مقدمة صغيرة
[اكتب هذه الكلمة عن المتنبى كصديق المثلي ، وقد يكون فيها تجيز ، ومن ذا الذى لا يتحيز ؟ و لكنى قلت ما اعتقده فيه تماما على ان ادافع عما قلت اذا لزم الامر].ما رأيت اغرب ولا ابدع . ولا أنق من فن المديح عند ابى الطيب ، ولا سيما فى مدائحه لسيف الدولة وكافور وابن العميد ، فقد كان من البديهي الذي لاريب فيه ان المديح - حيث كان - وسيلة الى ابتزاز حطام او اكتساب جاه او وصيانة كرامة.
وقد نستعرض فى الجاهلية مدائح السابغة للنعمان ، وزهير لهرم ، ومدائح الخطيئة وفي الاسلام مدائح القطامى وجرير ونصيب والفرزدق والاخطل والطرماح وابن ابي حفصة الى العهد العباسي من امثال بشار وابي نواس وابى تمام والبحترى وغيرهم ، فسوف تجدن في مدائحهم قوة وبيانا وبراعة اداء ، ولكنهم على سواء كانما يطرفون بمعاول متشابهة من الحديد من حيث الجرس والموسيقي والرنين ، بحيث لا تستطيع ان تميز صوتا من صوت الا بعد لأى شديد.
والبواعث كذلك واحدة او متقاربة على نمط رتيب ، فقل ان تظفر ببيت فرد او معنى رائع او فكرة عامة الا فيها ندر عند افراد معدودين ممن اسلفنا الذكر عنهم اولا يأتي هذا [البادر] الا بعد عناء كثير . !
فأما ابو الطيب فيختلف الشأن عنده كل الاختلاف ؛ وكان المديح كان جثة هامدة ينقر عليها من سبقه من الشعراء ؛ وجاء ينقر بعدهم في اول عهده بالشعر ، وما لبث ان نفخ الروح فى هذه الجثة الملقاة واذا المديح بتحرك مستوياً ويقوم ويأخذ سبيل ككل [ذى روح عات] بفضل ما ادخله عليه من براعة التصوير ودقة الوصف وجلاء الشخصية ، ورسمها امهر رسمم وأوفاه .
ان المدح عند المتنبى فن يعشق ويومق ، ولقد ولد فيه من المعانى الفطرية وابتكر فيه من الشيات الجديدة ، ما جعلنا نعتقد بحق انه يمدح [المديح] قبل أن يمدح ممدوحيه بالذات!.
ومن غرائب فنه أنه لا يمدح عظام الرجال في عهده فحسب ، ولكنه كذلك مدح الليل والخيل وكلاب الصيد ، وعن المزايل المحمودة حيث تكون ، وكانما كان موكلا بافتضاض مغاليقها واستجلأ سرائرها، وذلك فضلا عن مدحه لنفسه بما يجوز أن يكون فيه وما لا يجوز ، فلسنا بسبيل البحث عن هذا الموضوع بالذات!.
ولو تفلسفت في المدح ، لقلت انه نقص فى نفس المادج ، قبل أن يكون كمالا فى شخص المدوح وقد يصح ذلك فى سائر المادحين على سواء ، ولكنى.. ماذا أقول ؟
أقول إنى أنا شخصياً لا أستطيع أن أتصور ذلك النقص الذي أعنيه في نفس أبى الطيب ، وانى لأعجب كيف أتيح له أن يشذ عن رفاقه ، وأن يختط له تلك الطريقة الفذة ؟؟
حتى ما يرد في مديحه من فلسفة عميقة وسخر عنيف وحكمة رائعة ونظرات صادقة ، لا تأتي إلا كعناصر ثانوية بالنسبة الى العنصر الأساسي الذي تتركز فيه [قاعدة البناء] وهو المديح.
واحب أن أصارح القارئ الكريم ، فليس لدى مصادر عن هذا البحث وقد فقدت ديوان [المتنبى] منذ مدة ولكن ذاكرتى التى تحفظ الكثير من شعر المتنبى - على سقمها - هي المصدر الوحيد ، وقد تتبدل بعض الالفاظ ولكنى أرجو - ان وقع ذلك - الا يخرجها ذلك النبدل الى غير المعنى المقصود .
