الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

المسرح الاسلامى فى إيران، التعازي

Share

لاسباب كثيرة سبق ان عددتها فى كتابى " المسرح والاسلام " (1) لم تعرف الحضارة الاسلامية النوع المسرحي .

الا ان الاستثناء الوحيد التى عرفته هذه القاعدة قد تبلور فى وجود التعازى الشيعية التى اعطت الاسلام اعتبارا من القرن السابع الشكل الدرامى الوحيد الذى عرفه قبل حلول القرن التاسع عشر (2)

ففى الايام التى تسبق اول محرم ، فى الجوامع والتكيات ، فى الساحات العامة ، وفي بعض المنازل الخاصة ، ومن على المنابر تقف شخصيات دينية تدعى روزى كان - (التى ستتخذ فيما بعد شخصيات المقدمين) لتروى احداث بطولة الحسين بن على وتشيد بمناقبه .

هؤلاء " الروزى كان " كانوا يسردون المديح ثم يضمنونه حوادث تفسيرية والنتيجة كانت مزيجا من الرثاء والغناء والرواية والمواعظ .

وسريعا ما ظهر الى جانب " الروزى كان " مساعد لقبوه بـــــ (بامامبر كان) اى (المغنى على قاعدة المنبر) ويبقى دائما الى جانب المنبر ويتحاور مع " الروزى كان " ثم ظهر ( النوح - كان ) وهم مجموعة من البكائين يتجاوبون مع سرد ( الروزى - كان ) أى اننا اصبحنا امام ازدواج يذكرنا بتحولات الجوقة اليونانية .

ومنذ أول محرم وحتى ظهر يوم عاشوراء (اى خلاء عشرة ايام) كانت تقام المسيرات الدينية العنيفة التى تجعل مدينة كربلاء فى حالة توتر دائم ويرى " جوبينو " فى هذه الاحتفالات شيئا يشبه الطقوس الوثنية التى كانت تقام لادونيس ، ويرى " ب . ايردمان " فيها استمرارا للعبادة السامية " لادونيس - تموز " (1) .

والى جانب المدائح والندب المعتادين كانت هذه المسيرات تحتوى على رقصات ( سيدزن ، زندرزن ) ورجال يضربون أنفسهم بالسياط وأشخاص متنكرين :

كامام يمتطى صهوة جواده والدم ينزف منه بغزارة وكذلك بالنسبة لباقي المشتركين .

واخيرا فى اليوم العاشر . . يمثل المشهد الملقب بالتعازي ..

هذه الاحتفالات يمكننا ان نقارنها بالاعياد والمسيرات والاسرار التى مازالت تقام حتى يومنا هذا فى مدينة (اوبيرا مرجو) فى بافاريا .

اما مسرحيات التعازي هذه فقد كتبها مؤلفون مجهولون (2) ، ويتم تمثيلها فى الساحات العامة وفي الهواء الطلق او فى " التكية " (3) حيث يوضع فى منتصفها صوان خشبى دائرى او مربع يدعى " سيكو " ويستعمل كخشبة

مسرح ، وهدا الصوان مفتوح من كل جوانبه وليس فيه اى ديكور . اما الممثلون فيغيرون ملابسهم فى الواج جانبية تدعى " تاج - نوما " .

ويدوم العرض ساعات متوالية ، ومنذ الصباح الباكر يتجمع الناس حول " السيكو " . اما ادوار الرجال فيؤديها الرجال . والجمال والحياد الحقيقية كانت تمثل قافلة الحسين . هذه هي التفصيلات المادية للعرض قدمناها باختصار (1) .

لم يترك النبى أى نص مكتوب يتعلق بمن يخلفه ، لذلك انقسم المسلمون بعد موته الى قئتين : الشرعيون الذين يقولون ان الخلافة يجب ان تبقى في عائلة النبى والذين يرون فى على " ابن عم محمد وصهره " خليفة الرسول بطبيعة الحال والدستوريون الذين يقولون بان الخلافة يجب ان تتم عن طريق الانتخاب .

وقد تم الفوز بادىء الامر للفئة الثانية ، وكان اول خليفة فى الاسلام (ابو بكر الصديق) الذي سلم الخلافة من بعده الى (عمر) . وعندما قتل عمر بيد رجل ايرانى يدعى (أبو لؤلؤة - فيروز) اختير (عثمان) للخلافة ، وقد رفضت شيعة على هذا الاختيار . ومنذ هذه اللحظة ولدت الفتنة الكبرى .

وقد اعقب ذلك فترة من العراك والخلاف الشديدة قتل فيها عثمان من قبل بعض الثائرين ، ووصلت الخلافة الى على .

ثم اتهم معاوية عليا بمقتل عثمان وقام بثورة ضده ، وقتل على بدوره فى احد مساجد الكوفة . . فاصبح الطريق مفتوحا منذ ذلك الحين امام معاوية الذي سمى نفسه (خليفة) . ثم اخذ البيعة لصالح ابنه يزيد ، فاصبحت الخلافة وراثيه كما كان يريدها (الشرعيون) ولكن لصالح اسرة معاوية لا لصالح اسرة النبى .

