( حلب )
كثيرة هى الهموم .. وصعبة جدا أمور الحياة .. وزمام الاشياء خارج ارادتنا . فماذا نفعل سوى مواصلة الحياة ببلاهة الحمقى ، والعمل بكد البهائم .. والتذمر مما يدور حولنا ؟ ... بربك يا عبد الرحمن ، قل ماذا تستطيع فعله ؟! ..
منذ عشرة أيام وأنا أبحث عن عمل فى هذه المدينة الصاخبة .. والاهم من ذلك ، أبحث عن غرفة صغيرة ، أسكنها ، فوق سطح عمارة شاهفة أو نحت سلالم هذه المبانى المتراصة فوق بعضها البعض ، وكأنها علب حلوى تتسابق اليها أفواه شرهة لم تعرف الشبع فى يوم ما .
المدينة !!.. قالوا : إن المدينة موطن العجائب .. الكل فيها مرتاحون .. والجيوب - فى المدينة - سرعان ما تمتلىء ، وسرعان ما تفرغ . كل شئ فيها عجيب ، وغريب .. وكأن ( خاتم سليمان ) فى يدك ، كل ما تتمناه نفسك تجده فيها ، وتحصل عليه بسهولة غريبة . وقالوا : إنك تستطيع أن تتمتع بمشاهدة فتيات المدينة ، وأن تسمعهن اطراءك - على المكشوف - بينما يقابلنك بابتساماتهن العذبة ، وتمايل قدودهن الممشوقة بغنج ودلال . والنتيجة ... أننى منذ وصولى هذه المدينة استقبلتنى احدى حسناواتها بصفعة قاسية ، مدعية أنى تحرشت بها مستغلا ازدحام ( الباص ) الرهيب . - ويشهد الله أنى برئ - . لقد آلمتنى صفعتها ، كما تؤلمنى الآن تعليقات من كانوا حولى ، وكلماتى البذيئة ، عن الريف ، وأهل الريف . نظراتهم الى ما تزال تخترق
جسدى كوخز الابر ، ولكن .. ما العمل ؟! .. فالغريب مستضعف - خارج أرضه - ولو كان ( عنترة ) .
اننى عامل فرن ممتاز - فى قريتى - .. أعجن ( جوالا ) من الدقيق فى أقل من ساعة ، وأصمد أمام نار ( التنور ) اكثر من ست ساعات متواصلة .. وقال على القادمون من المدينة ، بأن أصحاب المخابز سيتلققوننى مثل ( لقمه الغلاء ) . وها هو الاسبوع الثانى يدخل على وجودى فى هذه المدينة دون ان اوفق لعمل .. المصروف ، يتبخر شيئا فشيئا ، وكل ما حصلت عليه ليس اكثر من تهكمات اصحاب المخابز ، الحديثة وتعليقات أسمعها من الكبير ، والصغير . واذا لم أحصل على عمل حتى آخر هذا النهار سأشد الرحال عائدا الى قريتى ( أم الخوابى ) ، وسأبقى هناك قانعا - رغما عنى - بقسمتى فى العيش . فصاحب الفندق ، وحده ، قبض منى ، حتى الآن ، ما يكفينى وعائلتى شهرا كاملا فى القرية . !!! .. هيا يا عبد الرحمن ، أين همتك ؟.. ساعدنى يا رب .
هذا مخبز يختلف عن غيره من مخابز هذه المدينة ، العجيبة ، .. لاول مرة ارى فيها مخبزا فيه ( بيت نار ) ، لان المخابز التى مررت بها قالوا بأنها على ( الذرة ) اى انك تصنع ( حوالى ) الدقيق من هنا ، فيخرج من هناك خبزا جاهزا للبيع والاكل .. كان الله فى عون الصادق .. من يعجنه ؟ .. ومن يقطعه ؟.. ويخبزه ؟ .. الذرة كما أظن .. هه .
