كان للمذهب الآلى المادى الذى تولد عن الفلسفة الوضعية والذى ساد القرن التاسع عشر رد فعل شديد فى فرنسا بلغ نهايته عند برغسون الذى اخذ على نفسه ان يدافع على الجانب الروحى فى هذا العالم - لقد اصبحت مظاهر الوجود عند المذهب المادى تفسر تفسيرا آليا حتى ان قوانين المادة اصبحت قوانين الظواهر النفسية وقد هال هذا الاتجاه الكثير من المفكرين واصبحوا يبحثون عن حقيقة الوجود لا فى عالم المادة وانما فى عالم الحياة التى سرت بدورها الى المادة ذاتها والتى اصطبغت بها العلوم ، وكان م اشهر من قام بهذا العمل الفيلسوف الفرنسى برغسون ( 1859 - 1941)
ولد برغسون فى باريس من ابوين يهوديين ، درس الرياضيات والطبيعة اولا وتتخصص فيهما ودرس الفلسفة بعد ذلك واعجب ايما اعجاب بفلسفة سبنسر لانه وجد فيه ما لم يجده فى غيره من الفلاسفة من الاهتمام بالوقائع والرجوع الى التجربة ، فقد كان غير سبنسر من الفلاسفة مولعين ببناء فلسفاتهم على تصورات مجردة كل التجريد وبالرغم من ان برغسون لم يستمر على مذهب سبنسر الا انه ظل وفيا للنزعة التجريبية متمسكا بالواقع وبالجزئى المتعين - وقد اشتغل برغسون بمجرد تخرجه بالتدريس اذ عين استاذا للفلسفة بعدة معاهد كما اشتغل ايضا بالسياسة ، وقد اخرج للناس عدة كتب رفعته الى عالم الشهرة وجعلته فى مصاف كبار الفلاسفة واهمها :
المعطيات المباشرة للشعور - المادة والذاكرة - التطور الخلاق - مصدرا الاخلاق والدين -
نظرية الديمومة :
تعتبر فلسفة برغسون رد فعل ضد المذهب الآلى وهى فى الحقيقة لم تعارض المذهب المادى فقط بل تعارض المذهب العقلى الذى قدر ان العقل يستطيع ان يدرك الحياة وهى تعارض الكانتية التى وضعت الزمان والمكان على قدم المساواة مع المكان - لقد خلط الفلاسفة بين الزمان والمكان فبينما المكان يتكون من أجزاء متجانسة تمام التجانس وتمثل الاشياء فيه كثرة
متمايزة تتجاور محددة وفق قوانين ضرورية صارمة فان الزمان عند برغسون ديمومة مستمرة قوامها اللاتجانس والتتابع الكيفى والتداخل والذى حمل الفلاسفة على اعتبار الزمان كالمكان الميل الى تعميم صفات المكان على كل كائن بينما إذا أولينا اهتمامنا الى الحياة النفسية فانا نقف على ديمومه مستمرة لا تعرف التجانس نستشعرها حينما نعطف على حياتنا الباطنية لنشاهد تعاقب احساسنا وذكرياتنا ولذاتنا وآلامنا فأنت قد تقضى ساعه فى اللهو والمرح فتبدو انها اقل من ساعة تقضيها وانت تتألم ، ان الديمومه هى الزمن الحقيقى الذى نشعر به اما زمن الساعات والايام فهو زمن آلى متجانس ما هو الا نتيجة ادخال فكرة المكان فى صميم فكرة الزمان وهو لذلك يخضع للقياس خضوع المكان له اما الزمن الحقيقى او الديمومة اى الزمن الذى اشعر به فهو ليس واحدا وان قوامه التغير وهو لهذا لا يقبل القياس لانه لا يمكن ان تكون وحدة قياسية بما جوهره التغير والسيلان
اننا بازاء المكان والزمان امام حقيقتين المكان باعتباره امتدادا متجانسا يخضع للكثرة - العددية قابل للانقسام والقياس والزمان الحقيقى باعتباره ديمومة وكيفا محضا لا تجانس فيه يدرك بواسطة التجربة الباطنية ، وامام هذين الحقيقتين يجب ان نسلم بحانب التسليم بالمادة التى جوهرها الامتداد بحقيقة اخرى جوهرها ديمومة محضة هى الشعور او النفس
الجسم والنفس :
