الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

المسرح العربي في تونس، تاريخه واتجاهاته، ( من نشاته الى سنة 1918) (*)

Share

مقدمة : أصول المسرح التونسى :

من الميادين الهامة فى الادب التونسى يشكل المسرح ميدانا خصبا ، ميدانا لا بد ان نتعرف اليه ولكن من الصعب جدا ان نقدم للمسرح التونسى تاريخا علميا مضبوطا لاننا مع الاسف لا نملك الى حد هذه الساعة دراسة ولو قصيرة موجزة عن مسرحنا القومى . فالمقالات التى بين ايدينا نتف لا تفى بحاجتنا ( 1 ) وامام هذا الفراغ المهول راينا من واجبنا لكى نتقدم تقدما محسوسا فى معرفة المجتمع التونسى اثناء القرن التاسع عشر والقرن العشرين ان نقوم بانفسنا ببحث فى تاريخ المسرح التونسى ونزعاته واتجاهاته طيلة نصف قرن مضت او تزيد

ولربما يعجب الباحث سواء كان تونسيا ام غيره من عدم وجود بحث مركز يشفى الغليل فى ميدان من اهم ميادين الحياة الفكرية فى تونس هو ميدان التشخيص او ميدان المسرح . ولقد تعرضنا فى بحثنا هذا لجم من الصعوبات ولمختلف العراقيل للوصول الى نظرة عامة وشاملة - ما امكننا الوصول اليها - ولقد واجهنا فى انفسنا احترازات متعددة كلما اردنا ان نحلل هذا المظهر او ذاك من حياة المسرح التونسى ونزعاته المختلفة وعلى كل لقد قال العلماء فى ما مضى من اجتهد واصاب فله اجران ومن اجتهد واخطا فله اجر واحد فلتكونوا اذن الحكم فى هذه المحاولة

لمحة عن المسرح :

ظهر المسرح اول ما ظهر فى طور متقدم من البشرية لقد كان اليونانيون فى حفلاتهم الدينية يصورون الام آلهتهم ومصير البشر فى حفلات عرفت بالحفلات

الديونوزية تلك الحفلات التى ظهرت اثرها الماساة او الفاجعة  Tragédie ولكن المجتمع اليونانى ذلك المجتمع القائم على حياة البحبحة واللذة والمرح - وان كان يعتمد ليستمر فى هذه العيشة على طبقة عديدة من العبيد المضطهدين وعلى طبقة من الاجانب عرفت بال métèques  - لم يقف المسرح اليونانى عند المظهر الفاجع بل عرف كذلك الملهاة التى برع فى ميدانها مؤلف شهير مثل (( ارسطوفان )) واستمر المسرح وانتقل الى الرومان الذين شيدوا مسارح عظيمة لم يزل يذكرها الناس ومازلنا نشيد بروحها مثل مسرح (( الجم )) الذى كان يستطيع ان يضم مئات من المتفرجين وبفضله تدرك معى ان بلادنا عرفت مع العهد الرومانى المسرح فى اجلى معانيه ( 2 ) فهى هكذا وارثة للمسرح اليونانى واللاتينى معا وجاء العرب ومرت القرون فلم نسمع انهم اقاموا فى بلادنا مسارح ولا ان التونسيين مثلوا روايات او ما يمكن ان يشبه الروايات والتمثيليات ومرت القرون حتى ظهر المسرح العربى فى عصرنا هذا

من لبنان الى تونس :

نعرف اليوم بفضل جهود الباحثين خاصة الدكتور يوسف نجم ( 3 ) والاستاذ جاكوب لاندو ( 4 ) الظروف التى حفت بظهور المسرح العربى لقد كانت النهض العربية تدب خطواتها الاولى بمدينة بيروت وتكتب اولى صفحات مجدها على ايدى آل البستانى وآل المعلوف وآل اليازجى غير مكتفية بالبقاء والاشعاع من لبنان بل كانت ترسل ابناءها يحملون رسالة العروبة واللغة العربية الخالدة الى باريس ولندن وتونس والاستانة وحتى الى سان بيترسبورغ وزنزبار ( 5 ) جاعلة من لبنان فكرة ورسالة اكثر منه بلدا وطبيعة خلابة رائقة وكانت فكرة التحرر من الهيمنة العثمانية تعمل عملها فى ادمغة المفكرين العرب

مثل هذا الجو قدم الاستاذ مارون النقاش لاول مرة فى تاريخ المسرح العربى فى 27 ديسمبر 1847 (6 ) رواية البخيل التى اقتبسها من موليار وقدمها بخطبة شهيرة يعرفها كل المهتمين بالمسرح ( 7 ) فكانت الباعث الاكبر على تيقظ العرب الى هذا النوع من الادب والتفكير المشخص ولقد كانت كل الروايات التى ظهرت فيما بعد مقتبسة كلها او جلها من المؤلفين الفرنسيين الكبار مثل (( موليار )) (( وكورناى )) و (( راسين )) وغيرهم وكانت تحمل عناوين تختلف كما سنرى عن العناوين الاصلية (( فهوراس )) اصبحت رواية (( حمدان )) و (( عطيل )) القائد المغربى اصبحت (( حيل الرجال )) متفادين بذلك الجمود الذى تدخله الترجمة الحرفية على النص المعرب محاولين تقريبا المسرحية من المجتمع العربى ولو سرنا على هذه

الخطى لاصبح المسرح العربى من اروع المسارح وعلى كل فالتاثير الغربى وخاصة  التاثير الفرنسى والايطالى يتميزان فى نشأة المسرح العربى تمييزا لا يمكن اليوم لاحد ان ينكره مهما اجهد نفسه فى ذلك وليس هذا المجال مجال بحث طويل فى هذه المشكلة السوسيولوجية ولو انى وددت ذلك على ان الباحث يستطيع اليوم بفضل جهود الزميل الدكتور يوسف نجم ان يشفى غليله فلا خوف عليه من الجوع

وبعد بيروت وبعد فرقة مارون النقاش وبعد المسرحيات المتعددة التى قدمت نجد فرقا فى سوريا مع احمد ابو خليل القبانى ( 8 ) ثم فرقا فى مصر حيث وجد المسرح ميدانا فسيحا وارضا خصبة للانطلاق ( 9 ) ومن مصر انطلق فى يوم من ايام سنة 1904 المسرح العربى ساعيا الى تونس عن طريق طرابلس الغرب

لكن قد ياخذ الانسان العجب عندما يرى المسرح العربى بقى مجهولا لدى التونسيين زهاء ثلاثة ارباع قرن بينما قد مرت على المسرح فترات حاسمة ظهر اثناءها رجال عمالقة مثل الشيخ سلامة حجازى وجورج ابيض وعبد الرحمن رشدى حسب ما ذكر المؤرخون وقد حماهم الخديوى عباس ما استطاع .

