الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

المرأة والتنظيم العائلى،

Share

لشد ما يسعدني ان اتناول الكلمة اليوم امامكم فى نطاق هذه الندوة الهامة ، راجيا ان تكون لمساهمتى بعض الفائدة فى مناقشاتكم ومداولاتكم

وارى من واجبى ان اتقدم بادىء ذى بدء بفائق الشكر الى الاتحاد العام للطلبة التونسيين على مبادرته الطيبة فى تنظيم هذه الندوة

وهذه المبادرة تعكس ، فى نظري ، مدى الوعى الذى اصبح عليه شبابنا التونسي ، ومدى اهتمامه بالمشاكل الاساسية التى لا يتيسر حلها الا ببذل المزيد من الجهد والتضحية . وتقوم هذه المبادرة ايضا دليلا واضحا على قوة ارادتكم وشدة عزمكم فيما اخذتم به على انفسكم انتم الفتيات والشبان المدعوون في المستقبل لتحمل جسام المسؤوليات سواء فى مجتمعكم او فى عائلاتكم .

وليس من قبيل الصدفة ان يتولى الشباب تنظيم هذه الندوة ، فالمواضيع التى سيتناولها ذات تأثير حاسم على تطور البلاد ومستقبلها وعلى المجتمع وكل العائلات . واعداد المستقبل من واجب الشباب اذ النجاح رهين بقوته في النضال والمثابرة .

وفي سنتنا هذه 1975 ، نعيش العام الدولى للمرأة الذي يأتي اثر العام الدولي للسكان . وقد كتبت حول ذلك المقالات ، والقيت الخطب ، والتأمت الاجتماعات والندوات في كل مكان من العالم . وتندرج ندوتكم هذه في جملة ما تم انجازه ، من هذه الاشغال لتبرهن مرة أخرى على ما يبديه العالم كله من اهتمام بقضية المرأة

وفي نطاق الدراسة التى تقومون بها حول حقوق المرأة والنهضة بها - ارى من واجبى أن أبين لكم بايجاز أهمية التنظيم العائلي ودوره فى النهوض بالمرأة ، والتجربة التونسية فى هذا الميدان التنظيم العائلي . . لماذا ؟

ولقد اتسعت كثافة السكان فى وقتنا الحاضر بصورة تجعل من الخطأ عدم الاهتمام بها .

وهل يمكن اليوم لبلدنا الصغير ، وهو يخوض معركته الحاسمة لتحقيق انمائه ، ان يتغافل عن هذا السيل المنهمر من المواليد فلا يتعهده بالتنظيم والتهذيب ؟ وهل يمكن حقا لهذا البلد ان يخطو الى التقدم وان يوفر فى ان واحد لكل هذه المواليد المتدفقة التى يتضخم بها عدد سكانه كل يوم ما تصبو اليه من النمو اللائق ؟

لا سبيل قطعا الى الاقلال من عدد ابنائنا . بل على العكس نحن فى حاجة الى شبابنا الذين هم عمدة المستقبل . غير اننا فى حاجة الى شبان سالمين اقوياء سعداء قادرين على تحقيق الخير لانفسهم ولامتهم وعلى مجابهه الحياة بجسم قوى وعقل سليم وفكر ناضج

وهل يتطلب هؤلاء الشبان اولا وبالذات ، غير نمو جسمى وعقلي معتدل سوى لا يتحقق لهم مع الاكتضاض والفوضى

وانما جاء التنظيم العائلي لمقاومة الاكتضاض والفوضى ، ولافساح المجال الى الاعتدال والتوافق ، ولتمهيد السبيل الى العائلة المثلى التى ينعم فيها الآباء والابناء بالسعادة والاقبال

وهو يهدف أساسا الى اثراء حياة الانسان وتمكينه من بلوغ اقصى امكانياته والتغلب على نقائصه والتحكم فى مصيره

وهو انطلاق للانسان لا قيد له ، فيه تتحقق له الثقة بالنفس ويتم له الوعى والنضج . وهذا معناه التغلب على النفس ، والنظر الى المستقبل نظرة المسؤول المدرك .

