الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

المراة والنضال, وثلاث قصائد في العدد الاخير من " الفكر "

Share

1- ثلاث قصائد نشرت فى العدد الاخير من مجلة الفكر ، تعلقت رغبتى بمناقشتها خاصة وأنها جمعت بين اتجاهين متباينين ، بين ما يعتبره دعاة الاتجاه الاول شعرا مجندا ، أو ملتزما ، أو مناضلا أو ما يريدون ، وبين ما يسمونه " مترفا " أو " برعاجيا " أو " صالونيا " - والتسميات كثيرة - ويقيمون الارض عليه ويقعدون كأنما هم ليسوا من طينة آدم ، ولا أكلوا التفاح مع حواء فى ظل دوحة خضراء وارفة ، فتراهم يتصيدون الفرص سواء في النوادى أو الصحف الادبية لينقضوا على أصحابه انقضاضا . يتفهون من شأنهم ، ويرمونهم بالسخف تارة ، وبالخيانة أخرى - قد تقول : وأى شعر يبتغون ؟ فيجيبونك على لسان كثير منهم أنه الشعر الذى يساهم فى المعركة ، ويتكرس لترديد صدى الاحداث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، والتغنى بالاشتراكية والحرية والجياع والكادحين . . ويضيف البعض الآخر منهم وهو كذلك الشعر الذى لا يخضع لاية قاعدة موسيقية . ولست أدرى ما جدوى الخوض فى مسالة كهذه ، والناس مجمعون على أن لا شعر بلا ايقاع ، والنفس البشرية من طبعها ميالة الى النغم تطرب له وتهتز ، بالإضافة الى ماله من قوة تعبيرين ومن ايحاءات يعجز عن توفيرها الكلام العادى . ولعل أوضح دليل على ذلك مثال تلك السيدة الالمانية التى كانت تستمع الى قصيدة عربية حديثة مسجلة ، ولم تستطع متابعتها الا من حيث هى صورة موسيقية ، واذا بها لما سألوها قد فهمت الكثير من مجرد سماعها لاصوات لا تفهم لها دلالة . وقد نشأت بفرنسا فى وقت من الاوقات مدرسة ترمى الى التعبير الفنى عن طريق مجموعات صوتية لا معنى لها غير أنها تؤثر بجرسها . الا أن هذا لا يعنى عندنا امكانية فصل موسيقى الكلمة عن مدلولها .

2- يرفضون المرأة ويرفضون من يتغنى بمفاتنها ، وكأنما الجمال ما كان يوما أخا للنضال . وكأنما المرأة ما حمست جبانا ، وما زغردت فى وجه مخذول فتراجع الى خط النار وقاوم حتى سقط فداء للزغردة ، وكأنما هي ما

بعثت أمل الشفاء فى نفس مريض ولا أمل النجاح فى نفس خائب ، ولا أزالت الغربة وأذهبت الوحشة ، ولا أوحت لعظماء الفن البشرى باروع الالحان وأبدع القصائد - وقد قيل : " كل عظيم وراءه آمرأة " .

وانما لو حللت مواقف هؤلاء بالاعتماد على علم النفس الحديث لالفيتها فى اغلبها ، ان لم تكن متكلفة ، ناتجة عن أسباب نفسية معينه . والا فاى نفس  بربك لا تحب الجمال وتتشهاه ، جمال الزهرة والفراشة والبحيرة والمرأة جمال الشعر وشعر الجمال ؟

" قمرى هاجر فى الصبح بعيدا فى العيون العسليــــــة والمدينــــــــــــــــــــــــــه كنست كل المغنين . . وريتا بين ريتا وعيونى بندقيـــــــــة "

هكذا يبسط محمود درويش أحد الشعراء الفلسطينيين المقيمين فى الاراضى المحتلة مأساة حبه - وهكذا تمتزح " العيون العسلية " " بالبندقيه " فهل يضير القصيدة فى شىء أن كانت الدماء تسيل على خط النار ؟ وهل ينقص من قيمتها كأثر فنى ؟ كما هل يضير جعفر ماجد أو نور الدين صمود أنشغالهما بتعبد الجمال في ركن من الاركان عندما كانت الدولة تتسلم المنشات الجوية  البحرية فى بنزرت اثر الجلاء أو قبيله ؟ على أن النقاد الماهرين كثيرا ما يحاولون تفسير هذا " الشذوذ " الطريف ، ويجعلونه عنصرا من عناصر شخصية صاحبه ، وكثيرا ما يشذ العظماء