التعازى :

قبل محاولة مارون النقاش سنة 1847 علينا ان نعود الى التاريخ لنفحص ادب التعازى ونستمد منه انبثاقات لهذا الفن . نعم يمكن ان نعتبر مسرح التعازى مظهرا قريبا من المسرح والتعازى تشخيص لماساة ابنى الامام على الحسن والحسين خاصة الذى تخلى عنه اتباعه امام كربلاء فقتله الجند الاموى قتلا شنيعا وتكفيرا عن تخلفهم عن زعيمهم عبر الشيعة عن المهم فى التعازى اجمل تعبير واصدق لهجة . وهذا المسرح الذى لم يزل حيا عند الشيعة فى العراق وايران يذكرك تذكيرا وثيقا بمسرح الاسرار théatre des mystères عند المسيحيين فى القرون الوسطى ( 10 ) والروح الدينية التى يصطبغ بها هذا النوع من التشخيص المسرحى لم تدرس الى يومنا هذا وان كنا قد سمعنا ان المستشرق الايطالى Enrico Cerrulli اعد بحثا عن هذا المظهر من مظاهر المسرح

المقامات ( 11 ) :

وتساءل آخرون هل ان المقامة او المقامات نوع من التشخيص المسرحى يقارب

فى روحه مسرح ال farces  اى الخزعبلات والحشويات مثل خبزعبلات الاستاذ باتلان

وما زلت اذكر تمثيلية قام بها طلبة الصادقية وانا صغير السن لمقامتين من مقامات بديع الزمان الهمذانى واستطاع الممثلون ان يبرزوا حيوية شخصية ابى الفتح الاسكندرى ولكن ليست هذه بالمسرح الحق اذا اعتبرنا عناصر المسرح ومكوناته ومدلوله الحديث

مسرح خيال الظل أو كاراكوز (12) :

وعرف التونسيون منذ القرن السابع عشر اى منذ وصول الاتراك الى تونس مسرح خيال الظل المعروف بكراكوز وكراكوز كلمة تركية اصلها كاراقاز اى البطل ذو العينين السوداوين . وهذا المسرح الذى يرى فيه بعضهم مسرح داعرا داعيا للسفاهة والبطالة والقول البذئ هو في حقيقته مظهر دينى ومسرح  ديني احتفظت به الى يومنا هذا المعابد الدينية فى الهند والخوانق الصوفية فى تركيا وايران بينما تخلت مسارح البلقان - فى البلاد اليونانية والبلغارية والرومانية واليوغسلافية - عن هذا المظهر الدينى فظهر كراكوز بلا رمز الفحولة اى فى حلة رجل متانق اجتماعى وكراكوز التونسى يتميز اذن عن الكراكوز البلقانى بعلامة الفحولة وهى علامة دينية صرفة

الفتالة :

على ان تاريخ تونس الاجتماعى قد احتفظ لنا ايضا بعناوين بعض المسرحيات التى عرفت عند التونسيين بالفتالة والفتالة تشخيص يقوم به الاحداث والرجال بعد ما يتزينون ويتجملون وبالاخص فى الاعراس لبعض مواقف الحياة الاجتماعية وكان الاحداث يمثلون هذه المشاهد فى البيوت او عند العامة ويذكر الناس الى يومنا عناوين بعضها مثل امى بلازة والقاضى وكدرون الزواوى ومريم وغيرها من الروايات القصيرة الفكاهية ذات الفصل الواحد التى كانت تروق الناظرين وتبعث المرح فى نفوسهم وتدعوهم الى الضحك وهنا يمكن لى ان اطلق كلمة المسرح القومى على هذا النوع من التمثيل لانه كما ارى تتوفر فيه مقدمات التمثيل وهذا النوع من المسرح كان محبوبا عند التونسيين وخاصة عند الطبقة البرجوازية ذات الثقافة المتوسطة والثراء والطبقات الشعبية الذكية كطبقة الصناع والقلفوات ولقد احتفظت لنا ذاكرة الناس باسماء من برعوا فى هذا

الضرب من التمثيل واشتهروا فيه منهم الشيخ دراج قبل الاحتلال الفرنسى والسيد عجيبة بعد الاحتلال . هذا المسرح القومى التونسى كان يمكن له ان يتطور لو ساعده الحظ على ذلك ولكن تدهور الحالة الاقتصادية التى بعثت ثورة بنى غذاهم سنة 1864 لم يمكن المسرح التونسى من ان يتطور - كما انه لم يمكن للمسرح الفرنسى فى القرن السادس عشر من ان يصير مسرحا انسانيا ممتازا - مسرحا باتم معنى الكلمة ولكن ان فقدنا المسرح العربى الحق فاننا عرفنا المسرح الاوربى

المسرح الاوروبي بتونس قبل 1905 (13 )

نعم حتى ولو فقد المسرح العربى تماما من تونس فكيف لم يعتمد التونسيون وقد راينا ان منهم من كانوا على صلة وثيقة بالمجتمع الغربى والطبقات الراقية الاوربية - على المسرح الاوربى لبعث مسرح عربى على شاكلة المسارح الغربية فى تونس ؟ هنا يمكن ان نقف لحظة وجيزة عند هذه المسارح الاجنبية واعطاء لمحة عن هذا الفن عند الاجانب القاطنين ببلادنا . لا شك ان اول مسرح اوربى عرفه التونسيون هو المسرح الايطالى والعلاقات السياسية والاقتصادية بين تونس وايطاليا فى مختلف مظاهرها وثيقة وطيدة اثناء القرن السابع والثامن والتاسع عشر وليس هنا مجال بحث العلاقات العائلية بين الاسرة المرادية ثم الاسرة الحسينية وبعض الاسر الايطالية . فالمطالع وحتى المتصفح لتاريخ ابن ابى الضياف المعروف باتحاف اهل الزمان . . . . يجد فى هذا المخطوط دلالات واضحة عن وجود كثير من الايطاليين بالعاصمة وفي بلاط باردو ومما لا شك فيه عندنا ان امراء تونس وطبقاتها الراقية شاهدوا بعض التمثيليات الايطالية . نعم لقد احتفظ لنا التاريخ بوثيقة هامة تدل على ان فرقة ايطالية مكونة من ممثلين بندقيين زارت تونس واقامت بها حفلات تمثيلية سنة 1826 والوثيقة موجودة بمكتبة ليفورنا من مدن ايطاليا تلك المدينة التى كانت على وثيق الاتصال بتونس والتى وجد منها يهود ليفورنا المعروفون فى تونس بيهود القرانة . فلا شك اذن ان يكون التونسيون - ولو قليل منهم قد عرفوا المسرح فى اجلى معانية واكمل مظاهره منذ سنة 1826 اى ما يزيد على 80 سنة قبل ظهور المسرح العربى بتونس وبعشرين سنة قبل ان يقف مارون النقاش ممثلا اول رواياته العربية على خشبة المسرح ببيروت كما راينا

