لا سبيل الى فهم المرأة فى شعر نزار قبانى ما لم نبحث عن عبارة أو عبارات تتلخص فيها حقيقة هذه المرأة
ولعل العودة الى حديثه الذى ألقاه فى قاعة ويست هول فى الجامعة الاميركية فى بيروت أمام طالبات الجامعة وبدعوة منهن أن تكون المدخل الطبيعى الى مثل هذا الفهم
قال فى حديثه :
" مخطئ من يظن أن هزيمة حزيران كانت هزيمة عسكرية فقط . فحزيران كان هزيمة للجسد العربى أيضا . . "
ثم يردف قائلا :
" نريد أن نرد جسد الأنثى اليها . فهو حتى الآن ملك التاريخ والاعراف والمؤسسات الدينية والدنيوية تتصرف به على كيفها ، وتضع له قوانين سلوكه قبل أن يولد " .
ويمضي نزار قبانى فيوجه تهمته الكبيرة الى الرجل الشرقى الذى كما يقول نزار :
" يربط كل اخلاقياته بجسد المرأة لا بأخلاقياته هو . فهو يكذب ويسرق ويزور ويقتل ويسلح على الطريق العام ويبقى أطهر من ماء السماء حتى يعثر فى درج ابنته على مكتوب غرام فيشدها من ضفائرها ، ويذبحها كالدجاجة ويلقي قصيدة شعر أمام قاضى التحقيق " .
وهنا يطالب نزار المرأة بالثورة . ويصر على منحها حريتها . أما الثورة فهى
على كل التقاليد والعدات والأعراف التى وضعها التاريخ ، وأما الحرية فهى حرية أن تحب من نشاء كما تشاء
ويستمر فى تعريف الحرية فيقول
" حرية المرأة هي أن تسقط فى الماء بكل ملابسها لا ان تتنزه فى حديقة الجامعة وهي تتأبط الكراريس المدرسية . . "
واذن فان نزر قبانى لا يجد فى مأساة فلسطين عام 1967 غير مأساة الجسد عند المرأة .
وهو بزعم أن الخروج من مأساة الكارثة التى وقعت فى 5 حزيران يرتبط بتحرر المرأة جسديا
أما المأساة العسكرية فهي كما يفهم من كلامه مأساة الجندى فى سلاحه وتدريبه فاذا تحرر العسكرى من مشكلة السلاح والتدريب بقى عليه ان يتحرر من القيود الموضوعة على الجنس
بمثل هذه البساطة الفجة طرح نزار قبانى مأساة العالم العربي كله ، ومن خلال المرأة التى طالبها بالسعى الى الرجل والالحاح عليه فى أن يستبيح جسدها ، ويتمرغ فوق صدرها ، واجه مشكلة الحرية
والأعجب من هذا كله ان نزار قبانى الذى واجه المأساة على الصورة التى اشرنا اليها ، لا يلبث أن يعلن فى ص : 13-14-15-16-17 من ديوانه الرسم بالكلمات " وتحت هذا العنوان نفسه ، قرفه من معاناة الجنس فهو يتهم نفسه باللصوصية فيما حققه من غزوات فى جسد المرأة ، وينتهى الى تقرير أن أفضل عبادة يمارسها هى عبادة الذات
ثم يفسر عبادة الذات بالالتماع الشعرى أو بالرسم بالكلمات . . واذن فالحرية الجنسية التى اعتبرها مطلبا أساسيا للمرأة لم تحقق له هو شخصيا غير عقدة الشعور بالذنب أولا وغير السقوط فى عبادة الذات التى هى نظم الشعر ثانيا . وبذلك يكون قد هدم الهيكل الوثني الذي بناه بدواوينه السابقة كلها " قالت لى السمراء ، طفولة نهد ، انت لى ، ساميا وغيرها " .