وهو انعتاق من القيود المادية لانه يمكن الفرد من اختيار حجم العائلة التى تتلاءم مع امكانياته وموارده فيتفادى الصعوبات والمشاكل التى تتخبط فيها كثير من العائلات الوفيرة العدد .

ولسنا فى حاجة الى التعرض لكل المشاكل التى تواجهها العائلات العديدة الافراد ، فقد يطول بنا ذلك ، والكل يعلم الصورة القاتمة من البؤس والفقر التى تعانى منهما بعض هذه العائلات

ولا شك ان التنظيم العائلي كسب للمرأة . فهو ينقذها من الارهاق المسلط عليها ، ويحافظ على صحتها البدنية والعقلية ويصلحها ، ويحقق لها بالتالي النهوض والتقدم . وهو بما يسديه اليها من الفوائد الكثيرة يفتح فى وجهها آفاقا جديدة ويبدل نظرتها الى نفسها .

وهل نحن فى حاجة الى التذكير بحالات الحمل المتكرر غير المرغوب فيه : والعلاقة الواضحة بين تعدد الولادات واخطار المرض والحوادث والوفيات التى تصيب النساء اثناء الحمل والوضع

ولا ينكر اليوم احد حق المرأة فى التنظيم العائلي . فالانسال لا يمكن فرضه قسرا عليها ، وانما يجب ان تقبل عليه باختيارها الحر المبنى على الشعور بالمسؤولية وهو امر يتعلق بكرامتها قبل كل شئ ثم بامكانياتها وقدراتها البدنية . وعلى هذا الاختيار يتوقف توازن المرأة وانسجامها ؟ وحسن قيامها بدور الام . وهي لا توفق فى هذا الدور ابدا اذا كانت الامومة مفروضة عليها . وكم من امرأة استهدفت لافدح الاخطار فى سبيل التخلص من حمل كانت كارهة له .

ان للعلاقة بين الأم والطفل أثرا بالغا عليه ، وخاصة فى حياته الاولى وراحة الطفل وتوازنه مرتبطان اشد الارتباط بما عليه الام من الاستعداد البدنى والذهنى وبسلوكها نحوه

ولا يتوقف نمو الطفل على ما يقدم اليه من مواد غذائية ووحدات حرارية فقط بل يتوقف اساسا على الغذاء العاطفي الذي لا يمكن ان يمنحه اليه الا الآباء السعداء المتوفر فيهم الاستعداد والوعى

وقد اثبتت الابحاث التى اجريت فى هذا الشأن الانحراف فى السلوك والتأخر الذهنى والاخفاق المدرسي والاجرام تكثر غالبا فى صفوف الاطفال المرغوب عنهم وفي العائلات الكثيرة الاولاد

والتنظيم العائلي بقدر ما فيه من تأكيد على حرية الفرد واضطلاعه بمسؤوليته ، بقدر ما فيه من توطيد للانسجام والاستقرار العائلي . ذلك

ان العائلة القليلة العدد تقل فيها الخلافات ، وتنبسط العلاقات وتتزن ويجرى فيها تعليم الاطفال على احسن حال . ولا اخال فى هذا الا ضمانا لمستقبلها ، ومستقبل كل افرادها ، وبالتالى مستقبل الامة جمعاء

والامم والمجتمعات فى حاجة الى كل افرادها لتحقيق ازدهارها . ولا تكفى ثرواتها الطبيعية والمادية وحدها لضمان تقدمها ونموها . اذ الانسان هو اعز ثروة ، وهو الغاية والوسيلة فى كل عمل نحو التقدم . وهذا الانسان لا يستمد طاقته وقوته ونجاعته الا من حالته الصحية ، البدنية منها والعقلية ومعنى هذا انه يستمد ذلك من طريقته في العيش والوجود