ثم أريد أن أقول أيضاً اني لا أستطيع أن أستشهد بالكثير من بدائع المديح وفرئده عند المتنبى ، فان ذلك يفوق الحصر ، فضلا عن أنه لا يسعه هذا المقام ، بيد أنى أود أن أكون مثل [منار الطرق] يكتفى بالاشارة السريعة ، والاتجاه الخاطف ، وذلك حسبه فيما أظن .
ولكن ما السر فى أن الغالب الغالب من شعر المتنبى كله فى المدائح وما يتصل بها من رثاء واستعطاف واستعتاب ، وانه فى ذلك لم يبرز أروع التبريز فقط ، ولكنه ولد من كرائم المعانى فروعاً تفوقت على الأصول ، وأربت عليها في حسن شياتها وملاحة قسماتها ؟
ان هذا سؤال يجب ان يوجه الى قراء الادب العربى عموماً ، والى قراء المتنبى بصفة خاصة ، ولا أرغب أن أجيب على هذا السؤال الآن ، فلنتركه الى فرصة أخري .
وأنا أرى أن المتنبى حقيق أن يبوئى نفسه المكانة التى يسمو اليها ، وانه لذلك قمين أي قمين ، وقد أكون ضالعاً مع المتنبى ، ولكنى رغماً عن ذلك لا استطيع أن أتصور كاتباً يكتب عن شخصية بارزة كتابة تجريدية محضة ، وكيف يسعه الا يكون عليه ولا معه ، وهو مثله فى الجبلة الانسانية التى تتحكم فيها خوافى الغرائز ودفائن الأهواء وكولمن الميول والنزعات ؟؟
ولن تكتب عن شخص ما إلا إذا كنت صديقاً له أو عدواً ، أو وسطاً بين ذلك ، وبغير هذه البواعث الصحيحة لا يمكنك ان تكتب شيئاً ذا بال !.
وقد آن الآن أن تأخذ من شواهد المديح المتنبئية ما يسعه الوقت والمجال ان الذين يستشهدون فى يوم الروع يستحقون أن يقال فيهم كل محمدة خالدة ، ولكنى لم أقرأ أبدع من هذا البيت ، ولا أهول !..
كل ذمر يزيد الموت حسنا كبذور تمامها فى المحاق والذمر - بكسر الذل وسكون الميم - الكمي الأروع .
وماذا يقال فى الخيل ، وهن من أعجب ما برأ لله للسبق والمخاطر والنجاء وما الخيل إلا كالصديق قليلة وان كثرت فى عين من لا يجرب إذا لم تشاهد غير حسن شياتها واعضائها ، فالحسن عنك مغيب من أبيات كلها جيد نفيس.
ويتجاهله انسان على بالغ معرفة ، فيكتفى أبو محسدان يقول من قصيدة :
وربما أشهد الطعام معى من لا يساوى الخبز الذي أكله
ويظهر الجهل بي ، وأعرفه والدردر برغم من جهله
وظلام الليل ماذا يمكن أن يقال فيه إلا أنه ظلام في ظلام ؟ ومع ذلك فقد وسع المتنبى أن يقول في بساطة رائعة.
وكم لظلام الليل عندى من يد تخبر أن المانوية تكذب
والسيف لا يثنى على فعله إلا عند العيال ، ولكن أبا الطيب يسبغ عليه المدح فى مجال هو أبعد ما يكون عن ذلك المجال :
وقد طرقت فتاة الحي مرتدياً بصاحب غير عزهاة ولا غزل
فبات بين تراقينا ندافعه وليس يعلمه بالشكوى ولا القبل
الخ .
وهذان البيتان من قصيدة مطلعها .
آجاب دمعى ، وما الداعى سوى طلل دعا فلباه قبل الركب والابل
وفيها من عيون المدائح في سيف الدولة ومن فرائد معانيها ما لا يمكن أن يتمثل بشئ منه دون شئ ، فليرجع اليها من شاء !.
