الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

المرأة المثقفة في البلاد المتجهة الى النمو

Share

اننى وان كان بغيتي التحدث عن المرأة المثقفة في البلاد السالكة طريقها نحو النمو فانا متحدثه اولا وبالذات عن التونسية يقينا منى ان نساء هذه الاقطار كلها تجابه عين المشاكل . وريثما تزداد معرفتى بالعالم الثالث تعمقا فى هذا الميدان فانا مقارنة بين وضعية المرأة المثقفة في تونس وبين وضعية نظيرتها المثقفة فى البلاد الاكثر نموا .

وقبل ان نحدد للمرأة ما يجب أن تلعبه من دور في بلد متأخر فى تطوره ,أليس لزاما علينا ان نحاول فى البدء ان نتفق حول مفهوم هذه المثقفة وماهيه منزلتها فى المجتمع ؟ اننى قائلة بكامل الصراحة ومن أول وهلة : ان هذه المثقفة قد لا تبدو دائما فى مظهر يرفعها مقاما فى عيون الآخرين فاذا هى بالخصوص اقتصرت على تعاطي مهنتها بلبسها العصرى اصبحت محطا للمؤاخذة ، شانها فى ذلك شأن المرأة المثرية التى لم تحسن غيرالتأنق فى اللبس . ان هذه وتلك لملومتان من حيث قد تحررتا لذاتيهما دون مراعاة لاخواتهن فاصبحتا فجاة تجولان عبر عالم مسوس بنواميس اجنبية فرضت عليه فرضا . فتصبح النساء الاخريات متأهبات دوما لترصد ما بقى لديهن من مظاهر الانوثة بالمعنى التقليدى والقومي في مختلف الميادين من أزياء وأوضاع ولغة وأساليب عيش . فيقال عن المثقفة انها ترتدى اللباس الاجنبى وتتحدث حديث الرجل ان عن لها ان تستعمل لغتها القومية . ولربما عدوا من فضائلها انصرافها عن القيل والقال وعدم تشوقها الى ذلك وان اشفقوا عليها من اجل ما بلغت اليه من سذاجة بحيث اصبحت تضاهى الرجل سذاجة فلم تعد تشاطر اخواتها ما يخالجهن من أحاسيس .

انها على الحقيقة مواقف مؤسفة ازاء المتعلمات ولربما افضت الى تثبيط عزائمهن عن كل مبادهة . فكم من امرأة متعلمة نراها اصبحت تحقر من شأن نفسها كل التحقير حتى لا تنسب الى الشذوذ والخروج عن الجادة .

على ان رد الفعل قد يكون أقرب الى العنف لدى طائفة أخرى من مثقفاتنا فقد يروقهن ان يصدمن بسلوكهن الخاص والعام في غير ما تحرج ولا اتزان بغيه تحرير شخصيتهن التى اوشكت ان تختنق تحت وطأة التقاليد وان افضى ذلك الى تحطيم تلك الشخصية وسلبها كل فعالية نتيجة لذلك السلوك الاخرق وزبدة القول ان المرأة المثقفة غير محمودة الخصال فى نظر السواد الاعظم ممن لا يعنون بالغنم المترتب عن تثقيف المرأة .

اما فى نظر النساء المتعاطيات عملا فالمثقفة تبدو فاترة الحساسية أو بالاحرى غير ملتهبة الحماس فهي تفكر فوق المعتاد وتظل مترددة فى أمرها ولا تقوم بتضحية من تلقاء نفسها وتبالغ فى النظر الى المستقبل . ثم هى تسمح لنفسها بالحكم على غيرها وتلك هي الطامة الكبرى . على انها تعد نفسها متفوقة على غيرها منزلة وان كانت معائبها بادية للعيان وعلى كل فهي ذات عقلية مشوهة اذ كانت من صنع اجنبى . وهى لا تجيد مخاطبة النسوة الاميات اللائى هن الاغلبية فى البلاد . وهى متصلبة فوق ما يجب متشبثة باهداب نظم ذات صبغة إدارية تجعلها كريهة الى النفوس معرقلة للنشاط

ولئن تسامحنا معها فغاية ما تحسنه هو القيام بشؤون النشريات اذ المطبوع مما لاغني عنه وهو مما يرتفع مقدارا فى نظر الخاص والعام بسبب قداسة الكتاب . على ان النسوة المثقفات قليلات جدا بحيث قد يمكن الاستغناء عنهن ، ان اردنا ان نسارع إلى تطوير الجمهور من الشعب .

ولقد يعترف للمثقفات فى مقابل ما سلف انهن لا يتنحين عن كتب دراساتـهن وانـهن يرزحن تحت وقر مسؤولياتهن العائلية والمهنية ، فكذلك تعودن عدم الاهتمام بسوى شغلهن الذي هو فى حد ذاته من الفروض الاجتماعة وهكذا تطمئن ضمائرهن لذلك الشغل على الرغم من تعدد حاجيات وطنهن ..

واذ كان الرجال متمتعين بقرون عدة من التفوق فسيقع اللجوء اليهم في النهاية لكى ينيرروا سبل الحركة النسائية . اما بالنظر الى شبابنا المثقف من فتيان وفتيات فلا اثر بتاتا للمثقفين بين ظهرانينا ، لارجالا ولا نساء ، او هم في حيز المنعدمين بيننا . ولما لحقهم من الحرمان المؤلم في عالم الفكر وما انتابهم من انفصام العروة التى تربطهم بوسطهم ، فهم يحاولون الاحتفاظ بالجو الفكرى

الذي تم فيه نضجهم التدريجى خارج القطر بمزيد الجهد وعميم الثمرات ولربما تكون قد استهوتهم خلال المؤتمرات العالمية بعض التصريحات الفوضوية المتحمسة من حيث اللهجة فتناسوا انها كانت تستهدف خاصة تقرير مبدأ النظام والخضوع للنواميس الصارمة .