التجربة التونسية

تعتمد البلاد التونسية على رصيدها الانسانى فى المقام الاول ، وهي لا تألو جهدا لحمايته واثرائه . ولم تسلك سبيل التنظيم العائلي منذ عشرة اعوام الا بنية تحرير الانسان اولا وبالذات وتمكينه من حياة كريمة لائقة

والهدف الاول - الذي ما انفك يؤكده المسؤولون وفي مقدمتهم الرئيس بورقيبه - هو تكوين الرجال المسؤولين الواعين الماسكين بزمام امورهم وتصرفاتهم

سياسة التنظيم العائلي

لقد ثبت لدى المسؤولين بتونس ان التنظيم العائلي حق أساسى لكل فرد . وانطلاقا من هذا المبدأ ، انتهجوا سياسة فى التنظيم العائلي تمتاز بطابعها                                                                                                                                                                      الانسانى ، وتهدف اصالة الى توفير كل الظروف الكفيلة بابراز شخصية الفرد ، وبناء مجتمع سليم متماسك .

وقد كان مشكل تضخم السكان موضوع اهتمام كبير لدى المسؤولين التونسيين . فقد دلت احصائيات المخطط الرابع على ان معدل تزايد السكان ينذر بالخطر الجسيم ، ذلك ان سرعته تؤدى الى شدة ضغط الطلب على مختلف القطاعات العامة ، مثل التعليم ، والصحة ، والاسكان والشغل

لذلك اصبحت سياسة التنظيم العائلى ضرورة ملحة لكبح جماح التضخم السكانى وتحقيق التوازن بين النمو البشرى والنمو الاقتصادى

الوسائل التشريعية

صدرت منذ الاشهر الاولى للاستقلال عدة نصوص تشريعية ضمنت تحرير المرأة وركزت نظام الاسرة ، فكانت بذلك بمثابة الاساس الثابت المتين لسياستنا فى التنظيم العائلي

وبفضل آراء الرئيس بورقيبة ، الانسانية البعيدة النظر ، فان تونس تتمتع اليوم بتشريع طلائعي ، يعد ثورة اجتماعية حقيقية ، شملت العقول والقيم والسلوك ، وقصدت الى تحقيق الكرامة ورغد العيش الى كافة افراد المجتمع رجالا ونساء واطفالا

النهوض بالمرأة

ان النهوض بالمرأة التونسية ، المنبثق اصالة عن هذه الاصلاحات التشريعية، يعود الفضل فيه الى ارادة تغيير الاوضاع والسير الى الامام التى اتسم بها التفكير البورقيبي . فهذا الرجل الذي ملك قلبه حب الحرية والعدالة ، ولم يقبل لنصف الأمة أن يبقى على ما هو عليه من استسلام وهوان ، هو الذي انصف المرأة بالاقدام على عمل تشريعى جرئ ، في مقدمته مجلة الاحوال الشخصية .

فهذه المجلة الثورية التى تلتها مجموعة من النصوص لا تقل عنها جرأة : مثل قانون اباحة الوسائل الواقية من الحمل ، وقانون الاجهاض ، قد مكنت المرأة من استعادة حقوقها وكرامتها ، ومن اندماجها فى الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية

يعد التنظيم العائلي عنصرا اساسيا فى الفلسفة البورقيية . وليس من الصدفة ان يكتسي في اذهاننا وفي واقعنا هذا الطابع الخاص وهذه الابعاد الانسانية .

