كنا نسير بصمت مدقع قد نتهامس بين الحين والآخـ ثم ضحكاتنا بأكفنا وننحني بنصف دورة الى الخلف وكانت شمس العشية تغمزنا من فوق رأس الشيخ فتشع أعيننا ببريق أحمر تارة ، وبعمامة الشيخ تارة أخرى فاذا انتهى الشيخ الاعرج الى آخر نهج السيد عجولة . تبصق بعد طول مسیر قصير .. ودار الى داره فتنطلق هرجا وصخبا ونطلق العنان لضحكاتنا المحبوسة فتنطلق انطلاقا لا تستوقفه الا ذكرى العصا التي ما انفكت تطرق أقدامنا والتي كانت تمثل بالنسبة لنا الدستور الذي ننضبط به والقوة التى نؤمن بجدواها .. فنز درد ريقنا بمرارة ونحس أن طعم الطفولة لا يزال منغصا ما دامت العصى تعيش عند سيدنا المؤدب وقررنا أن نتجاسر على سرفة العصا وعدنا من الغد فما أن قام المؤدب الى شأن من شؤونه حتى تسللت العصا بين الصفوف وتوارت فتوارت معها الانفاس وأدركنا آنذاك فقط خطر ما أقدمنا عليه تفطن الشيخ بعد قليل الى افتقاد أهم آلات العمل من معمله .. فأمرنا ان نقرأ الفاتحة بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. ثم أمرنا بالوقوف .. وبدأ يجذبنا واحدا واحدا الى ركن من القاعة .. فأصرت العصا على أن لا تنقلب أفعى .. أصرت أن تبقى مفضوحة فاضحة فاذا بها بعد بحث لم يطل تنهال على اعصابنا ثم على أقدامنا فتنهك أرواحنا وأجسادنا ولم تكن أمنيتى شخصيا في ذلك الحين الا ان أطرح ذلك الشيخ أرضا فأشبع فيه العصا ٠٠ لا يهم أن أتكبد مشاق النزول والارتفاع بين عدم استواء ساقيه كنت أتمنى أن أفعل ذلك فأرى قداسة العمامة وهي تطرح على الحصير ٠٠ خرجت من الكتاب ذلك اليوم وفي نفسي اصرار على أن لا أعود اليه ما حييت حتى ولو صار الكتاب طريقا الى الجنة لكنني في السابعة من صباح الغد دون تأخر .. وجدت نفسي أمام المؤدب أردد ببراءة
الاطفال لوحتى متصنعا الحركة الراقصة المعتادة وفى نيتي أن أحوز رضاء الشيخ وعفوه .. ويوم أن بلغت السادسة من عمرى .. لم يعد سيدى مؤدبا بل صار معلما .. ( الله ينصر من صبح ) صرت أنتهز فرصة المرور من أمام الكتاب لاتكىء على ركن بابه فأصيح بأعلى صوتي بين جلبة الترديد : سيدى المؤدب يخ.. ويندب » . ثم أطلق ساقى للريح فلا أسمع ورائي الا جلبة من الضحك ولكن الشيخ الذي كنت حتى في تهكمـى منه أناديه بسيدى.. قد أطلق ورائى ذات يوم من أمسك بي .. فتذكرت أيام الفلقة .. ولم يتركنى حتى وأنا أقسم وأعيد مع البكاء بأنى لن أعود لصنيعي ثانية .. وما تركنى الا وقد أقسم كل عضو من أعضائى أن لا يمر من نهج السيد عجولة أبد الدهر ..
كان جل الاطفال اذا راودتهم أحلام اليقظة يتمنون أن يصبحوا أطباء أو مهندسين في أغلب الاحيان .. أما أنا فكنت أتمنى أن أصبح مؤدبا أو على الاقل معلما ..! والفرق الذي أدركته بين المؤدب والمعلم هو ان للاول حصيرا يفرش عليه الاطفال للضرب ... أما الثاني فلافتقاده ذلك الحصير كان يضرب الاطفال على أيديهم ..! ويوم ان تحصلت على رتبة ضراب الايدى .. أقيمت الافراح في منزلنا وفي حينا فحينا لم يعرف بعد غير أفراح الختان والاعراس .. و كنت وأنا أتقبل التهانى أتفرس فى وجوه الاطفال بشراسة وألحظ تحركاتهم وما يبدونه من تهور أو طيش .. وفى يومها أهداني أبي رباط عنق ..ربطتة فوق قمیصی ربط من لم يربط في حياته رباط عنق ..!
كنت أنتظر بلهفة بالغة زوال الصيف لهفتي السابقة على بقائه فيزواله سيكون لي عهد جديد .. وقبل خمسة أيام من فاتح أكتوبر قصدت المدرسة للتعرف على المدير وتسلم جدول الاوقات .. دخلت المدرسة وعلى بعد عشرة أمتار من مكتب السيد المدير .. وصلتنى الجلبة والهياج والمياج ..فسميت باسم الله بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وتسللت بعد طرق الاستئذان الى الداخل كان السيد الذى يسمونه مدیرا قد أدار به جمعا من القوم بدت عليهم علائم المعلمين وكانوا متشابكين حول توزيع الاوقات والاقسام .. ودخلت المعمعة حين تسلمت أوقاتي ورأيت تلاعب الساعات بين الصباح والمساء يقابله اصرار سيدنا المدير على عدم المناقشة وعدم قبول التحوير وعلى الطاولة رأينا عصا .. العصا لمن عصا هكذا كان يقول سيدى المؤدب ... وتناولت العصا الحديدية أديرها وأنظر اليها باعجاب و نظر إلى المعلمون
متعجبين ...وكانت أفكار تراودني آنذاك .... أفكارى نحو المؤدب بعد ان كان يشبعني ضربا... واحتمى المدير بالمعلمين من حمى العصا التي كانت ترتفع كعصا الاعرج .. وانتزعت منى العصا .. فاذا انا مجرد من سلاحي وتلاقفتنى الانظار من كل جانب .. فتسمرت في مكانى ثم تراجعت الى الخلف خرجت وأغلقت الباب بعصبية وانصرفت ..
سأعود الى القرية سأضرب الارض بقوة وأعيد ضربها فالارض هي وحدها التي تحب الضرب .. وتضحك للضرب .. وتنتج أكثر كلما ضربناها أكثر ...