واذا لم تصدقنا المرأة التى تجد فى نزار قبانى محررا لها فلتقرأ معنا الابيات التالية من ديوانه : " الرسم بالكلمات " :
لم يبق نهد . . أسود أو أبيض
الا زرعت بأرضه رأياتى
لم تبق زاوية بجسم جميلة
الا ومرت فوقها عرباتي
فصلت من جلد النساء عباءة
وبنيت أهراما من الحلمات
واليوم أجلس فوق سطح سفينتى
كالللص . . . أبحث عن طريق نجاة
ثم يتابع حديثه عن معاناة الاتصال بجسد المرأة على طريقه هارون الرشيد كما يقول " فيختتم التجارب بقوله :
مارسست ألف عبادة وعبادة
فوجدت أفضلها عبادة ذاتى
كل الدروب أمامنا مسدودة
وخلاصنا فى الرسم بالكلمات
وإذن فان نزارا الذي وضع قلمه وعقله وارادته تحت تصرف الثورة الجنسية التى هى حرية ممارسة الحب ، قد كشف عن حصيلة هذا الجهد فاذا بها كحصيلة المغامر الذى بحث عن الثروة والمجد ، يجمع فى كل مغامرة راية جديدة أو يضيف في كل غارة ثروة جديدة ثم لا يلبث بعد سنوات طويلة من
العمر حتى يكتشف بأن كل هذه الثروات والرايات غير ذات معنى ما لم يكن وسيلته الى عبادة ذاته واعلان انتصاراته الشخصية
وبذلك يكون نزار قد سقط فيما يسقط فيه كل مغامر تأكل الرغبة فى الكسب أعصابه . . ولكن كسب نزار هنا ليس كسبا فكريا او عسكريا او سياسيا بل هو كسب لجسد المرأة كما لو أنه يريد أن يجعل من هذا الكسب وسيلة الى تأكيد ذاته واقناع نفسه بأنه جدير بالانتصار على المرأة
فهل نجد فى مثل هذا الموقف النفسى شيئا يختلف عن أخلاق الرجال الذين صورهم فى محاضرته التى أشرنا اليها فى بداية هذه المقالة ؟ ؟ نستغفر الله . . . هناك فارق واحد هو أن الرجال الذين حقد عليهم ، هم الذين يصرفون همتهم لتحقيق الانتصارات فى غير ميدان المرأة بينما هو شخصيا لم يجد لنفسه غير هم واحد هو تحقيق اكبر عدد من الانتصارات على جسد المرأة . ثم يبلغ من قرفه من هذا الجسد أنه يكتشف فى النهاية بأن لذته الكبرى هى فى عبادة ذاته . . لكأن كل مغامراته النسائية ، إذا صح انه صادق فيما وصفه منها ، كانت من أجل أن يقنع نفسه ويقنع المرأة بأنه " الذكر النموذجى "
وقد أعفانا علماء النفس من تفسير هذه الظاهرة حين أعلنوا أن المبالغة فى اتخاذ موقف فكرى أو أخلاقى معين هى عملية تعويض عن خيانة هذا الموقف أو الاحساس بالعجز والفراغ أمامه
فنزار قبانى لا يحب المرأة كما يقول ، بل يحب نفسه . وهو لم يعبد جسد المرأة لانه لم يفهم هذا الجسد ، بل يعبد ذاته . . وهو لم يقصد من كل مغامراته غير توكيد ذاته بطريقة مرضية فعل المصابين بالانحراف النفسي أى بطريقة تعرية النساء والارخاص من قدرهم بأن يحيلهن الى " لحم ودم " يصرخان كما تصرخ الشهوة البهيمية الحمراء . . .
غرور نزار أمام المرأة :
ويبدو أن نزارا المعجب بنفسه ، والمطارد بعقدة الشعور بالعجز أمام المرأة لم يكفه ما بنى فى خياله من أهرامات الحلمات وما فصله من جلود النساء لجسده المقرور بفعل الفراغ الروحى والاحساس بالضياع ، بل راح يعيد الكرة فى قصيدة أخرى يؤكد فيها للمرأة أنها لن تجد فيمن تتصل بغيره من الرجال رجلا مثله .
لكانه فى قلق مقيم ، وخوف دائم من أن يزايله الاحساس بسلطانه الجسدى على المرأة . قال تحت عنوان : " الا معى "
ستذكرين دائما أصابعي
لو ألف عام عشت . . يا عزيزتى
ستذكرين دائما أصابعى
فضاجعي من شئت أن تضاجعى
ومارسى الحب
على أرصفة الشوارع
نامى مع الحوذى واللوطى
والاسكاف والمزارع
نامى مع الملوك ، واللصوص
والنساك فى الصوامع
نامى مع النساء - لا فرق -
مع الريح ، مع الزوابع
فلن تكونى امرأة
الا معى .