كيف ينتفع الناس عندنا وخاصة نساؤنا بهذه السياسة الانسانية ، وما هي طرق انتشارها بينهم ؟

ان الديوان القومى للتنظيم العائلي والعمران البشرى الذى انشىء خلال شهر مارس 1973 ، فى نطاق ما اتخذ من الوسائل التتشريعية والادارية في

ميدان التنظيم العائلي ، هو الذي كلف بتنفيذ المخطط التونسى للتنظيم العائلي . وقد نهج فى ذلك الى تثقيف المواطن ، وتطوير مصالح التنظيم العائلي ، وتحسينها ، وادماجها تدريجيا فى مصالح الصحة العامة فى مستوى القاعدة وخاصة مراكز رعاية الأم والطفل

وتتمثل الجهود التى يبذلها الديوان لحماية المواطن واعانته وخدمته ، فى تنظيم برامج اعلامية وتثقيفية واسعة النطاق يمكن وصولها الى كافة المواطن فى كل مكان . وفي تكوين الاطارات الطبية والاطارات المساعدة والاطارات التربوية . وفي زيادة الفرق المتنقلة بالمناطق الريفية ، وتعميم مراكز التنظيم العائلي باغلب الولايات

وتوجه عناية خاصة لمراكز رعاية الام والطفل ، سواء من حيث الاجهزة او الموظفين ، او الاستقبال . فكل امرأة تؤم هذه المراكز تجد الموظفين الاكفاء الذين يتولون ارشادها ومدها بمختلف النصائح المفيدة لابنها وأسرتها وشخصها .

ويتوفر في مراكز التوجيه والتنظيم العائلي الاطار المثال لاستقبال النساء ، وأداء ما يحتجنه من الخدمات على أكمل الوجوه . وانما كان التوجه اليهن بذلك اخص ، لان التنظيم العائلي يعنيهن اكثر مما يعنى الرجال . وقد صدرت مناشير ومذكرات عديدة من وزير الصحة تؤكد على ما يجب توفير من رعاية وقبول للنساء واطفالهن ، والطبيب والقابلة والمرشدة الاجتماعية مجندون في كل وقت لتقديم الفحص والعلاج والتوجيه اليهن . وتحاط برقابة دقيقة كل امرأة استعملت احدى وسائل التنظيم العائلي . وتتمتع نساء المناطق الريفية ، والمناطق النائية باهتمام خاص ، ويجدن لدى الفرق المتنقلة والمرشدين الاجتماعيين كل رعاية ومساعدة . كما تنظم للنساء اللائي يتعذر عليهن التنقل الى المراكز الطبية زيارات خاصة الى بيوتهن

والخلاصة اننا نعتبر ان التنظيم العائلي وسيلة ناجعة ومضمونة لحماية صحة الأم . لأنه يمكنها من القيام باعباء الأمومة فى ظروف بدنية ونفس حسنة ، وتقدم اليها التوجيه المستمر الذى لا يقتصر على الوسائل الواقية من الحمل ، ولكنه ساعدها على اصلاح حالها وحال اطفالها واسرتها

ويحب ان لا ننسى أهمية الدور الذى تقوم به المرأة في المجتمع :

فهي كأم وكمربية تتحكم فى مصير ابنائنا ، ويلزمها لذلك ان تستوفي كل قواها العقلية والبدنية لتستطيع أداء ما أنيط بعهدتها من تربية النشء وتهيئته للمستقبل وقد أصاب من قال : " ان الطفل أبو الرجل "

ثم على المرأة بالاضافة الى ذلك ان تشارك الى جانب الرجل في تنمية البلاد وتقدمها . ومساهمتها هذه لا تتحقق الا بقدر ما يتوفر لها من الادراك والنضج والاستعداد للتفرغ بنجاعة الى عملها فى نطاق العائلة وخارجها

لا اريد الاطناب حول اهمية الدور الذى تضطلع به المرأة في الاسرة والمجتمع ، فانكم ستدرسون فى ندوتكم هذا الموضوع بكل تعمق . ولكنى احببت ان ابدى بعض الخواطر الشخصية حول موضوع له صلة متينة بوضع المرأة ، وهو موضوع التنظيم العائلي . وانى واثق من انكم ، شبانا وفتيات مقتننعون بأهمية هذا الموضوع ، وجادون فى العمل على صيانة حق المرأة في استقلال الشخصية ، وفي الحرية والكرامة . استقلال الشخصية ، وفي الحرية والكرامة

اشترك في نشرتنا البريدية