الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

المسألة اللغوية مسألة حيوية

Share

يعرف دارس التاريخ الانسانى أن هناك قوانين جدلية تحرك هذا التاريخ فى شكل تصارع بين القوى المتضادة ، لا ينتهى بالضرورة الى انتصار شق على شق ، بل تتغير تلك القوى وتأخذ اشكالا اخرى وتلبس عصرها ، من ذلك مثلا ان القرن التاسع عشر كان قرن ميلاد الاستعمار والتوسع الاقتصادى والثقافى لشعوب أوربا ، وكان ايضا قرن نشأة القوميات وظهور رود الفعل الحضارية لدى الشعوب المضطهدة ، فتميزت نهاية القرن ومطلع القرن العشرين بتصارع الظاهرة الاستعمارية والظاهرة القومية .

وعندما احتضر الاستعمار - الادارى والعسكرى انبعث فى روح جديدة ليلبس قناع الغزو الثقافى ، وعوض التجنيس الروحى والحضارى التجنيس الادارى ، وكنا نحن - بوعى او بدون وعى - حلفاء للاستعمار الجديد نعينه على مسخ ذاتنا بالتفريط في مقوماتنا الاصلية من لغة ودين وقيم

واذا كانت الجدلية التاريخية موجودة وناجعة فى القرن الماضي حينما قابل التحرير الاستعمار ، فان الجدلية تكاد تكون مفقودة لدى شعوب العالم الثالث المستقلة اداريا وعسكريا ، فالاستعمار الجديد لا تقارعه اليوم ارادة صماء ومخططات الصليبية الحديثة لا تصدها مقاومة قومية حديثة ، ولذلك لا بد ان تقرع أجراس الخطر ونحن على أبواب إبادة روحية بعد ان وقع إنقاذنا من إبادة جسدية .

كانوا يقولون عام 1898

نذكر بعض مطارحات الاستعمار واقطاب الايديولوجية الاستعمارية فى أواخر القرن الماضى ، وقد جاءت تلك المطارحات فى مجلة " جمعية الانتربولوجيا باريس - الجزء 9 ، السفر الرابع " حيث اثارت هذه المجلة " العلمية " مسألة مناهج الاستعمار واقربها تحقيقا للاهداف فتساءلت : - كيف يمكن لنا غزو بلدان افريقيا ؟ واجاب بعض " الاساتذة ، من سادتنا الفرنسيين .

" يمكن لنا ابادة الاهالى بصفة جذرية : ولم لا ؟ لقد قام بهذه العملية جيراننا الانقليز فى بعض مستعمراتهم وخاصة فى طسمانيا عام 1876 ، وقتلوا آخر مواطن طسمانى

ويجيب العالم الانتربولوجى قائلا : " لكن عملية الابادة هذه ليست ناجعة اليوم ، كما كانت بالامس حيث اصبحت طسمانيا مستعمرة انقليزية امينة وهادئة

ولعل الاجابه - بالنسبة لتونس - جاءت فى جريدة " لاديبيش تونيزيان فى عدد 18 فيفرى 1908 ، أى بعد 12 سنة من تساؤل المحلة حيث قالت .

نعتقد ان الابادة لن تتم بالسلاح ، فنحن لا نملك رعايا فرنسين قادرين على تعويض الاهالى ، لكن الحل يكمن فى فرنسة هذا الشعب فرنسة كاملة واسعة حتى اعماق قلوبهم وأرواحهم ، وعلى السل والكحول اتمام الابادة فى المدن وعلى الجوع والجفاف اتمام الابادة فى البوادى . .

واكتفى المسيو ( برجرى ) فى جريدة ( كوربى دو تونيزى ) يوم 4 نوفمبر 1905 بالقول :

" ابقى مقتنعا ان لا منزلة لتونس بين البلدان الا اذا فرنسنا كل هياكلها وسنقوم بذلك خدمة لتونس وللانسانية . . "

ونجد كل هذه المعانى فى أغلب ما خطته اقلام المستعمرين فى أوائل هذا القرن ، حيث ان الايدولوجية الاستعمارية لم تعتمد على التوسع الاقتصادى فحسب ، بل نشأت عن عقيدة التفوق العنصرى الساذج ، ذلك ان النهضة الاوربية فى المجال الصناعى والثقافى رافقها ووازاها انهيار هياكل المجتمعات المتخلفة - ومنها المجتمع العربى - فكان شعور المستعمرين شعورا بالنخوة لأنهم مثلما قال ( جول فيرى ) يوم 1885/7/28 :

" هل من أحد ينكر انه من حسن حظ الشعوب البائسة فى افريقيا ان تنعم بالمدنية الفرنسية . . وهذه هى النتيجة التى ينتهى اليها كيبلنغ وشمبرلان و كل المؤتمر الاستعمارى المنعقد سنة 1906

ولم يشذ المفكرون الاشتراكيون عن نظرية الاستعمار ، فكان بعضهم يرى فى الظاهرة الاستعمارية نوعا من التضامن بين الشعوب على اساس الاخذ بايديها نحو انسانية اروع واكبر ، من ذلك أفكار بعض الماركسين امثال ( برنشتاين ) و ( فون كول ) و ( كوتسكى ) و ( بيرنس ) كما ان بعض علماء

الغرب لم يترددوا فى تبرير الظاهرة الاستعمارية بالتفسير العلمى التطورى لحياة البشرية ومراحلها ومن بينهم ( مين ) و ( تايلور ) و (مورغن )