الا معى
وطبيعي أننا هنا لا ننتهز الفرصة لندل الى دعوة التبذل الصارخة التى تتفجر شظايا من هذه القصيدة ، ولن نحاول وضع الأصبع على مواطن السقوط البهيمي فى الصورة التى يرسمها لمعشوقته وقد فارقته مذموما أو غير مذموم ، ولن نشير بالتالي الى ظاهرة الهبوط فى مفهوم التعبئة الاخلاقية عنده ، بل نقتصر على الاشارة الى شئ واحد هو هذا الالحاح الشديد من قبله فى اثبات رجولته مع المرأة ، وهو الحاح مغلف بطبيعة الغرور الذى يصنعه العجز الداخلى ، حين يجعل الشاعر من حركة أصابعه فوق جسد المرأة عنوانا على تميزه الرجولى
صورة أخرى للمرأة عند نزار :
ويمضى نزار بعد القصيدة السابقة وهو يحمل فى أعماقه شعورا مزمنا بالعجز أمام المرأة . فلا يكفيه ما قاله من قبل اعلانا صارخا عن شىء يريد من الناس أن يصدقوه ، بل يعود كرة أخرى الى نغمته فى القصيدة السابقة ، لأنه هو شخصيا لا يصدق ما يريد من الناس أن يصدقوه .
وهو يعود الى هذه النغمة صارخا غاضبا ناقما مؤكدا ان الحقيقة لا تعجب المرأة فقد تقتلها هذه الحقيقة لو لم تعد وهما من أوهامه الجميلة ، وانها سوف نجد نهايتها فى الموت لو تحول الوهم الى يقين
ويشدد فى هذا الالحاح مطالبا حبيبته بالامتناع عن التفكير فيما وراء الوهم مكتفية به " حصانا يحرث على السرير الواسع ، أو مزارعا يزرع تحت جلدها
ألف طفل أو فتاة تسكب في خليجها " رغوته وزوابعه " . انه يريدها مستسلمة لجسات أصابعه وحركاتها فوق جسدها وحسب "
ولنتصور معا هذه اللوحة . . ما عساها تكون ، هل هى أكثر من عاصفة الجنس فى اختلاجاته على صورة امرأة من لحم ودم ؟ . .
قال نزار تحت عنوان " التفكير بالأصابع " :
ماذا يهمك من أكون ؟
حجر .. كتاب .
غيمة .
ماذا يهمك من أكون ؟
خليك فى وهمى الجميل
فسوف يقتلك اليقين
ماذا يهمك من أنا ؟
ما دمت أحرث كالحصان
على السرير الواسع
ما دمت أزرع تحت جلدك
ألف طفل رائع
ما دمت أسكب فى خليجك
رغوتى وزوابعى
ما شأن أفكارى ؟
دعنيها جانبا .
اني افكر عادة بأصابعى
لا شك ان القارئة ، اية قارئة ، تشاركنا الرأى فى أننا لم نتزيد على الرجل ولم نفتر عليه ، بل قلنا ما قاله عن نفسه . وكانت مهمتنا الكشف عن الاغطية التى ألقاها على المرأة ليصنعها على عينه حيوانا جميلا وحسب . مع فارق واحد هو أن الحيوان الجميل من الطيور شىء من أشياء صاحبه التى يتمتع بها فى حدود متعة البصر أو السمع . أما الحيوان الجميل الذي هو المرأة فهو شئ الاشياء التى يحيطها صاحبها باطار الجنس فى مستواه الترابى تماما كما كان شأنه قبل ان يعرف مكاسب الحضارة وأشياءها المعنوية التى ترضى حاجة المرأة الى الاحترام والحب الطيب من وراء الجنس والصرخات المعولة فى الجسد
مع المرأة في ديوان " يوميات امرأة لا مبالية " :
قد تظن المرأة ان نزارا بعد النكسة لم يعد يراها كما كان يراها قبيل النكسية فى ديوانه " الرسم بالكلمات " لكن الواقع أنه رغم ضغوط الكارثة ورغم محاولاته البارعة للخروج من دوامة الجنس التى بلغت القمة فى عنفها وحشرجتها فى ديوان " الرسم بالكلمات " قد عادت اليه خيالاته القديمة ، وامتد فيه احساسه بالعجز أمام المرأة ، ونمت في أعماقة الرغبة الشديدة فى
تعريتها والانتقام من أنوثتها حين أقدم على نشر ديوانه الصفير " يوميات امرأة لا مبالية " .
لقد ظهرت في هذا الديوان حقيقته رغم الجهود الاعلامية المضللة التى رافقت ظهوره .
