسية ( 16 )
" . . وقام البشير صفر ( 17 ) بدروس التاريخ والجغرافيا فرفع قيمتها بفصاحته وقوة بيانه واقدامه على شرح الحقائك الاستعمارية ، وكشف الحجب
عن الاخطار المحدقة بالعالم الاسلامى ، حتى صارت دروسه معهدا تتلقى فيه التوجيهات القومية قبل التوجيهات العلمية ، فصارت زعامة البشير صفر على شبان ذاك الجيل لا تزاحم ، ومنزلته منه منزلة خير الدين من الجيل الماضى وهو رجل الساعة ، وحامى الحمى ، وزعيم النهضة كما تلقبه الصحف اذ ذاك او " ابو النهضة الثانى " اى بالنسبة الى خير الدين . . " ( 18 ) وكتابه
" مفتاح التاريخ " الذى جمع فيه بعض محاضراته ، يشهد بعمق النظرة التى كان يصدر عنها فى تدريس مادة التاريخ واهميتها فى تكوين الفكر الحر ، كما ان اختياره لتاريخ بعض الدول الاوروبية ، ولفترات معينة من نهضتها وثوراتها ينبئ بوضوح عن خطة الرجل فى تهيئة الجيل للثورة والتطور