اللغة والاستعمار

أردت أن أصل من خلال هذه اللمحة التاريخية الى أن العقيدة الاستعمارية عقيدة عنصرية وليست فقط حتمية اقتصادية - مثلما فسرها الماركسيون - ولذلك فهى لا تختفى بحتمية اقتصادية اخرى - اى بالتحرر السياسى والاقتصادى والادارى - لكنها نظرية قابلة للتغيير والمسخ - فالعنصرية التى تنشأ عن اقتناع بالتفوق العرقى المزيف لا يمكن ان تمحى من الادهان ، ومن تخطيط الامبراطوريات الجديدة بسهولة فهى مقوم ثقافى قار لدى الامم الغالبة بمفهوم ابن خلدون - ومنها نشأ التبشير - الذى هو وجه من وجوه الاستعمار -

فاستقلال الشعوب - وهنا تهمنا الشعوب العربية - لا يعنى بالضرورة انقراض رواسب الظاهرة الاستعمارية منها ، فالاستعمار عمل عندما كان منتصبا بالبلدان العربية على توطيد وجوده وترسيح كيانه بصورة يصعب الرجوع عنها او اعادة النظر فيها . ونحن نذكر ان الجزائر على سبيل المثال كانت مسرحا لمحاولة تشويه حضارية عانت منها الويلات واستلزمت العمل الدائب الطويل ، فقد عمدت خطة ديغول منذ 58 إلى 62 الى فرنسة الجيل الجزائرى فى المدارس من اجل ان يجعل مشكلة التخلص من التبعية الفرنسية امرا مستحيلا بالنسبة للجزائر المستقلة ، وقد اعترف بذلك الوزير الفرنسى للشؤون الجزائرية آنذاك عندما قال : " ان ديغول عمل على تأخير التعريب فى الجزائر الى أمد بعيد "

وفى تونس بدأ التخطيط لمسخ المقومات الحقيقية للشعب مند انتصاب الاستعمار ولا فائدة من ذكر ما تعرض له هذا الشعب من محاولات التزييف والتضليل . . لكن الذى يهمنا هو حاضر الشعب وغده ، فى زمن اصبحت فيه الازدواجية اللغوية أى الثقافية والحضارية - واقعا ملموسا ، مما يكاد يحيد بنا عن ضمير الامة وقيمها اذا لم نعمل على ترقية اللغة العربية بصورة ناجعة وشاملة كاحدى مقومات الشعب ، فاللغة هى الهدف الاساسى من عديد المحاولات الاستعمارية مثلما يقول القس ( زويمر ) سنة 1906 وهو ينادى بما سماه تكسير الرباط الوثيق بين الشعوب الاسلامية : اللغة العربية " .

فالازدواجية اللغوية ، إذا ما تتبعنا خفاياها وفعلها فى المجتمع وجدنا انها تخلق نوعا من الاحساس الطبقى فى الشعب الواحد ، حيث ينعزل فيها بعض

من استفحل الاستنقاص الذاتى فى أنفسهم ليتركوا للعربية طبقة أخرى - هى فى نظرهم دونهم منزلة - ويصبح اللسان الاعجمى دليلا على الوجاهة والنجاح الاجتماعى والتعلق " بالمدنية " بمفهوم ( فكتور دوكرنيار ) .

اعتقد ان لا نهضة ثقافية لبلادنا العربية الا عن طريق لغتها ، وترقية هذه اللغة رهينة اختيارات سياسية جريئة ، فنحن نلاحظ مجهودات جبارة تقوم بها وزارات التربية والثقافة فى كل البلدان العربية ، ولكن القضية - بالطبع ليست معزولة عن الاختيارات السياسية والتعاون الدولى وتصارع الكتل والدول العظمى ، إذ لا تكفى النوايا الطيبة والكلمات الحماسية لحماية الشعوب من التبعية والتلف والامحاء . فالبناء الداخلى لكل بلاد عربية - الذى هو الشرط الاول للنهضة العربية - لا يمكن أن يتحقق الا باعتبار اللغة العربية فى طليعة المشاغل والبرامج والمخططات ، اى باعتبارها مسألة حيوية .

نرى من خلال الازدواجية اللغوية فى بعض البلدان العربية والأفريقية ان المجتمعات النامية حبلى بغول استعمارى قرب اوان وضعه ليفترس ما تبقى سليما من القيم والمقومات ، ولذلك علينا العمل الدائب لاجهاضه بالتنسيق والتعاون بين حكومات البلدان التائقة للتحرر الشامل لان الازدواجية لم تعد تقوم بدور الانفتاح الطبيعى لهذه البلدان على آفاق الحضارة والعلم ، بقدر ما هى تغليب للغة الأجنبية على اللغة الأصلية ، بما سبقت اليه تلك اللغة الأجنبية من تحكم فى المادة العلمية بحكم تطور شعوبها فاللغة الاصلية تصبح لغة ثانوية إذا ما اقتصرت على تعليم المادة التاريخية والدينية فحسب ، بينما نعلم باللغة الاجنبية لاجيالنا العلوم والحضارة والفلسفة والطب والصحافة والاقتصاد .

ونحن فى تونس نحيى مجهودات رجل كالدكتور سليم عمار الذى جعل من تعريب الطب النفسى قضية شخصية آمن بها وأصبح يعمل من أجلها لا بالتحمس المجانى ، بل باقرار ذلك التعريب على اسس عملية وعلمية ونرجو ان يجد الدكتور سليم عمار من لدن المسؤولين والطلبة وهياكل الجامعة سندا قويا حتى يخرج باحد فروع الطب من الانغيار والتبعية فما أشد حاجتنا وحاجة البلدان العربية الى مثل هذه المبادرات حتى تتكامل الجهود وتتظافر من اجل الحفاظ على لغة الشعب ، اى فى الحقيقة على كيان الشعب واستقلاله الكامل وارتباطه برقعته الحضارية الطبيعة ، دون زيغ او تحريف .

اشترك في نشرتنا البريدية