فالمرأة هنا كالمرأة من قبل : انها تلك الأنثى التى لا تزال تعيش تحت ضغط الوحش الذي هو الرجل فهي مصرة على التعرى نائمة متمددة على السرير أو مستيقظة ، لكأنها لا تحس غير حرارة الجنس ولا ترى غير أوهامه . وتبلغ بها الثورة جدا يتجاوز كل حد سابق حين تتلوى على فراشها هاربة " من أفاعى الجنس " وتصرخ ملء حنجرتها " أنا امرأة . . أنا امرأة . أنا انسانية حية "
ثم تنسى هذه المرأة العارية ، وهى التى ولدت عواطفها وافكارها بعد كارثة 5 حزيران أو أراد لها الشاعر أن تظهر على صورة الوليد الجديد فى تلك الفترة بالذات انها تنسى معنى الكارثه فتصخب وتدور حول نفسها وتصب نقمتها على دنيا الناس ، مبتدئة بابيها ، لا ترى غير نهدها المتكوم فوق أغطيتها وغير جسدها لصارخ معبرا عن مشاعره بلهجته البدائية ثم تلخص كل هذه المعانى معلنة ان الأنثى فيها هى التى ترمز الى كل من الجسد والنهد والجنس والحياة . .
واذن فان ما كتبه نزار فى " الاستجواب والمحتلون وعلى هامش دفتر النكسة " لير يحدث أى تغيير حقيقي في فلسفته حول المرأة . وبدت غضبته فى قصائد الغضب ، كما سماها ، صرخة ممثل فوق خشبة المسرح وحسب لانه لم يتغير فيه شىء أبدا .
الحرية فى هذا الديوان هى حرية الجنس . والثورة فى هذا الديوان هى ثورة على الرجل كجنس ودنيا الناس فى هذا الديوان بعد 5 حزيران هى دنيا الناس قبل 5 حزيران
أيطعمني أبي خبزا ؟
أيغمرنى بنعمته ؟
كفرت أنا . . . بمال أبى
بلؤلؤه . . بفضته
أبى . . لم ينتبه يوما
الى جسدى . . وثورته
أبى رجل أنانى
مريض فى محبته
مريض فى تعصبه
مريض فى تعنته
بثور . اذا رأى صدرى
تمادى فى استدارته
يثور اذا رأى رجلا
يقرب من حديقته ..
وفي المقطوعة التالية تتابع الفتاة فتقول
على كراستى الزرقاء . . استلقى بحرية
وأبسط فوقها ساقي في فرح وعفوية
أمشط فوقها شعري
وأرمى كل أثوابى الحريرية
أنام . أفريق عارية . .
أسير . . أسير حافية
على صفحات أوراقى السماوية . .
على كراستى الزرقاء
استرخي على كيفي
وأهرب من أفاعى الجنس
والارهاب
والخوف . .
وأصرخ ملء حنجرتى
أنا امرأة . . أنا امرأة . . .
أنا انسانة حية
أيا مدن التوابيت الرخامية
على كراستى الزرقاء
تسقط كل أقنعتى الحضارية
ولا يبقى سوى نهدى
تكوم فوق أغطيتى
كشمس استوائية
ولا يبقى سوى جسدى
يعبر عن مشاعره
بلهجته البدائية . .
ولا يبقى . . ولا يبقى
سوى الأنثى الحقيقية
ولو شئنا أن ننتشر على قصائد هذا الديوان الأخير كله لما وجدنا غير هذه المعانى . . معانى الجنس الثائر فى المرأة التى لا يشغلها من دنياها غير الفراش بضمها الى رجل وحشي برع نزار فى تشبيهه بالحصان الهادر فوق أنثاه
ان كل قصيدة من قصائد ديوان " يوميات امرأة لا مبالية " هى صرخة من صرخات الكوابيس الجنسية تحشرج تحت ضغطها روح نزار واحساساته العنيفة بالعجز ورغبته فى تعرية المرأة بحيث تعيش على طريقة جداتها الرومانيات فى مرحلة السقوط الرومانى أو تعيش على طريقة المراهقين من أبناء الغرب وبناته الراكضين وراء معنى ضائع والباحثين عن أنفسهم وهم الذين حدثنا عنهم جان بول سارتر فى قصته " فى دروب الحرية " او كانوا فى مسرحية " كاليجولا " الوحش الباحث عن المتعة بعد ان سحقه الملل وافترسه الضياع فاذا به يتحول الى سفاك على أمل أن يجد في ضحاياه من النساء والرجال ما يهدئ ثورته ويعيد اليه هدوء نفسه
نهاية نزار :