دخلت ، تلفت حولى أبحث عن صاحب المخبز - كان الناس يتقاتلون من أجل الحصول على بضع أرغفة - ما أكثرهم شهداؤك وضحاياك أيها الرغيف المستدير - ، عامل ، طويل ، يقف امام ( بيت النار ) ، يدخل فيه أقراص العجين ، المرقوقة ، ليخرجها منه ارغفة ، حمر ، شهية . وآخر أمام( عجانة ) حديثة - على كهرباء -.. يا لهذه المخترعات !! .. وثالث يقطع العجين ويضعه فى فوهة آلة صغيرة ، فيخرج من الجانب الآخر أقراصا رقيقة ، جاهزة للخبز .. كل شئ على الكهرباء _ الا ( بيت النار ) - ترى ماذا يحدث لو انقطع تيار الكهرباء ؟! .. هل يعرفون العجن ، والتقطيع ، والخبز ؟ .. أم أنهم ...
- ماذا تريد يا أخ ؟..
جاءنى صوت أجش .. كان صوت رجل تجاوز الخمسين من عمره ، يقبع ، على كرسيه خلف طاولة تتوسط ساحة المخبز ، وعليها صندوق يصدر رنينا كلما وضع فيه قطعة نقود ، اقتربت منه :
- عفوا .. إذا سمحت يا أخيى أريد مقابلة المعلم .. - ولماذا تريده ؟ .. - أود العمل عنده ، إذا كان يلزمكم عامل .. - هه .. وماذا تستطيع عمله ؟
خمنت بأنه صاحب المخبز - اذا لم يكن فضوليا اكثر من اللازم - . بدأ معى تحقيقا طويلا .. سألنى عن اسمى ، وعنوانى .. وأين أنزل .. ومن أين قدومى .. قال لى :
- لنر ما تستطيع عمله .. يا ( سالم ) خذ هذا معك .. سألته :
- عفوا .. كم ستعطينى ؟ ..
نظر الى .. تأملنى من قمة رأسى الى اسفل قدمى .. أمسك ابريق ماء زجاجى ، كان بجانبه ، رفعه الى فمه ، وبدأ يصب الماء فيه بطريقة غريبة .. أعاد الابريق لمكانه ومسح بطرف كمه الماء حول شفتيه تجشأ ، بقوة ، ثم قال :
_ نبيه ... سأحسب لك عشر ليرات عن اليوم الواحد ...
- ولكن الفندق وحده يأخذ منى سبع ليرات ..
- وماذا أفعل لك ؟ ... على كل ، هذا مبدئيا ، وأجرك قابل للزيادة حسب ما تبذله .
- زدهم قليلا .. - تكرم .. وفوقهم ليرتان أخريان .. ماذا قلت ؟ - شكرا ...
صرخ بأعلى صوته :
- هيا إلى العمل .. عجل يا ولد ، الناس ينتظرون .. أين الحركة ؟ .. اين أنت يا ( سالم ) .
كان ( سالم ) يد المعلم اليمنى .. معه مفتاح المخبز .. هو الذى يفتحه . وهو الذى يغلقه ، والمعلم يستشيره فى اكثر أموره - الخاصة بالمخبز وعماله - ويعطيه أعلى أجر بين العمال . مكانته عند المعلم لا يطمح أحد بالوصول اليها ، فهو النائب الاول للمعلم ، ويسكن - مجانا - احدى دوره . لماذا يحبه المعلم ؟!.. الله أعلم .
الحمد لله .. لقد بدأت العمل . وغدا ستتحسن الاحوال ، سيتضاعف أجرى عندما أثبت لهم بأنى معلم ممتاز فى صناعة الخبز .. سأتخذ لى بيتا صغيرا .. غرفة واحدة تكفينا نحن الثلاثة .. زوجتى ، والطفل ، وأنا .. سنعيش سعداء ، فالولد سيكبر ، ويدخل المدرسة ، وبعدها الجامعة وسنرتاح من هم الارض ، وحراثتها وتعشيبها ، والتعب المضنى فى جنى المحصول وبيعه . سنكون ، هنا ، أحسن حالا ، وسنصبح فوق الريح .