ويؤيد وجود مسرح اوربى حافل فى تونس كل من الضابط السويسرى غوتفريد شول فى كتابه جولة فى تونس والاكساندر دوما فى كتابه سفرة على

دراجة من الجزائر الى تونس فنعلم بفضل هذا الاخير ان رواية الفار من الجندية قد مثلت مرات بتونس سنة 1842 . وفى هذا المسرح الاوربى نفسه مثلت روايتا (( الثرافياثا )) و (( الرقص المقنع )) سنة 1856 وكذلك مثلت وغنت الممثلة الايطالية آفلينا باتى Avellina patti  فى نفس السنة رواية روى بلاس Ruy blas  لمركات Marketti وبعد اربع سنوات يفتح رسميا مسرح القرطاجنى Le Carthaginois  ابوابه بنهج زرقون سنة 1860 (14 ) وبعد خمس عشرة سنة 1875 يفتح مسرح كوهين بدوره ابوابه للنظارة والمتفرجين وهو اول مسرح منظم تنظيما عصريا فيه ما يقارب ال 400 مقعد ومؤئث بكل ما يستحقه التمثيل والتشخيص من ملابس واثاث ومسرح كوهين هذا كان يتردد عليه خيرة الاجانب من سفراء وقناصل وكذلك الموظفون الكبار والتجار الاثرياء والطبقة الراقية المختارة من التونسيين كانت هى ايضا تتردد عليه وقد اقامت الممثلة الفرنسية (( سارة بيرنارت )) بعد الاحتلال الفرنسى بسنتين حفلة مثلت فيها مسرحية ووجود (( سارة برنارت )) التى خصص لنبوغها المسرحى الدكتور طه حسين اجمل صفحة فى كتابه فى الصيف ينبئ حقا بان المسرح الغربى الفرنسى ادرك طبعا فى بلادنا درجة من الرقى لا ينكرها احد فهو اصبح مسرحا عالميا يؤمه اكابر الممثلين والممثلات . وبعد سنة 1884 تقيم السيدة هاجر Madame Sgar  من ممثلات (( الكوميدى فرانسايز )) حفلات مسرحية اعجب الناس بها اذ ذاك واحتفظت لنا الصحافة بما كان لهذه الحفلات من اثر عميق فى نفوس الرواد والزائرين ومريدى هذا الفن

والمسرح الاوربى لم يقتصر على قاعتين للتمثيل بل سرعان ما فتح مسرح برولا Théatre Brulat ابوابه بشارع باب البحر سنة 1889 وبعد سنوات نرى مسرح الروسينى  Theatre Rossini - هذا المسرح الذى  سيكون له فى حياة المسرح العربى شأن واى شأن - يفتح ابوابه للنظارة الغربيين واعقبتها اعوام اخرى ففتح المسرح البلدى ابوابه وهذان المسرحان الاخيران هما اللذان ستقام فيهما اول المسرحيات العربية ببلادنا .

ندرك هكذا ان المسرح الغربى كان له فى تونس مكانة ممتازة وكان يجمع اليه مئات المتفرجين وكانت الروايات الممثلة - روايات تختلف فى المبنى والمعنى - تنال اعجاب رواد هذا الفن فكيف اذن يمكن انكار وجود المسرح الغربى فى تونس قبل المسرح العربى نفسه وكيف يمكن انكار تردد التونسيين على هذه المسارح ولربما لزم ان نذهب الى ان التونسيين فكروا فى اقامة مسرح على غرار هذه المسارح الاوربية ولكن الحظ لم يسعفهم

نشاة المسرح العربي بتونس :

1 ) فرقة المغربى 1904

مرت الاعوام والتونسيون يترددون على المسرح الاوربى حتى اواخر سنة 1904 وفى مطلع سنة 1905 ارتفع ستار مسرح الروسينى على اول فرقة عربية وطئت ارض هذه البلاد وهى فرقة الكوميديا المصرية ( 15 ) التى اشرف عليها كامل زوزو ( المغربى حسب تعريفته ) وكانت هذه الفرقة تجمع ممثلين شبانا مثل محمد كمال المصرى ( الذى عرف (( بشرفنته )) وهو لقب به عندما كان ضمن فرقة نجيب الريحانى ( 16 ) وممثلات شابات (( من يهوديات طرابلس ))

واول رواية مثلتها هذه الفرقة هى رواية القائد المغرم التى اقتبسها فى الشرق ابراهيم رمزى ( 17 )(1ب) وهكذا تكون هذه أول رواية مثلت فى تونس باللغة العربية فكان لها تأثير وأى تأثير والمطالع لصحافة ذلك العهد يدرك بسهولة تعطش التونسى لما من شأنه ان يثير روحه ويحمس عزمه فكتب الاستاذ عبد الوهاب فى جريدة التقدم ( التى كان يديرها المرحوم البشير الفورتى ) مقالا متحمسا ابدى فيه بعض النقد وختمه برجاء ملح فى ان تمثل هذه الفرق روايات اخلاقية واتفق الفورتى وجميل انكيرى الذى كان يحرر فى صحيفته Le progres  الفرنسية وهو من مسيحيى سوريا على ان يستدعى لتونس الاستاذ سليمان قرداحى وتخاطبا معه فى شأن زيارته الى تونس ولكن الاتفاق لم يتم بينهم على ان سليمان قرداحى قرر المجىء الى تونس بطرقه الخاصة فيما بعد وفعلا ارتحل من مصر ومر بطرابلس الغرب فاقام بها اربع حفلات ثم وصل الى تونس فى اواخر سنة 1908