واذا كان الزمان هو الديمومة تتداخل فيها الصور وتنمو وتطرد نموا فانه يتبع هذا ان الماضى لم يقف منذ البدء وان احداثه تتزايد الى ان تصل الى الحاضر وان الذاكرة هى الوعاء الذى تختزن فيه الاحداث الماضية لكى تقوم بوظيفتها فى مساعدة الانسان على توسيع دائرة عمله وتحقيق فعله على أحسن الوجوه وليس هذا كل عمل الذاكرة فلها بجانب ذلك عمل اخر قوامه استيعاب الماضى بأكمله فى اعتمادها على التصور المحض وهذا هو الذى جعل برغسون يميز بين ذاكرة قوامها العادة La memoire hobitude وهى الذاكرة التى تهدف الى الفعل وفيها تكون استعادة الماضى الى الذاكرة بطريقة آلية وان الغاية منها النفع وذاكرة قوامها التصور المحض La memoire souvenil ليس فيها ترديدا للماضى وانما تتمثله وتعيشه فانك مثلا تستطيع ان تستظهر قطعة حفظتها وفى هذه الحالة لا تعدو ان تكون مرددا لما حدث فى الماضى اما ان تستحضر الطريقة التى حفظت بها القطعة فانك تتمثل وتعيش حالة شعورية والفرق بين الحالتين ان الاول عمليه نفعية أداتها الدماغ والثانية تمثل وحياة للماضى لانها تصور محض وهذا التصور وان كان مستقلا عن البدن فانه يتم عن طريقه ، ذلك ان العقل ليس وظيفة الدماغ بل الدماغ اداة يستخدمها العقل فهو بمثابة المجرى الذى يجرى فيه الماء فلا المجرى هو الماء ولا الماء هو المجرى فهما شيئان متمايزان كذلك
الدماغ لا يعدو ان يكون المجرى الذى تجرى فيه اعمال العقل ومهما كانت الصلة بينهما فهما متمايزان مختلفان وليس بوسع الدماغ ان يولد اى عملية عقلية ولا ان يفكر ، وان الجسم ليس الا مكانا لحفظ الذكريات تستخدمه النفس لتحقيق افعالها واذن فالجسم والنفس متمايزان مختلفان وان النفس تستطيع ان تستقل عن الجسم الا انها لا تستطيع ان تفعل شيئا بدونه
الحدس :
واذا كان العقل اداة فعل لانه يميل الى استخدام الوجود لصالحه فليس هو وسيلة لادراك الحقيقة او لادراك الحياة لان العقل لا يدرك من العالم الخارج الا صورا متقطعة يجىء بعضها متتابعا كما تجىء الصور فى الشريط السينمائى لقطات متلاصقة لا حياة فيها بينما جوهر الوجود حياة لا انقطاع فيها ولا تجزئة بين صورها ومن ثم لا يستطيع العقل ان ينفذ الى باطن الوجود اذ النفاذ اليه يكون بواسطة الحدس ذلك النوع من المشاركة العقلية التى تنقلنا الى باطن الشئ لكى نتطابق مع ما هو فريد والذى لا يمكن التعبير عنه - ولهذا تصبح الميتافيزيقا ممكنة عند برغسون لكنها ميتافيزيقا تجريبية غير عقلية لاننا ندرك الوجود بواسطة التجربة المباشرة أعنى بواسطة الوجدان او ما يسمى الحدس
نظرية التطور الخلاق
وما دامت الديمومة هى جوهر الوجود وقوامها التغير والتطور فان التطور عند برغسون ليس له مفهوم التطور عند لامارك و داروين و سبنسر ، فهو ليس تطورا آليا لان التطور الآلى ينكر الديمومة التى هى الجوهر الحقيقى لكل ما هو نفسى ولما هو شعور وهو أمر لا يقدر التطور الآلى ان يفسره وهو كذلك ليس تطورا غائيا لان الغاية نفسها لا تفهم حقيقة الديمومة لانها تضيف الى الطبيعة مقاصد وتعتبر ان لكل الموجودات أغراضا مسبقة محددة منذ الأزل -
ان القول بالغائية على هذه الصورة لا يختلف فى شئ عن الآلية لانها ليست الا آلية مقلوبة اذ الآلية دفع من الخلف والغائية جذب المستقبل - واذن فعلى اى نحو يتصور برغسون التطور ؟ انه لا يتصوره على نحو ما تفعل الآلية اى عبارة عن اضافات عرضية لمجموعة الاحداث الطبيعية او على نحو ما تفعل الغائية اى عبارة عن ان كل شىء موجود دفعة واحدة وانه من الممكن ان يرى المستقبل فى الحاضر فليست هذه الا نظرة جزئية ثابتة قائمة على التصور العقلى الذى يدرك الاشياء خارج الزمان بينما الحياة تقدم وديمومة ، ان برغسون يتصور التطور جهدا خلاقا ووثبة حيوية L' elan vital مبدعة خلافة هى دفعة باطنية لها القدرة على ان تصنع الاعضاء بوسائل مختلفة - وهذا التطور ليس سلسلة من التكيفات مع الخارج كما يقول المذهب الآلى ولا هو تحقق لمقصد كلى معين من ذى قبل فهو عبارة عن حركة حيوية ليس لها اتجاه مسبق انها وثبة اشبه بقنبلة انفجرت فتناثرت أجزاؤها فى اتجاهات مختلفة تشيع