هذا ونحن نجد المثقف فى البلاد المتقدمة التى تكون فى طليعة الرقي المادى ، نجد المثقف هنالك يكافح بعنف في سبيل ايجاد تيار فكرى مستحدث ، لكن ذلك التيار المستجد انما اقيم على أسس ما سبقه من الافكار المنتظمة فى سلك بيئة معينة ، وكل ما اقترنت به هذه المكافحة من العنف فله ما يعدله ويكبح جماحه فى تلك العادات المتأصلة الراسخة بمالها من اسس فكرية وفلسفية ؟

اما في البلد الذى يكون بصدد النمو فردود الفعل من ذاك الصنف الذى يروق الكثيرين انما تتجه بحملاتها الى صنفين من الناس ، فأناس لاقبل لهم بها وليس فى طوقهم ان يجابـهوها الا بما أوتوا من ذوق سليم قد يكون متناهي القصور ، واناس لا يدركون ان كل فكرة مصطبغة بلون الارض التى ولدت فيها فمجرد المحاكاة العمياء لا تكون الا وخيمة العقبى ، ولو في تدبير الشؤون الفكرية ، حين تنتقل من بلد مكتمل نموه الى ما دونه فى الاكتمال .

ذلك ان السواد من الشعب يجب ان يفسح له المجال كى ينخرط فى عالم يكون ضرب بسهم في تشييده تدريجيا معتمدا فى ذلك على ذكائه الفطرى . اما المثقف الذى هزته النشوة وكان غير متريث فى امره فربما زلت به القدم وجر غيره الى مغامرات ذات اخطار وآلام حيث لم يوفق هو نفسه الى اقامة اتزانه على أساس الانسجام بينه وبين قطره وحاجيات ذاك القطر .

وعلى كل حال فالمثقف فى اى بلد هو الذي يعمد الى امعان النظر قبل اعتناق اى فكرة وانما يتم منه ذلك الامعان بواسطة ما حصل لديه من ثقافة وانه للرجل الفذ الذى يبصر من الصلات بين الاشياء ما قد خفي عن نظر سواه والمجدد الذى يدفعه ايمانه الى الخلق . انه الرجل المكتمل الوعى الذى يظل فكره مفتحا لكل جديد يانع الثمرة حتى لا يقع فى هوة التعصب الديني او النعرة القومية الضيقة ، وكذلك هو اللبيب الذى يحسن انتهاز الفرصة لانجاز

كامن اشواقه وابلاغ رسالته بحيث يصبح نشاطه منسجما مع ملابسات اى مجتمع من المجتمعات . ونلاحظ في هذا الصدد ان الخبراء من الاجانب يدرون كامل الدراية كيف يقيمون الوزن للملابسات المحلية سائرين فى أعمالهم بحسب ما تقتضيه . فلربما كانوا اكثر تأثرا منا بالسمات الخاصة بكل بلد ، فنحن قد اعتدنا النظر الى القديم والحديث منتصبين هذا الى جانب الآخر . وكذلك هم غير مهملين الاسترشاد وجمع المعلومات والوثائق متنقلين فى البلد المعنى بالامر متناقشين مع كافة ذوى المسؤوليات فيه .

فى استطاعة المثقفين ان يصبحوا خبراء لاقطارهم الفتية لو انهم عمدوا الى الاسترشاد واستقصاء المعلومات عن قطرهم ، ولو ان وقر اشغالهم لم يكن قد ارهقهم واستنفد نشاطهم .

ونعود الى موضوعنا المحدود فنقول : ينبغي للمرأة المثقفة ان هي أرادت ان تقوم بوظيفتها فى بلدها الذي هو فى الصميم من تطوره ، ينبغى لها كذلك الى جانب النضال عن مركزها فى المستوى الأمـمي ، أن تكون قادرة على العمل في الحقل الوطني المحلى ، ولو كان ذلك فى حيز فكرى بحت . بيد أنـها تكون بمثابة الدعية في ذلك الحيز الفكرى ما دامت منعزلة فى عالمها الضيق عالم كتبها ومهنتها وأسرتها . فلزام عليها اذن - وهذا هو الجوهر واللب من خصائصها - ان تلتمس الوسيلة الى التعرف الى وسطها وتفهمه كيما تكتب لها النجاعة في سعيها ، فمن المقارنات والمناقشات تنبثق الافكار . ففي بلد بصدد النمو يجب ان تمشى المساعى كلها جنبا الى جنب ، ولا يحسن اطالة الوقوف .

والذي لا يحتمل بحال هو أن تبقى المثقفة فى عزلتها وهى التى ما تنفك طول يومها تعالج شؤون الفكر وتحلل النظريات ، بينما مستقبل بلادها محل الاخذ والرد وطوع الجزر والد . فلتبحث المثقفة عن نفسها كيما تحدد الدور المناط بها وتعى خصائص موقفها . فلا يدرك من شأن لبعض المنعرجات التاريخية الا بعد ان يقع تجاوزها وتصبح فى ذمة التاريخ . على المثقفة اذن ان لا تكتفي بمقعد متفرجة كيما تصبح فيما بعد مؤرخة او مولعة بجمع داثر الحطام . لتخلق هى نفسها كيانها فى الحال ومالها فى الاستقبال وذلك بالعمل في سائر الحقول ، لتساهم بمناقشتها فى كافة ما يخصها من القضايا ، ولتأخذ موقفا حيالها .

واني لاعتقد في النهاية ان الصعب دون ريب هو ان نشرع في العمل ونحن نرهب الاخفاق فيه .

اشترك في نشرتنا البريدية