2 ) التفكير فى بعث مسرح تونسى : فرقة النجمة

ان التونسيين لم يبقوا مكتوفى الايدى او جامدى الفكر فى هذه الفترة التى تقع ما بين 1905 و 1907 بل نراهم اثناءها يبذلون المحاولات تلو المحاولات نعم رأينا المفكرين التونسيين المولعين بالمسرح يجتمعون بنهج زرقون فى قاعة من قاعات القنصلية الايطالية للحديث الطويل فى شؤون المسرح واهميته فى المجتمع ولزوم بعث مسرح تونسى محض ولا شك عندى فى ان هذه الاجتماعات كانت تتأثر كثيرا بما كان يجرى فى مسرح قريب كل القرب منهم هو المسرح القائم بنهج زرقون وتتأثر كذلك بالروح الايطالية الغالبة عند اولائك المفكرين الذين كان اغلبهم يحملون ثقافة ايطالية وخاصة مديرى هذه الجماعة وتحت

هذا التأثير ظهرت سنة 1906-1907 فرقة النجمة وبصفة ادق ظهرت على الورق وان لم تبرز للوجود ولم تمثل ولو تمثيلية واحدة وكان المسيرون والباعثون للفكرة هم محمد بن تركية ( متوظف بالقنصلية الايطالية ) والهادى الارنووط ( من متوظفى القنصلية نفسها ) والبشير الخنقى ( صاحب جريدة لسان الشعب ) ومحمد وساسى الحجام ( صاحبا دكان حلاقة بشارع بسيس ( ومحمد المستف ( نقيب زاوية سيدى الصوردى ) تلك الزاوية التى كانت تقام فيها الحفلات لاحياء التراث الاندلسى المعروف بالمالوف وكان يشرف على فرقة النجمة اشرافا فنيا ممثل ايطالى وهكذا تكونت هذه النواة وفى الاشهر الاولى من حياتها التحق بالمسيرين كل من محمود بوالايمان ( متوظف بادارة المال ) واحمد بوالايمان ( بوهيمى ) ومحمد بورقيبة ( معاون طبى وأخ فخامة رئيس لجمهورية ) واخيرا الحبيب المانع ( صاحب مطعم بالباتوار )

كان افراد الفرقة يتمرنون على رواية ( صدق الاخاء ) التى الفها اسماعيل عاصم سنة 1894 هذه الرواية التى يرى فيها يوسف نجم رواية خيالية جدا والتى يقول عنها (( وهى بهذا الجو الرومنطيقى الميلودرامي العجيب تنقلنا الى اجواء الف ليلة وليلة والقصص الشعبى حيث تختلط الحوادث والبيئات وتنوع الصور والحوادث وتكثر حوادث التنكر والمبارزات والخطف والضرب في الافاق )) ( 18 ) فلما وصلت فرقة سليمان قرداحى وجد هذا الاخير فرقة النجمة ولها صيت واسع ودعاية عريضة .

3 ) فرقة سليمان قرداحى

سليمان القرداحى ممثل من قدماء ممثلى فرقة اسكندر فرح انشق على استاذه وانشأ فرقة لنفسه سنة 1882 هذه الفرقة التى حلت بتونس لتقيم حفلات مسرحية سنة 1908 ( تقول جريدة التقدم ( عدد 28،160 نوفمبر 1908 ص 3 ) عن هذه الزيارة : (( تياترو عربى جديد - قدم من الاسكندرية جوق تمثيلى جديد هو جوق الشيخ القرداحى الشهير . وعما قريب يباشر تمثيل الروايات الادبية وغيرها . وهو يتركب من ثلاثين نفرا ، نسوة ورجالا . )) ) وهنا نتساءل ما هى الروايات التى مثلت من طرف هذه الفرقة واجابة على ذلك نقول معتمدين على ما جاء فى صحف ومجلات ذلك العهد التى لا تبخل علينا ببعض الاشارات مثلت صلاح الدين الايوبى لمارون النقاش اقتبسها للعربية من رواية الطلسم للمؤلف الانقليزى المشهور (( والتراسكوت )) الذاهب فى الاجواء الرومنطيقية كل مذهب ثم روميو وجوليات او شهداء الغرام من اقتباس مارون النقاش وانس الجليس من تأليف ابى خليل القبانى السورى ومثلت كذلك روايات لنجيب حداد ومارون النقاش

واسكندر فرح وكانت كل هذه الروايات قد اقتبست وترجمت عن اللغات الاوربية - وهى التى عرفها الشرق فى الطور الاول من المسرح العربى - على اننا نريد ان نشير الى الروح الايطالية التى كانت تهيمن عليها فأنت لا تسمع على الركح الا صيحات فزعة وصرخات مدوية وضجيجا مسترسلا وقرع سلاح وقرقعة رماح وصليل سيوف واشارات عريضة وكلاما متقعرا تلك الطريقية المعروفة (( بالمتامورات )) والتى كانت خاصية المسرح الغربى ما قبل العهد الكلاسيكى فى الايام الاولى التى كان بيار كورناى يؤلف اولى مسرحياته مثل (( السيد )) وميزة هذا المسرح التقعر الظاهر الذى ينعته الاوروبيون وخاصة الايطاليون والاسبان بكلمة Baroquismo وهذا الطابع الايطالى هو الذى جعل التونسيين وخاصة مسيرى فرقة النجمة التونسية - وقد ادركنا تأثرهم بالروح الايطالية - يهتزون لهذا النوع من التمثيل الذى لم يعد يروق لنا ولا لغيرنا من النظارة العرب ( 19 ) وهنا لا بد لنا من ان نعرض او من ان نتعرض لما جاء فى صحف تلك الفترة التى تقول عن زيارة القرداحى : (( تشوق عموم التواسة كثيرا لمشاهدة تمثيل هذا الجوق العظيم خصوصا لما بلغهم ابدان أولئك الممثلين الافاضل واتقانهم فى تشخيص الروايات البديعة التى حازت الشهرة الكبرى فى عالم الادب )) ،