مرت الايام الثلاثة الاولى ، بسلام .. فى فجر اليوم الرابع ، دخل علينا ( سالم ) يحمل فى يده عصا غليظة .. كانت أحواله مقلوبة .. ثيابه ممزقة ، ورأسه معصوب بخرقة ، ملونة ، قديمة .. وعليها اثار بقع من الدم _ غير جافة _ تحلق حوله عمال المخبز يسألونه ، بلهفة ، عن سبب انقلاب حاله الى ما هى عليه .. قال بثورته الجامحة .
- ابتعدوا عنى .. اتركونى ... أين ( الحاج سعيد ) ؟.. - ( الحاج سعيد ) المعلم ؟ - نعم .. الكلب ( سعيد ) .. - وماذا فى الامر يا ( سالم ) ؟ .. هل أنت تهذى ؟ ..
- حضرته ، يظن الناس مثل بعضها .. بالامس استطاع اغواء ( رجاء ) وجعلها تطرد ( كامل ) ، زوجها ، وها هو اليوم يتسلل الى بيتى لينال من زوجتى .. الكلب .. سوف اذبحه لاريح الناس من شروره .
هدأوا من روعه ، وثورته ، اشعلوا له سجارة بدأ يدخنها بعصبية ... بعد قيل وقال .. عرفت بأن هواية معلمنا سلب عماله زوجاتهم ، وتشريد أطفالهم فى الشوارع .. أما العمال فينتهون اما فى السجن او فى خمارات
المدينة وشوارعها . هكذا هى عدوانيته .. لماذا ؟ .. الله أعلم . المهم أن ( سالم ) قبض مبلغا محترما من المال ووعد بأن لا يعود للمخبز بعد اليوم .
بعد ظهر اليوم التالى .. دخل ( الحاج سعيد ) يتبختر مزهوا ، وكأن شيئا لم يحدث . وقف العمال يتأملونه .. صاح فيهم :
- ماذا بكم ؟ .. هل صدقتم رواية ذلك المجنون ؟!.. لعنة الله عليه سعض الممدودة لمساعدته ... يتنكر للنعمة والمعروف .. تفوه عليه وعلى امثاله من الساقطين . كل ما فى الامر ، يا شباب ، أنى كنت عائدا من صلاة الصبح ، ومعنى بعض الفواكه .. مررت ببيته ، فتذكرت أولاده المساكين ، طرقت الباب لاعطيهم بعض ما أحمله .. واثناء حديثى مع زوجته ، حضر الافندى هددنى ، واعتدى على فاضطررت للدفاع عن نفسى وضربته ، والغريب أن زوجته ، تلك الملعونة بنت الملعونة ، أكدت للناس ما ادعاه على زوجها . .
هززت رأسى مأخوذا بقصة ( سالم ) .. التفت المعلم الى وسألنى :
- كيف الحال يا عبد الرحمن ؟ .. هل انت مبسوط فى عملك ؟ سأزيد لك أجرك فى الاسبوع القادم ثم ، تجشأ بقوة ، .. قال لى ( ماجد ) هامسا :
- لا تأبه له .. اشتغل فانه خنزير كاذب .. لقد فعل ما قاله ( سالم ) ... أنا رأيته ، ولما علم بأنى أعرف نواياه نحو زوجة ( سالم ) أعطانى مائة ليرة وهددنى بالطرد ، واتهمنى بالسرقة اذا بحت ( لسالم ) بشئ ..
قلت فى نفسى :
- عليك اللعنة أيها الخبيث .. أعراض الناس يا شائب الكلب .ز هكذا الكافئ من يأتى لمخبزك قبل الفجر ليحفظ لك مصالحك ؟ .. يا لك من نذل ناكر للجميل .. ولكن .. لماذا سيزيد اجرى ؟ .. لماذا يتودد الى ؟! هل يفكر بتقريبى منه حتى أنتهى مثل ( سالم ) .. هل سأكون التالى من ضحاياه ؟ الكلب ، يظننى فريسة سهلة ..