3 - صلاة للحرف المناضل

وهى أولى القصائد التى تطالعك فى هذا العدد ، للشاعر أحمد القديدى ،  و يكثر فيها الحديث عن الخبز والجياع والتشرد والثورة والطغاة والحرية - تنقسم الى خمسة مقاطع لا تفرق بينها الا الارقام ، ويجمعها الاصرار على رفض "القوالب المعلبة " وعلى تمجيد الحرف المناضل فى سبيل قضية الانسان

وقد جاءت على بساطتها ويسرها محكمة العبارة ، غنية الايحاء ، جميلة الصور ، يقول فى مطلعها :

"باللغة الجديدة

بالكلمات الحرة المجيدة بالنار تحتوى مقاطع القصيدة صنعت كبريائى فالصمت ليس خبزا يشبع الطفولة الشريده وليس ثوبا للعراة فى مجاهل الشتاء . . "

وانك لو واصلت قراءتها وفتشت فى كلماتها وصورها وايقاعاتها لاشك واجد اصداء من عبد الوهاب البياتى خاصة فى ديوانه " النار والكلمات " ونزار فبانى فى قصائده الاخيرة ، وبول ايلوار فى " حرية " . الا ان القديمى ق يمكن على ما يبدو من وعى وهضم المادة التى طالعها ، والتفاعل معها . غير أنى الاحظ تناقضا طفيفا بين تعلقه بكبر بانه ورفضه للصمت اذ الكبر باء عادة ما تكون مقترنة بالاعراض والصمت . وكذلك بين تغنيه بالعيون السودفى موطن وبين قوله :

,, الشمس فى بلادى

أحب من عينيك يا صديقتي الاثيره . . "

كما أعتقد أن الزمن الذي يتغنى فيه بالحرية ، ويتوعد الطغاة قد ولى ، ولم تعد الاهمية والتأثير اللذان لهذا النوع من القصائد هما نفسها اللذان كانا له قبل عشرين او ثلاثين سنه مثلا - ولعله من المفيد - ما دامت القصيدة تخضع لقالب موسيقى معين - أن أشير الى بعض الهفوات العروضية التى لا تضير أناقتها فى شىء . من ذلك قوله :

تحت الخيام لا تعرفنا الديار

أو :

اخواننا مشردون عبر العالم المنهار

وغيرهما من الاسطر التى تختل ايقاعاتها - وان كنت اتحرج من تفكيك ما عجبني من الشعر ، وأعجب لامر أناس اذا ما أنشدتهم شعرا لا يهتمون منه الا بمدى صحة موازينه .

4 - خطيب

وهذه قصيدة قصيرة للشاعر الشاب رياض المرزوقى ، تقابل سابقتها

الاتجاه وتمتاز بخفتها وعفويتها وانسجام كلماتها وجمال ألوانها على ان بها من العبارات والالوان ما ليس بجديد ، كالبعد واللهيب واخطوب والزورق الزم حطمه الموح على صخر النحيب وقوله : اه منى ذكرياتى عذبتني يا حبيبي . الا أنك لو وضعتها فى مكانها من انتاج الشاعر لالفيتها تمثل نغمة جديدة فى تجاربه العاطفية اذ هى بداية التفات وتآسف وذكرى

والغريب أن رياض مازال بعد لم يتأثر - حسب ما نشر له - بقضية من فضيل الانسان ( ان تحدثنا بلغة الاتجاه الاول ) . فبقى شعره مقصورا على هذه الفتاة التى كادت تستنفد كل طاقاته

5 - فتيات صلامبو

هذا قصيدى أترك فيه النظر لغيرى .

تونس فى نوفمبر 1968

اشترك في نشرتنا البريدية