وتقول الصحافة عن مسرحية صلاح الدين الايوبى واصفة لنا العصر ونفسيته ما يلى : (( ستمثل رواية صلاح الدين الايوبى الشهيرة المدبجة بيراع فقيد الادب الشيخ نجيب الحداد فأهلا وسهلا بهذا الجوق الذى نترقبه ترقب الظمان للماء الزلال العذب واهلا وسهلا بمديره الفاضل ابى التمثيل العربى بل زارع الادب وناشر الفضيلة لان اقل مزية التمثيل هى اظهار الفضيلة والكرامة والادب واصحابهم فى ابهى المناظر وابهج المظاهر وتقبيح الرذيلة والمنكرات فى اعين العموم بصورة تنفر منها النفوس وتثبتها المناظر وفى هذا من التهذيب ومكارم الاخلاق وترقية النفوس ما ينشرح له صدر كل مصلح غيور )) وبعد هذا المدخل الذى يصور فيه نفسية التونسيين اذاك يقول الناقد واصفا الحفلة : (( لقد شاهد لاول مرة التوانسة تمثيل الروايات العربية فى مراسح تونس وكان من جملة الحاضرين الامراء والعظماء واكابر الموظفين واعيان الاهالى والادباء ولم يبق موضع لمن جاء متأخرا )). وتقول الصحافة ايضا بعد تمثيل فرقة قرداحى لرواية هملات ما يلى : (( ولا يسعنا الا ان نسدى الشكر والثناء لكل فرد من اولائك الممثلين الذين برهنوا لنا ان الفكر الشرقى وذوق الشرقيين لا يقل عن الاوربى وان الشرقيين مهما توجهوا لشئ الا واتقنوه )) .

4 ) الجوق المصرى التونسى

ولكن الاجل كان لسليمان قرداحى بالمرصاد فيلتحق بربه فى 5 ماى 1909 ولقد احتفظت لنا صحيفة الاهرام فى عددها الصادر يوم الجمعة 14 ماى 1909 ( نمرة 9471 ) بتاريخ وفاته مما يزيل كثيرا من الاوهام التى وقع فيها جل من تحدث عن ولادة المسرح التونسى وعن زيارة سليمان قرداحى لتونس وعن وفاته

مات قرداحى فتفرق الممثلون بعضهم عاد الى مصر وبعضهم خير البقاء فى تونس ضامنا لنفسه حياة مادية مرفهة فالتحم افراد النجمة ( الفرقة التونسية الناشئة ) وبقية افراد فرقة سليمان القرداحى فأنشأوا الجوق المصرى التونسى الذى قدم اربع حفلات مسرحية خاصة مسرحيات عطيل او القائد المغربى ( 20 ) وحيل الرجال (21) وصدق الاخاء التى كانت الفرقة التونسية تنوى تمثيلها منذ سنتين او ثلاثة وكذلك مجنون ليلى ومع هذه الروايات ظهر الممثلون التونسيون لاول مرة على الركح وقدموا للجمهور اولى رواياتهم لقد سحر المسرح التونسى اذاك الناس . لنتخيل المجنون يدخل على الركح على جواد ابيض مطهم حبكت سبائبه بخيوط من الذهب وطرز سرجه اجمل طرز وليل تدخل المسرح وهى تمسك بيدها غزالة غاية فى الجمال والروعة ويدخل الامير فيرسل فى سماء قاعة المسرح سرب من الحمام الابيض الطاهر فتخيلوا تعطش التونسيين الذين يرون هذه المشاهد الفاتنة الجميلة التى احتفظ بها ناقد من نقاد المسرح فكيف لا يحب التونسيون المسرح العربى وهم ينظرون الى صلاح الدين الايوبى وهو داخل الركح والاعلام ترفرف فوق رأسه ويقتبل ريشار قلب الاسد فى قاعة تملؤها الابهة والعظمة . . .

استطاع الممثلون بفضل جهدهم واستطاع سليمان قرداحى بفضل ذكائه الوقاد ان يجعل من المسرح باللغة العربية اداة من ادوات الثقافة العربية الاسلامية فى تونس

5 ) فرقة الشهامة

ولكن رغم مجهودات الفرقة المصرية ورغم نبوغ افرادها ونجاحهم لم يرض المفكرون التونسيون الا تكون لبلادهم فرقة تونسية محضة فاجتمعوا اواخر سنة و 1909 مطلع 1910 ليقرروا بعث فرقة تونسية حملت اسم فرقة الشهامة وهذا الاسم ارى من الواجب ان نقف عنده لحظة فهو يحمل رمزا لا بد ان نفسره تفسيرا سوسيولوجيا لانه سيكون بمثابة الكوة او النافذة التى نشرف منها على نزعة من اهم نزعات المسرح التونسى ( ان لم يكن المسرح العربى عامة )

هى نزعة البطولة ذكرتم ولا شك صلاح الدين الايوبى وذكرتم حواره مع ريشار قلب الاسد وذكرتم شهامة العرب وكرمهم ونخوتهم نعم شهامة العرب . . . لقد اراد باعثو فرقة الشهامة الالتجاء الى رمز شعورى باطنى فى الوقت نفسه فانا لا ادرى كيف افسره تفسيرا نفسانيا صحيحا انهم لجأوا اليه ليعربوا عن انفسهم وعن شخصيتهم وعن شخصية بلادهم وعن ذاتيتهم وكيانهم امام الوجود الغربى الذى كانت رموزه وقيمه ومبانيه وقواته تجتاح دنياهم التقليدية التى كانت تتململ من كل جهة فكأن دنياهم القديمة قد زلزلت زلزالها

هكذا اسس الصادق الرزقى ( مدير جريدة افريقيا ) والمحامى محمد العبدلى وعلى عبد الوهاب ومحمد بورقيبة اخ الرئيس مدفوعين بهذا الدافع فرقة الشهامة لتخلف فرقة قرداحى وفرقة الجوق المصرى التونسى ولتحمل رسالة المسرح التونسى المتحرر ذى النزعة الانسانية ومع هذا فستعترضهم العقبة التى اعترضت غيرهم اعنى بها المادة التى هى العائق الاكبر فى بلادنا لقيام المشاريع الكبرى وفى المسرح خاصة .

