الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

المسرح في خدمة الجميع

Share

كانت الحفلات المسرحية تقام فى الهواء الطلق ، تحت قبة السماء الزرقاء وفي نور الشمس المشرقة ، أمام المعابد ، أو بأماكن مقدسة ، وكان يؤمها ويحضرها الشعب بأسره ، لافرق بين عالمه وجاهله ، ورفيعه وحقيره ، وغنيه وفقيره ، وكبيره وصغيره .

وكانت المواضيع التى تعالجها المسرحيات تهم جميع الناس على السواء لانها مستوحاة من صميم حياتهم ، وتعالج مشاكلهم اليومية وتعرض عليهم حلولها .

هكذا كانت الحفلات المسرحية طيلة عشرات القرون ، ولم تدخل عليها الا تغييررات وتحويرات جزئية تتصل بالعصور والامصار أكثر منها بكيانها وجوهرها ، إلى أن جاء عهد الانبعاث الاوربى حاملا فى حقيبته مذهب الإنسانيين ، ( Les manises ) فقلب وضعية المسرح رأسا على عقب أولا بالبلاد الايطالية ، ثم بعموم البلاد الاروبية.

وقد كان هذا الانقلاب فى نظر كثير من المفكرين والمؤرخين ضربة قاسية على الفن المسرحي . فيقول المؤرخ الكبير جرمان بابست ) Babst .G (  في هذا الصدد : " إن الفن المسرحى قد مات من اليوم الذى ادخلوه دورا خاصة وصارت حفلاته تقام تحت سقف"

يشير المؤرخ بقوله هذا الى بداية القرن السادس عشر وإلى عودة المفكرين والشعراء المسرحيين الى التراث القديم من يونانى ورومانى ، وإلى تاريخ هاتين الامتين وميثولوجيتهما والى استسقاء مواضيع الفلسفة والعلم والادب والفن من حياضهما والى القواعد الفنية والادبية المعمول بها فى عصريهما .

ومن المعلوم آن ظهور الديانة المسيحية ، ومقاومة رجال الكنيسة للعقائد الوثنية التى كانت تدور حولها مواضيع الفاجعات اليونانية والرومانية ، وانهيار الامبراطورية الرومانية وتلاشى آدابها وفنونها ، كانت سببا فى فصل شعوب أوربا الغربية عن الحضارتين القديمتين ، كما كانت الحروب الدينية على

اختلاف أنواعها سببا في عصر الظلمات الذى تخبطت فيه هذه الشعوب ما يربو عن العشرة قرون ، فلما جاء عهد الانبعاث على يد كوسم دى مديتشى (Cosme de Medicis) لم يبق من العارفين باللغتين اليونانية والرومان  الا رجال الكنيسة ونفر قليل من النبلاء أو من العصاميين من الشعب بحيث أن هذه العودة لانتقاء مواضيع المسرحيات من مناهل الادب القديم جعلت هذا النوع من الفن المسرحي غريبا عن الاغلبية الساحقة من الشعوب الاروبية والهندسة المعمارية في بناء المسارح الايطالية على شكلها الجديد ، التى أشار اليها جرمان بابست نتيجة ما وصلت اليه النهضة الفنية فحسب يا كانت أولا وبالذات نتيجة الانقلاب الذى أدخل على مفهوم الفن المسرحي والغرض منه . فالفصل في قاعة التمثيل المعروفة بالإيطالية ( ومسرحنا البلدى من هذا النوع ) بين المثل والناظر بمسافة محسوسة هو فى الحقيقة فصل بين الناظر وموضوع المسرحية .