وقوم مدحهم بمعنى من أغرب المعانى على سبيل وصفهم وصفاً عابراً :
وصحبة قوم يذبحون قنيصهم بفضله غاقد كسر وافى المفارق
ان هؤلاء الناس لهم فى كل أرض معركة خالدة ، فهم لا يحتاجون فى أي مكان اصطادوا فيه الى سلاح يذبحون به صيدهم ، لأنهم سيجدون فيه فضلات الحراب والسيوف والرماح .. وهو معنى لا يكاد يخطر على بال ، فضلا عن أنه لا يمكن ان يوجز فى بيت واحد ، لولا المقدرة الباهرة التى لا ينقضى منها العجب
سيف الدولة أمير من أمراء القرن الثالث الهجرى كأى أمير آخر من أمراء الاقطاع ؛ وان يكن مجلياً فى نجدته ونبله ومروءته ، ولكن لولا قلائد أبي الطيب لغير اسم سيف الدولة كما غيرت أسماء كثير من أقرانه ، ويقول سيدنا عمر بن الخطاب لولد هرم بن سنان لقد كان زهير يحسن فيكم المدح ، فقال له :
ولقد كنا أيضا نحسن له العطاء!. فاستضحك الفاروق العظيم ، وقال ما معناه . كلا يابني ، لقد ذهب ما اعطيتموه وبقى ما أعطاكم .
وستجد [كافوراً] مع المتنبى أشهر منه مع شعراء مصر وشعراء زمانه فى وقته ، وستلقى وقفاته العابرة مع أى عظيم فى عصره ، تغنى وتزيد عن المنادمات ، والمصاحبات الطويلة بين أي عظيم وشاعره فى ذلك الزمن ! .
وقد تجد أى شاعر ينهب أرباح القرون وانصافها مع أميره الممدوح ، فلا يطير بذكره فى الخافقين كما يفعل المتنبى في وقفات قصار محدودة .
وما مر على القارىء من أبيات ليست بذات دلالة أكيدة على تبريز المتنبى فى المديح ، ولكنى أحبل القارئ على قصائده التى سماها الأقدمون [قلائداً] وحق لها أن تكون كذاك.
ان المتنبى يمكنه أن يمدح الحجر فيوحى إليه بحسن تأتيه ورصانة مبانيه وطلاوة معانيه انه أصبح انساناً سوياً يتحرك وينطق ويشعر ويحس .
والمتنبى بمدح مخلصاً ، ويهجو مخلصاً ، فقد مدح كافوراً عند ما أقبل عليه بهمومه وآماله بالخرد السوائر ، ثم هجاه حينما خابت ظنونه فيه - كما كان يعتقد - بالأوايد الشوارد . !
وكان فى وسعه أن يهجو سيف الدولة بعد أن تركه ، ولكنه كان شريف الطوية سليم النية ، وقد تعلل بعض الشطرات مما جاء فى مديح كافور أن فيها شيئاً من التلبس لسيف الدولة ، ولكنها خطرات أن صح زعم الزاعمين فيها فهي لا تنحت الأمثلة ، ولا تقصد الرمية ، ولا تتغلغل في العظمة ، وهي أشبه بلاذع العتاب منها بمرذول السباب
ان شعره فى أماديحه لا يستشهد منها بشئ دون شئ ، ولا يستغنى عنها بشميم زهر دون اجتناء ثمر ، انه مدح يكفى أن يقال فيه انه لم يأت قبله مثله ، ولم يأت بعده مثله !
وهذا يبرهن بلا امتداء أن أبا الطيب كان يتعشق المدح تعشقاً مبرحاً قل أن يكون له نظير ، وذلك هو السر في اجادته له وتبريزه فيه .
أو لقد كان يتخذ المدح وسيلة الى غاية بعيدة المرامى عسيرة المنال ؛ وعندما استحالت هذه الغاية وتعذر إدرا كها ؛ أصبح المدح فى نظره هو الوسيلة وهو الغاية أيضاً وهو كل شيء، فامتزج بدمه ؛ وديف بلحمه وسرى الى قصى مسارب غرائزه ، حتى قال آخر ما قال في عضد الدولة وفي حياته : فلو انى استطعت خفضت طرفى فلم أبصر به حتى أراكا ! . يرحم الله أبا الطيب عداد حسنائه للغة والأدب والبيان.
ولقد كان من الحتم اللازم أن يقوم شاعر - مثل مقامه - فيخلع عليه مثلما خلع على ممدوحيه من سوابغ الثناء وبوالغ الاطراء ، وانه بذلك لحقيق جد حقيق .