6 ) ازمة التفكير وظهور فرقة الاداب

وبالاضافة الى هذه الازمة او الصعوبات المادية سيعرف المسرح التونسى اذاك حسب ما اذهب اليه فى تفسيرى السوسيولوجى اول ازمة كيانية ناشئة عن ازمة التراكيب والقيم الجديدة التى اشرنا اليها اشارة عابرة فيما سبق حين قلنا ان جماعة الشهامة متأثرون ولا شك بالقيم التحريرية التى كان يعمل فى سبيلها جماعة الخلدونية واسرة جريدة التونسى Le Tunisien مثل البشير صفر وعبد الجليل الزاوش وخيرالله بن مصطفى ومحمد الاصرم وغيرهم اولئك الذين ارادوا بعث روح جديدة فى المجتمع التونسى وقد اعتقدوا وجودها فى المسرح فاصبح المسرح اداة اصلاحية .

ولكن لم يكن فى حسبانهم ان يثور ضدهم القدماء ورجال كان لهم فى المجتمع مكانة واى مكانة ! فلم تمض اشهر على ظهور جمعية الشهامة حتى ظهرت للوجود جمعية اخرى هدفها التمثيل وهى جمعية (( الاداب )) ولقد اختارت هى ايضا اسما رمزيا حتى يعرب عن نزعاتها الكامنة في ذاتها والباعثة على سيرتها الاجتماعية فلماذا اختيرت ياترى كلمة الاداب أهى راغبة فى ان نعود الى الينابيع الاولى ينابيع السنة واصلاح مدرسة المنار فى شكلها المتطرف . لقد انشقت الاداب عن الشهامة لان نزعتين مختلفتين كانتا تعملان اذاك بالمجتمع التونسى متضاربتين متناقضتين نزعة التطرف او العودة الى الماضى الاسلامى

التى كان يتزعمها الشيخ عبد العزيز الثعالبى فى طوره الاول والتى كانت تجد فى ابراهيم الاكودى باعث الفرقة وفى الشاذلى القسطلى ممولها ابرز اركانها فكانت ترى فى كل مظهر من مظاهر التجديد سواء الالتجاء الى الشهامة العربية او الالتجاء الى حياة عشاق العرب ومشاهير شعرائهم المغرمين نزعة خطرة على المجتمع التونسى من شأنها ان تحرر الاخلاق من قيود الدين فكانت من اجل هذا تنظر الى تحرير المرأة وخروجها من سيطرة الرجل بدعة وخرقا لروح الدين الاسلامى وهى تلك الفئة التى ستحارب فيما بعد الطاهر الحداد وآراءه فى ميدان التحرر الاجتماعى وابا القاسم الشابى وآراءه فى ميدان التحرر الادبى

واما النزعة الاخرى نزعة المتحررين ومنهم محمد بورقيبة والارناووط والحكيم سالم بوحاجب الذى كان رئيسا لجمعية الشهامة فلقد كانت ترى بالعكس ان التونسى لن يستطيع ان يضمن لنفسه الاستقلال والكرامة ولن يتمكن من استعادة مجده السالف الا بمحاذاة الغرب محاذاة رصينة وتقليده تقليدا مستنيرا متبصرا وتلك فى الحقيقة نزعة الاصلاح الحق عند الافغانى وعبده لا نزعة الاصلاح المتطرف التى بلغت مع رشيد رضا ما بلغت من التعصب الممقوت ومن العصبية الجنسية والدينية البغيضة للنفس كل البغض

هذه الازمة هى اذن اول ازمة عرفها المسرح حوالى سنة 1911-1912 والتى كانت الباعثة على ظهور نزعة جديدة على يد اصحاب فرقة الاداب تلك النزعة الاخلاقية كما نريد ان نسميها لانها ترمى فى صميمها الى الاصلاح بطريق الوعظ والارشاد واستطاعت فرقة الآداب بفضل الاموال التى كانت يدر بها عليها اصحاب اللجنة ان تشترى ملابس واثاث فرقة القرداحى لتحرم فرقة الشهامة من وسائل التمثيل ولقد كان الشيخ الثعالبى والقسطلى يريدان ادخال الاصلاح الاسلامى على المسرح ولكن لم تنجح هذه النزعة الا نجاحا نسبيا نظرا لتطور المجتمع التونسى وتبدل العقليات

7 ) الروايات الممثلة

مثلت الفرقتان طيلة اربع سنوات مسرحيات متعددة وان انت حللتها فأهم نزعة تجابهك هى بلا منازع :

أ ) النزعة البطولية او الملحمية

(épique) التى وجدت عندنا بزوال التأثير الايطالى شيئا ما وبدء التأثير الفرنسى وذلك لان اغلب الروايات المعروضة كانت مصرية اومقتبسة من الفرنسية كرواية سينا Cinna المترجمة (( بحلم الملوك )) مرة و (( بحلم قيصر )) اخرى وقد عربها نجيب الحداد

وكذلك مسرحية السيد Cid Le التى عربها نجيب الحداد ايضا وعنونها بغرام وانتقام ومما يجب الاشارة اليه ان يوسف وهبى اتخذ من موضوعها عنوانا لفلم من افلامه عرض على الشاشة بقاعات السينما بتونس تحت عنوان (( غرام وانتقام )) وكذلك مسرحية هوراس التى اقتبسها خليل النقاش وسماها (( بمى )) ومع هذه الروايات يظهر فيكتور هوقو لاول مرة مع رواية (( هرنانى )) المعروفة برواية حمدان من تعريب واقتباس نجيب الحداد وكذلك يبرز على المسرح التونسى مرة ثانية المؤلف الشهير الانقليزى ويليام شكسبير فى مسرحية (( حيل الرجال )) او عطيل التى مثلها من قبل سليمان القرداحى وتنتصر هذه النزعة مرة اخرى مع صلاح الدين الايوبى ولكن هذه النزعة البطولية نضيف اليها نزعة اخرى هى النزعة الغنائية

ب ) النزعة الغنائية

( lyrique )

يقابل النزعة البطولية الملحمية نزعة الغناء والحب والغرام وان كنا كثيرا ما نجدفى الاولى مواقف صبغها الحب والغرام بأجمل الوانه الا ان الروايات التى اعدناها الى هاته النزعة تدور اغلبها حول الحب والعشاق فمنها روميو وجوليات او شهداء الغرام ومنها عبلة وعنتر ومنها عايدة التى عربها منذ عقود سليم خليل النقاش وكانت هاتان النزعتان نزعة البطولة والشهامة ونزعة الحب والغرام تكتنف النزعة الثالثة التى هى نزعة الفكاهة والنكتة