فبعدما كان الغرض من الفن المسرحي إحياء ذكرى الآلهة وكبار الابطال في القديم وصراع أولئك الابطال مع مصيرهم ومحنهم قصد إرضا مطامحهم من ملاذ هذه الدنيا ( السلطة - الجاه - المال - الحب - الواجب - الشرف ) ، وبعد ما كان هذا الغرض فى إحياء ذكرى الانبياء والقديسين فى عهد المسيحية بعرض أمجاد هؤلاء العظماء فى مواسم معروفة وفى اثارة حماس النظارة وعطفهم بمشاهدة ما قاساه أولئك الابطال فى سبيل نشر دينهم أو في سبل الدفاع عنه ، حسب ما جاءت به كتب الدين ، او التاريخ ،او الخرافات المعروفة من الكبير والصغير ، والمتمكنة فى جميعهم تمكن العقيدة أو بعدما كان هذا الغرض في الترفيه عنهم بتقديم اخلاقيات او مهزليات انتقادية تدخل عليهم سرورا كبيرا لانها تسمح لهم بالنيل بدون خطر من كرامة من يستغلونهم ويسلطون عليهم ظلمهم وجبروتهم . بعد هذا كله اعرض الفن المسرحي ، بعمله الجديد ، عن مخاطبة العاطفة والإحساس والعقيدة وأخل يطالب بثقافة واسعة ويخاطب العقل بما يحمله معه من فلسفة وتاريخ وبما أصبح عليه من مصدر لإثارة المشاكل السامية الدائمة ومن مثير للحيرة فى عقول الناس ونفوسهم لإيجاد حلول لها .

عندها لم يبقى الفن المسرحي ظاهرة شعبية ( وهو موت فى نظر بابست ) لان الشعب فى سواده الاعظم ، غريب عن المواضيع التى اخذ الكتاب يعالجونها بواسطته فأصبح عنصرا هاما من عناصر الثقافة والتفكير .

أضف الى ذلك أن الفاجعة التى رجع اليها الكتاب والشعراء هى فى الحقيقة نوع خاص ، ممتاز بين الانواع المسرحية ، أرفع بكثير من السير والكرامات والاخلاقيات التى تعودها الشعب . فهى تعالج مواضيع سامية ، وتبسط حالات استثنائية تختار لها قيما سامية استثنائية وتجعلها مهددة بالتلاشي والانهيار في شخص أبطال يشغلون بطبيعة الحال مراتب سامية استثنائية مرموقة فى المجتمع ، وتكون تلك القيم المهددة فى تضارب عنيف مع قيم أسمى منها يجب عليها أن تضحي بنفسها لإنجازها ، وهذه الصبغة الخاصة ادت الى اعتبار هذا النوع " أرسطوقراطيا" .

وبعد هذا العصر أى عصر الفاجعة على النمط الذى ذكرناه - انتقل المسرح الى البورجوازية عندما انتقلت الثروة الى هذه الطبقة ، ثم الى المسرحية الابتداعية ، بعد الانقلاب السياسى الفرنسى ونزعة التحرر من جميع القيود المجحفة ( سياسية واجتماعية وأدبية ) ولكنه لم يعد قط بالمواضيع الشعبية وهكذا الى اواخر القرن التاسع عشر ،

ولكنه اذا توسع في اختيار مواضيعه ، وأعرض فى كثير من المسرحيات الجديدة عن المواضيع التاريخية والمشاكل المعقدة ، واهتم بالحياة المعاصرة ومشاكلها ، وابتكر أنواعا جديدة طريقة ، فقد سيطرت عليه فكرة التجارة ، وصار باستقراره قليل الجولان ، بحيث بقى من نصيب سكان العواصم الكبرى وزائريها ، والمدن الاهلة ، بل بقى ، اذا شئت ، من نصيب من يستطيعون الذهاب اليه من ذوى اليسار .

أما اليوم وقد أصبح المسرح مهددا بالموت من طرف منافسين أقوياء ، السنما ، والإذاعة ، وخصوصا التلفزة الجامعة بين الاثنين ، فانه استيقظ من غفلته ، وأخذ يحاول الدفاع عن كيانه بشتى الوسائل - الفنية منها والعملية فانه صار يفكر قبل كل شئ في توسيع نطاق عمله والتقرب من حرفائه.