فى مساء اليوم التالى ، اقتربت من المعلم أسأله شيئا .. لكن الخوف كان يعقد لسانى ، ويلصق الكلمات فى سقف حلقى ، فيمنعها من الخروج . شعرت بأنى
فقدت مقدرتى على التعبير ... أريد أن أعبر له عن شوقى لزوجتى ولطفلى الوحيد ، ولقبر أمى الذى اعتدت زيارته صباح كل يوم ( جمعة ) كيف أعبر له عن حنينى ، المتأجج فى أعماقى ، للبيدر .. والنبع ، والدار .. اشتقت لسماع نباح كلاب قريتنا ، ونقيق الضفادع فى المستنقع القريب من بيتنا .. لمبة ( الكاز ) افتقدتها منذ دخولى هذه المدينة .. اشتقت للسعات البعوض الذى كنت أتذمر منه ، وألعن الساعة التى خلق بها .. اشتقت لكل ذلك ، ومللت .. مللت المدينة ، وضجيج السيارات وصخب ابواقها .. كرهت التأمل فى زنود النساء العارية - نقلة أدب ، وقلة دين - وقرفت من الاصبغة التى تعلو وجوههن وتطمس ملامحهن وهن يتفاخرن بتدخين السجائر الطويلة ، المغرية .. كم هى جميلة قريتنا .. وكم هن وديعات بناتها ومحتشمات ... ونخوة الرجال عندنا لا تقدر بثمن ، فبنات القرية عندنا ، أخوات لكل رجالها .
انتبه المعلم لوقوفى بجانبه .. سألنى :
- ماذا تريد يا عبد الرحمن ؟ ..
- لا .. لا شئ .. فقط أردت أن أسأل إذا كان بامكان الذهاب الى القرية .. زوجتى .. و .. وابنى ..
قاطعنى : متى تريد الذهاب ؟ ..
أجبته بلهفة : - اليوم ..
- حسنا ، تستطيع الذهاب ، لترى زوجتك ، فانها ، حتما ، تنتظرك فاليوم ( الخميس ) والواجب ..
وغمز لى بعينه ملمحا ، بوقاحة ، ثم تجشأ بقوة.. مد يده الى صندوقه الرنان وناولنى منه أجرى مضيفا فوقه عشر ليرات هدية متواضعة منه .. تلقفت النقود من يده ، واطلقت ساقى فى الريح .. مررت ببائع الحلوى .. اشتريت علبة مليئة بالحلوى ، وانطلقت نحو ( الكراج ) .. استقبلنى صديقى ( دياب ) معاون ( المكو ) الوسيلة الوحيدة للنقل من قريتنا الى المدينة ، وبالعكس .. أجلسنى فى مكان جيد - قرب النافذة - حيث استطيع تأمل الطريق الفاصلة بينى وبين القرية - جلس يقربى .. سألنى عن احوالى أخبرته بكل شئ ، مند وصولى المدينة ، وحتى وعد معلمى بزيادة أجرى .. أبدى لى اقتراحه الغريب :
- لماذا لا تستأجر بيتا فى المدينة وتأخذ اليه أهلك ؟ - ومن اين النقود ؟ .. أنت اعلم بالحال يا ( دياب ) - الارض .. بع الارض واشتر بثمنها دارا صغيرة لك ولاهلك - ماذا تقول ؟ .. انا ابيع الارض ؟!! - وما المانع ؟.. ما دمت ستستقر فى المدينة
- ومن قال لك ؟.. اتق الله يا رجل ، فانا ذاهب الى الارض أريد ان ازرعها .. أنام فوق ترابها ، فقد طلقت المدينة طلاقا ، باتا ، ولن أعود اليها ما حييت .. انهم يأكلون لحم بعضهم فى المدينة - .. ايسألنى أنا . .
- يا مجنون !!.. ما علاقتك بهم ؟.. وما موقفك من معلمك ؟ قلت بأنه يحبك
- دعه يتجشأ كما يريد .. فالارض جنة - لا يعرف خيرها الا من جرب غيرها - .. وابله من يخرج من الجنة ليدخل الجحيم ، أليس كذلك ؟! ..
وأطلقنا معا ضحكة عالية ومرحة ، بينما ( السيارة ) تلتهم الطريق الاسفلتى المتعرج ... لتخلفه وراءها اسود ، طويلا ، لا نهاية له .
حلب