ج ) نزعة الفكاهة والنكتة

( comique )

الى جنب النزعتين السابقتين نجد نزعة ثالثة اقل أهمية منهما الا انها نزعة عربية صرفة استمدت من الف وليلة ومن العيون العربية اجمل ما فيها فرواية انس الجليس لأبى خليل القبانى تمثل اتجاها عربيا ملحوظا يجمع بين الحكمة وهى خاصية من خاصيات التفكير السامى وبين الفكاهة المرحة والنكتة المثيرة المضحكة

د - النزعة الحكمية

ونجد مع تيليماك Telemaque قصة فنلون Fenelon التى عربها  سعد الله البستانى تأييدا للنزعة الحكمية هذه الرواية التى عرفت فى الشرق الاسلامى شهرة واسعة فى كل بلد من بلدان العروبة والتى مثلها صاحبها لاول مرة بلبنان فى شهر جويلية 1869 وهكذا انتهيت من بحث النزعات فما علينا الا ان نستمر مع حياة الفرق التمثيلية

8 ) فرقة عبدالقادر المغربى

ومرة اخرى تحل بتونس فرقة مصرية سنة 1911 باحثة عن جمهور واسع

وعن ربح وفير وقد عرف الشرق والمشارقة وسمعت الفرق المصرية واللبنانية بان تونس بلد متعطش للتمثيل مغرم به . . حلت بتونس فرقة عبد القادر المغربى ولكنها لم تمثل سوى القليل من الروايات

9 ) فرقة ابراهيم حجازى

وفى السنة الموالية 1912 تبعتها فرقة مصرية اخرى هى فرقة ابراهيم حجازى ولكنها هى ايضا بدورها لم تعرض الا بعض الروايات مثل عطيل وانس الجليس اعنى الروايات التى نالت شهرة ونالت اعجاب التونسيين وعند هذا الحد من البحث تباغتنا مفاجأة لم نسمع بها من قبل

10) جوقة النجار

لا شك فى ان الباحث فى تاريخ هذه الفترة المتقدمة من حياة المسرح التونسى يشعر بالعجب والغرابة تتملكه امام وجود فرقة تمثلية هى جوق النجار لان هذا الجوق غريب فى حياته غريب فى نزعاته غريب فى تكوينه واطواره فهو جوق اقليمى ان صح هذا التعبير لانه ظهر وعاش بمدينة سوسة وهو جوق يهودى لان مديره خليفة النجار وافراده كانوا كلهم يهودا وهو جوق يتكون من احداث ولم يعرف وجود المرأة الا فى السنوات الاخيرة من حياته وهو جوق ديناميكى لانه لم يكتف بان يمثل بسوسة فقط ولا فى مدن تونس التى مثل بها مثل العاصمة وصفاقس وبنزرت وحلق الوادى والمرسى والمهدية والمكنين والقيروان والمنستير بل تجاوز تونس الى الجزائر فمثل بمدنها مثل قسنطينة وعناية وبجاية وقالمة وسوق هراس وعين البيضاء وخنشلة وهو جوق تغلب عليه النزعة الدينية المتهودة فلقد مثل روايات يوسف الصديق و ((داوود وغليات )) وسيدنا موسى (( وسوولى وداوود )) والاغرب من ذلك انه مثل اغلبها بالعربية الفصحى ومثل بعضها بالعربية الدارجة ومثل بعضها بالعبرية ومثل واحدة باللغة الفرنسية وبجانب هذه النزعة الدينية اليهودية نجد نزعة الدعاية والمرح والدعة والضحك فلقد مثلت هذه الفرقة يوم 21 ديسمبر 1913 بمسرح الروسينى بتونس رواية مقتبسة من موليار هى الطبيب المغصوب Le Médecin malgré lui ومثلت كذلك روايات اخرى من نفس النزعة مثل الجهلة المدعين العلم ولنلاحظ كيف اصبح عنوان موليار : النساء العالمات Les Femmes savantes عنوانا شعبيا مرحا ) وكذلك هارون الرشيد وخليفة  الصياد والساحر العجيب وجماعة السراق وغيرة باربوى مقتبسة كلها من

الفرنسية وناكر الجميل والزوج الاطرش ومثلت اخيرا كامل افندى وروميو وجوليات وباللغة الفرنسية La Géorgienne

هذا الجوق جوق النجار هام لانه يرينا الى اى حد وصل تعلق العناصر اليهودية بالمسرح العربى هذه العناصر التى ستخرج منها الممثلة حبيبة مسيكة

11 ) فرقة الشيخ سلامة حجازى

وقبل الحرب العالمية الكبرى بقليل فى شهر مارس 1914 سيحدث حدث عظيم فى حياة المسرح العربى بتونس وهو زيارة فرقة الشيخ سلامة حجازى الى تونس ومجئ هذه الفرقة ترك اثرا قويا لم يمح الى يومنا هذا لانه صبغ المسرح العربى بنزعة غالبة من نزعاته ، بطابع الابرات OPérette والحقيقة عندما اقول طبعه بطابع الابرات اكون مغاليا بعض المغالاة ومزيفا بعض الشىء للحقيقة التاريخية لان الابرات كما عرفها التونسيون عند الشيخ سلامة حجازى هى نوع ليس بالاوبرات الحقيقى كما عرفه الغربيون او كما عهدته المسارح الغربية بل هو مزيج بين المسرح والغناء فتارة كلام يلقى وتارة نشيد او قصيد او موال اوموشح يغنى بصوت شجى تطرب له النفوس لقد كان التونسيون يشعرون بالحماس وبالدمع يتساقط من ماقيهم حين يودعهم الشيخ سلامة حجازى فى شهداء الغرام او روميو وجوليات هاتفا : (( وداعا ))

ومن بين الروايات التى مثلتها فرقة الشيخ سلامة حجازى نذكر اوبرات مجنون ليلى التى كتبها خيرالله خيرالله واليتيمتان ورواية فيكتور هيقو (( مارى تيدور )) وروايته الاخرى انجلو Angello ورواية الشاعر الالمانى شيلار (( شارلوت )) التى تشيد بالعواطف النبيلة وبالانسانية المتحررة فى نظام جمهورى ولا ننسى رواية صلاح الدين الايوبى التى اقبل عليها مرة اخرى التونسيون بحماس منقطع النظير