ولما اصبح يزيد بن معاوية حاكما لدمشق فى افريل عام 680 أرسل المبعوثين الى كافة الولاة طالبا البيعة ، وقد قبل اغلب الولاة بهذا الامر ، ولكن عندما وصلت الرسل الى المدينة حيث كان يقيم اولاد على : الحسن والحسين ، آثر

الحسين الهروب مسرعا الى مكة كى يتجنب المبايعة تاركا اخاه الحسن وحيدا ، متعبا فى المدينة المقدسة (1)

وفى هذه الاثناء كانت الحركة الشيعية قد اشتدت وراح القوم يفكرون بالكوفة فى مبايعة الحسين ، وارسلت الرسل تباعا اليه تدعوه الى الكوفة ، ولكن عيون يزيد كانت تبلغه بما يحصل ، فاحس بالخطر وكلف حاكم الكوفة عبيد الله بن زياد بأن يمنع بكافة الوسائل وصول الحسين الى الكوفة ، بينما كان الحسين واتباعه (ويبلغ عددهم ما يقارب المائتين) فى الطريق اليها . وأمر ابن زياد فيلقا من الجيش الاموي بقيادة " الحر " بان يسد الطريق فى وجه الحسين ، وتم اللقاء بين الحر واتباع الحسين ، ولكن الحر عوضا عن محاربة الحسين انضم هو وجنده اليه (2) . وفى اثناء ذلك بدأت اخبار خطيرة تصل من الكوفة : اذ دب الشقاق بين سكانها ولم يعودوا كلهم فى صالح الحسين عندئذ قرر الحسين عدم الذهاب الى الكوفة واتجه الى الشمال عن طريق الفرات

عند ذلك ارسل يزيد جيشا مكونا من اربعة آلاف جندى ليقضى على مجموعة الهاربين الصغيرة ، وكان هذا الجيش برئاسة شمر بن ذى الجوشن ، ولما وصل هذا الجيش الى سهل كربلاء ، قطع الطريق الى الفرات عن الحسين واتباعه (3) وزادت الحرارة اللاهبة من عطش الاطفال ولكن العدو كان يحرس ليلا ونهارا كل الطرق المؤدية الى الماء .

وحاول العباس شقيق الحسين ان يخترق الحصار ولكنه فقد كلتا ذراعيه ومات متاثرا بجراحه . وكاد ابن الحسين زين العابدين بيمار (اى المريض) يموت عطشا .

وفى صباح العاشر من محرم (العاشر من اكتوبر عام 680 ) نشبت المعركة ، وذبح كافة انصار الحسين (4)

وقطع رأس الحسين نفسه ، واخذت النساء والاطفال اسرى الى دمشق وقد حملت كل رؤوس شهداء عاشوراء الى يزيد على السنة الرماح (1) وتقول الروايات ان يزيد قد عبث برأس الحسين المقطوع ، ومنذ ذلك الحين لم تكف (التعازي) عن اعادة تمثيل مأساة كربلاء وآلام السيد الحسين (2) .

كيف نفسر وجود هذا المسرح ؟ هناك سببان متكاملان يبدوان لنا حاسمين الاول : سبب ديني ، والثاني : ذو طبيعة سياسية .

لقد اكتشفت الشيعة المسرح لانها مرت بتجربة الانفصال عن الدين .

وكانت نسبت اليها جريمة مقتل عثمان ، وكانت تعانى من الندم العميق لانها مسؤولة بشكل ما عن مصرع على ثم الحسين . لذلك اكتشفت الشيعة الشعور بالذنب ووخزات الضمير الشقي .

ذلك أنها لما وضعت خارج المدينة السنية ، اكتشفت قوانين اللاانتماء القاسية بنفس الوقت الذى احست فيه بالقوة المحررة فى الخروج عن القواعد واغراء " اللعنات الكبرى امام جدران المدينة " .

وفقد التاريخ من وجهة نظر الشيعة براءته الاصلية ، وتلوث الميثاق الذي يربط بين الله وعباده بدم على والحسين ، علينا اذن ان ننظف التاريخ من نتائج هذا الخطأ ، حتى يبعث الامام المختفى من جديد وينقذ العالم (3)

اما النقطة الثانية فسياسية ، فعلينا الا ننسى ان التعازى قد نشات فى فارس حيث لم ير الفارسيون فى حياة وموت الحسين قدرا مأساويا فحسب . بل ضمنوا سير حياته الاليم مطامعهم السياسية والقومية المكتومة .

فحسين ليس ابن على فحسب ، بل هو زوج شهرابانو آخر بنات الملك الساسانى يزد جرد وهذا الاتصال يجعل من الحسين واحدا من الامة الفارسية

ويقول الوردى احد أئمة الشيعة فى كتابه " وعاظ السلاطين " (1) لقد حصل على (وكان المفضل عند الرسول) على مركز ممتاز فى الاسلام جعل منه نصير الضعفاء والمظلومين "

وقد تابع ابنه الحسين القيام بهذا الدور ، وعندما احتلت الجيوش العربية والاسلامية فارس راحت هذه تفتش عن زعيم لها فوجدته فى اكثر ائمة الاسلام تواضعا ، ونحن هنا امام مثال بارع من السنكريتية حيث تتخذ السياسية رداء دينيا والدين رداء سياسيا (2) .

ولكن مع الاسف فان سيرنوف قد حضر عام 1916 آخر عرض عام للتعازي في فارس ، وختم وصفه بالعبارات التالية : " وانه لمن المؤسف حقا أن تخسر فارس مثل هذا الشئ الغريب " (3) .

وقد تاكد زوال هذا النوع من العروض في يومنا هذا عندما سنت الحكومة الايرانية قانونا صريحا بمنعه . . فدفنت بذلك جثة مائتة .

علينا ان نشير اخيرا ان (التعازى) ما زالت تقام حتي اليوم في العراق فى مدينة كربلاء بشكل لا يختلف كثيرا عن الشكل الذي وصفناه .

اشترك في نشرتنا البريدية