والنهاية هنا نعنى بها نهاية الانسان الذى اختار طريق الضائعين حتى اذا أبعد فى المسير أحس بالعزلة تغتاله من كل مكان وبالغربة تفترس غروره
وكبرياءه فهو يجعل من نفسه جلادا للمرأة تحت ستار الدعوة الى تحريرها ، ويجعل من تغذيته لصراخ الجنس صخبا يخفى به عجزه أمام المرأة
وقد قصدنا الى اختيار مقطوعات من أحدث دواوينه " الرسم بالكلمات " و " يومات امرأة لا مبالية " لتكون بمثابة الدلالة على آخر صرخة من صرخاته البائسة ، ٠
وقد بدا لنا انسانا بعيد ذاته ويعيش لذاته فاختار " مادة المرأة " موضوعا لطغيانه المريض لأنها المادة الوحيدة التى يستطيع بها الطاغية ان يستغل المحتوى الغوغائى لكل المراهقين والمراهقات
ولا غرابة في ان يبقى نزار لصيق هذه الغوغائية المراهقة لأنها هى وحدها التى تكشف عن نرجسية صاحبها وتعلن عن موت الحركية عنده
بدأ حياته الفنية وقد استقطبت " المرأة الجنس " اهتمامه كله لا المرأة الانسانة . واذا كانت هذه الصرخات الجنسية الهستيرية لم تبرز فى دواوينه لأولى فلأنه كان يتمتع بنصيب من الحيوية وفتوة الشباب
ان شعر الحرير والخمر والخضرة والشفوف فى الثياب والبشرة الوردية وغيرها كان يمكن ان يرتفع من بعد الى فن يجد فى المرأة نبالة الحب ورومانتيكية الانفعال ، وشغوف الروح ، لكنه لم يحقق هذه القفزة لأن صاحبه قد فارقته حيويته الأولى ، فسقط بسقوطها قناع العجز وانكشفت اوهام الغرور
لقد رفض نزار ان يعيش مع عمره مرحلة وأصر على البقاء فى مستوى المراهقة فأصابه ما يصيب كل رجل متخلف عن دورات العمر . وبدلا من أن يتحقق له ما يتحقق لكل فنان تنضج فيه روحه على حساب الجنس البدائى الصارخ ، تضاعف رعبه من الفراغ الذى سحق روحه الممرورة وأصر على التصابى في ديوانية " الرسم بالكلمات " و " يوميات امرأة لا مبالية
أما قصائد الغضب التى صدرها بعد 5 حزيران فهي اشبه بالأصباغ التى تتساقط أمام أول قطرة من الماء .
هذا هو السر فى أن أنصار نزار ومؤيدى طريقته فى مواجهة موضوع المرأة
هم من المراهقين والمراهقات الطبيعيين أو الذين بلغوا أرذل العمر . فالمراهقة كما نعلم هي عمر نفسي لا عمر زمني وحسب
يبقى ان نقول ان صغار المراهقين والمراهقات الذين يقبلون على شعره المتأخر ما كانوا يفعلون ذلك لولا أنهم يشاركونه الاحساس بالضياع والغربة عن الوعى بالمرأة كقضية انسانية يأتى الجنس معنى من معانيها لا معناها الوحيد
وبعودتنا الى أول هذه المقالة ندرك ان ثورية المرأة وحريتها عند نزار هى ثورية وحرية يفرضهما سقوط الانسان الذى خلع قشرته الحضارية كما جاء فى شعر نزار نفسه ولا تفرضهما رغبة فى الانتصار على الغريزة العمياء
لقد كنا نتمنى أن تبقى المرأة عند نزار صورة قريبة من تلك التى نجدها فى دواوينه الأولى . وكل ما تحتاج اليه هذه الصورة القديمة لتصبح شعرا نبيلا جميلا على مستوى الأنثى الانسانة هو عدد قليل من اللمسات لكن المؤسف ان موجة الرعب التى اجتاحت نفس نزار فى السنوات الأخيرة قد جعلت من هذه الصورة ممرأة لكوابيس مريضة تحول بها شعره من فن تصوير الجميل الى فن تصوير العجوز التافه . وهي نهاية طبيعية للبداية التى لا يمتزج بها حب كريم وحرمة لأنوثة المرأة الانسانة
وخلاصة القول ان شعر نزار بدأ غزلا مادته الحرير والنسسيم والألوان الوردية والنور الأخضر فى أقبية المضاجع ثم انتهى فى السنوات الأخيرة فجأة نداء للجنس على طريقة مجلات الجنس العارية ، عنوانا على افلاس الفتوة الساذجة البريئة وتحولها الى شيخوخة