فى كل ما تحل به ميلا للتغلب على المادة وللتحرر منها الا انها فى اول امرها ارادت ان تصانع المادة فجاءت شبيهة بها فى جمودها اذ ظهرت فى النباتات ثم بدأت تتحرر في مختلف الحيوان فى النمل والنحل ثم اختارت الانسان الذى عقدت عليه الامل فى التحرر من القيود المادية اذ زودته بالعمل الفكرى ان هذه الحياة التى تستمر فى الخلق والابداع هى الله وانهما ليسا الا اسمين لمسمى واحد
الأخلاق :
ان الاتجاه الذى اتخذته الحياة او الوثبة الحيوية اولا فى الغريزة قد أدى الى ظهور مجتمعات مغلقة يخضع فيها الحيوان للغريزة وفيما اتخذته ثانيا فى الفكر قد ادى الى ظهور الانسان وعن هذين الاتجاهين قد تولدت اخلاق مغلقة Morole close واخلاق مفتوحة Morale ouverte اخلاق مغلقة فى المجتمعات التى تسودها الغريزة وهى جماعات الحيوان التى قوامها افعال لصيانة الحياة الاجتماعية ومجتمع الانسان الذى قوامه طائفة من النظم للمحافظة على كيان المجتمع ضد المجتمعات الاخرى تتولد عنها التزامات ناشئة فى الضغط الاجتماعى ، ولما فى مجتمع الانسان من التمسك بحفظ ، وجودها يصبح لها طابع قدسى ، ان هذه الاخلاق المغلقه فى المجتمع الانساني تقوم بنفس الدور الذى تحققه الافعال الغريزية فى الحيوان لكن الانسان بما له من نزوع إلى الامام منجذب الى اخلاق انسانية قوامها ممارسة العدالة والرحمة تزول فيها الفروق بين الافراد والاوطان وهذا الضرب من الاخلاق هو الذى يكون الاخلاق المفتوحة التى تجد اساسها لا فيما تمارسه الجماعة من سلطان على الافراد وانما فيما يقوم به الابطال من صنع التاريخ بما لهم من استعداد للوثبة الخلافة امثال الانبياء والمصلحين والقديسين هؤلاء الذين لهم تأثير عل النفوس والقلوب والذين يجذبون الناس بالقدوة ويخاطبون فيهم الحساسية فيستجيبون لنداءاتهم
الدين :
وكما فرق برغسون فى الاخلاق بين الاخلاق المغلقة والاخلاق المفتوحة فانه يفرق فى الدين بين الدين السكونى Religion statique والدين الحركى Religion dynamique فالحياة التى اتجهت اتجاه الغريزة واتجاه العقل قد تكفلت بإعادة التنظيم الذى يفسده العقل فيما يلاقيه الفرد من ارهاق وفيما تلاقيه الجماعة من تفكك وهو الذى نشأ عنه فقدان الطمأنينة والصفاء النفسى وقد اتخذت الحياة من الخرافات سبيلا الى اعادة التنظيم بحيث تعود الطمأنينة إلى النفوس - ففى الانسان وظيفة خرافية بامكانها ان تخلق آلهة أو قوى الهية تعيد للانسان الطمأنينة التى فقدها باستعمال العقل - واعادة التنظيم باتخاذ الخرافة سبيلا الى الطمأنية هو ما يسميه برغسون بالدين السكونى وهذه الوظيفة الخرافية تقوم فى الانسان مقام الغريزة فى الحيوان
التى تجعله يحيا حياة غارقة فى الطمأنينة - الا ان هناك سبيلا اخرى تحقق للانسان الطمأنينة على شكل ارقى مما تحققه الوظيفة الخرافية فى الدين السكونى والغريزة فى الحيوان هو سبيل التجربة الروحية التى تجد مصدرها فى الحدس الذى هو ضرب من الاتصال بالجهد الخلاق او الله - هذا الشك الراقى الذى يحقق الطمأنينة بالاتصال المباشر بالله هو ما يسميه برغسون بالدين الحركى وانك هنا تقف فى فلسفة برغسون على صوفية تقوم عن الاتصال او الحب لكنه حب الله للانسان وهو فى نفس الوقت حب الانسان للانسان وحب الانسان لكل موجود بواسطة الله هذا الحب هو الوثبة الحيوية التى تكمن وراء الوجود ويظهر بكل وضوح ان المسيح هو مثلها الاعلى