ولعل السبب فى هذا النجاح الباهر ان سلامة حجازى عرف كيف يسحر الجمهور بطريقته الحية فى الالقاء وبصوته الرخيم فى الغناء مرددا على مسامعهم جملا وعبارات طالما تمنوا سماعها مثل الاسلام ومجد العرب وكرم العرب وشهامة العرب فى عصر مد الاستعمار فيه بكلاكله على بلادنا وحرم على الافكار والعقول كل غذاء روحى شرقى وقد تكون مزية الشيخ سلامة حجازى ان روض الافكار على اسلوب جديد في المسرح هو اسلوب الابرات او Chante fable القديمة الذى هو فى نفس الوقت اسلوب اسلامي صميم هذا الاسلوب الذى سنجده فى كل طور من اطوار المسرح التونسى والذى سنتعرض لبحثه فى دراسة من دراساتنا . ولم يمض وقت طويل حتى الحرب العالمية الاولى فقطعت بين الناس والمسرح

الحرب العالمية الاولى ( 1914-1918 )

كانت الحرب العالمية ضربة قاضية للمسرح العربى بتونس ولا شك انكم ادركتم الاسباب والاسباب متعددة واهمها الرقابة على الصحافة وعلى كل ما يكتب وعلى كل ما يقال مما اخر المسرح عن القيام برسالته ولقد كانت السلط التى زجت بالوطنيين فى السجن تخاف ان يجد الراى العام فى المسرح منفذا ينفذ منه او ميدانا يلتقى فيه فاوصدت ابواب المسارح العربية امام الجمهور التونسى ومنعت الروايات العربية خوفا من توقد الروح الوطنية فى نفوسها ولم يعد المسرح الا بعد ما وضعت الحرب اوزارها وبعدما رفعت الرقابة على الاراء . وهكذا عاش المسرح العربى فى تونس فترته الاولى

ملاحظات

(*)هذا هو الفصل الاول من بحث عام اعددناه عن المسرح العربى بتونس بحث نرجو ان يقع طبعه يوما . * عن المسرح العربى : انظر المراجع العامة التى جمعها سعد الدين بن شنب : Le théâtre en Orient au XIX et XXème siècles

(1)خاصة دراسة للاستاذ حسن الزملى : Le théâtre arabe en Tunisie  Bulletin économique et social de la Tunisie

ولقد اعتمدنا فى بحثنا على منهجية اعتمدت على مرجعين مختلفين اولا : على التنقيب فى الصحافة التونسية - خاصة جريدة الحاضرة ( 1888 - 1910 ) وجريدة التقدم ، ومرشد الامة ، والصواب ( 1904-1911 ) ، والترقى ( 1905-1921 )

ثانيا : على شهادات شفوية للاساتذة محمد الحبيب ، محمد العقربى ، حسن الزمرلى الخ . . وبعض الممثلين الشيوخ والممثلات المسنات

(2) انظر بحث الاستاذ عثمان الكعاك فى المسرح التونسى ايام الرومان باللغة العربية . ولقد خصص الاستاذ ج . س . بيكار فى حضارة افريقيا الرومانية باريس 1960 ص ص 255 وما بعد . G.C . Picard : La civilisation de I' Afrique romaine

وكذلك الاستاذ ج . كابوتو (( مسارح افريقيا الرومانية )) بمجلة دينيزيو 1942 ص 1-19 ( الدراسة الوحيدة عن العهد القديم )

(3) الدكتور يوسف نجم : المسرحية فى الادب العربى الحديث . بيروت 1956

(4)cinema Studies in Arabic theatre and مقدمة الاستاذ جيب ، فيلادلفى 1958

(5)انظر الصفحة الممتعة التى كتبها جاك بارك فى كتابه (( العرب بين الامس والغد ))  J . Berques : Les Arabes d'hier a demain  باريس 1960 ص 157

( 6 ) عن مارون النقاش انظر يوسف نجم ، المسرحية ص 31-40 ولاندو عن مارون النقاش انظر يوسف نجم

( 7 ) انظر مقتطفا من هذه الخطب فى كتاب هنرى بيريس : Henri Peres La littérature abe et I' Islam par les textes au XIX et XXéme siècles الجزائر 1954

( 8 ) يوسف نجم : المسرحية ص 61 وما بعد

( 9 ) نفس المرجع ص 73 وما بعد

( 10 ) انظر بحث الاستاذ Le théâtre au Moyen - Age Gustave Cohen

( 11 ) عن المقامات انظر بحث الاستاذ ريجيس بلاشير R. Blachère

(12) نعد دراسة وافية عن مسرح كاراكوز داخل دراستنا عن المسرح التونسى

( 13 ) انظر لبحث هذه المسألة . Darmon : Un presque sièle de théâtre à Tunis فى Bulletin Economique et Social عدد 52 (1951 ) ص 43-52

(14) ترى من موقعه انه كان مسرحا قريبا من (( المدينة )) الاسلامية . وانى لأرى لهذا المسرح تأثيرا كبيرا فى نشأة فكرة بعث مسرح قومى عند التونسيين .

(15) لم نعثر على معلومات لدى يوسف نجم عن هذه الفرقة ولعلها من فرق الهواة التى كثر عددها فى مصر ولبنان في مطلع هذا القرن

( 16 ) عن هذه الفرقة انظر يوسف نجم ، المسرحية ، ص 180،176،131،7

( 17 ) انظر يوسف نجم ، ص 182،156 و 333،332،298،262،256،196

( 18 ) نفس المرجع ص 403

19) طاهر الحسينى La cise du théâtre arabe مجلة Confluent عدد 1،95،9،3  نوفمبر ص 280-275

( 20 ) عن عطيل انظر نجم ، 245-249 ( تحليل الرواية )

( 21 ) عن حيل الرجال : انظر نفس المرجع : ص ص 243-245 تحليل الرواية

( 22 ) استمدنا من بحثنا الخاص

( 23 ) عن الشيخ سلامة حجازى انظر يوسف نجم المسرحية ص 135-151

( 24 ) عن جورج ابيض ، نفس المرجع ، ص 152-167

وكذلك دراسات فى مجلة الزهور ، افريل 1910 عدد 2 ص ص 65-67 ، وجريدة كل شئ عدد 237-24 ماى 1930 ص ص 13 و 39

اشترك في نشرتنا البريدية