أما الوسائل الفنية ، فإنها تتجسم فى التنوع فى التأليف وفى طرق الاخراج الجديدة وما تفرع عنها من أنواع تتغير بتغير كل مخرج وكل مسرحية . وأما الوسائل العملية فهي فى جلب الجماهير والقيام لديها بمهمة ثقافية وفنية وأدبية وبتوفير الاسباب لبلوغ هذه الغايات وهكذا عادوا الى التفكير فى المسارح الشعبية .

وقد وجدت فكرة المسارح الشعبية صدى كبيرا فى نفوس الجماهير لاسيما في بلاد عم فيها التعليم وكادت تنقطع الامية ، وانحصرت الثروات والامكانيات المادية بين يدى نفر قليلين قل فيهم عدد المولعين بالفن المسرحي يحدث ان الفكرة السائدة اليوم في أوساط المسارح المسماة بالشعبية ليست فى العدول عن المسرحيات التى كانت آنفا من نصيب الملوك وبلاطهم والسراة او في تبسيطها ، ولا في الغاء النوع البورجوازى أو الابتداعى أو غيرها من الأنواع ع ، ولكن في جعلها في متناول من كانوا لا يستطيعون مشاهدتها بالمسارح الكبرى على الرغم من كفاءتهم الثقافية أو نضجهم الفكرى وذلك لارتفاع ثمن المقاعد وما يفرض عليهم من ارتداء لباس رسمى او شبيه بالرسمى اوفى لون داكن على الاقل وغيره من التصعبات التى لم يتعودوها ولا طاقة لهم بها

وقد أسست مسارح شعبية بغالب البلاد الاروبية وبالولايات المتحدة على قاعدة أن " لا محال للطبقات في المسرح ولا شرط فى دخوله الا بالنظافة والتربية ومراعاة الغير".

ويقول حان فيلار - مدير المسرح القومى الشعبى الفرنسى - فى فصل نشر بجريدة " الحفلات العالمية الاولى " ( Premieres mondiales ) لشهر نوفمبر 1960 :

" إن الغرض من الجهود الجبارة التى تبذلها المسارح الشعبية هو فى أن تحلب للمسرح أقل طبقات الشعب حظا ، لا فى حمل المسرح الى الطبقات المنحطة والى اللفيف"  ومعنى ذلك أن المجهود يبذل فى مستوى اختيار المسرحيات الواجب تقديمها ، والاماكن والاوقات ، والظروف المساعدة عليها.

وهكذا يقدم المسرح القومي الشعبى أهم المسرحيات العالمية لعملة مختلف الشركات الفرنسية ( رينو - ستروان - بيجو وغيرها) وهذه هي الطريقة المتبعة فى بلادنا منذ عشرات السنين من طرف فرقة "الايسور"  (essor,L) التي يديرها الاستاذ اسكندر فيشى  (A. fichet) والتي أتت بالنتائج العجيبة التى نعرفها . وهذه أيضا الطريقة المتبعة بالفرقة البلدية التى تفتح أبوابها فى وجه الجماهير وبالاخص في وجه أسرة الطلبة بمقابل يكاد لا يذكر بيد أن جمعية " الايسور " استطاعت تأدية وظيفتها على الوجه الاكمل

بتقديم برامجها على مسرح البلدية أو بمسارح المدن الكبرى من جمهوريتنا لان برامجها معدة للجالية الفرنسية أو لمن يحسنون اللغة الفرنسية من التونسيين والجاليات الاخرى وجميع هؤلاء يقيمون بالعاصمة أو بالمدن الكبرى ، لا بالقرى والمداشر.

وأما نحن فواجبنا يقضى علينا بحمل الفن المسرحى الى جميع انحاء الجمهورية لانه لا يمكن أن يقال فينا اننا نخدم هذا الفن اذا قصرنا الجهد على تقديم حفلاتنا لجمهور محدود وبمسرح البلدية وحده . فوظيفتنا هى فى حمل الحفلات الى كل مكان لتعميم الفائدة واختصار أتعاب رواد المسرح ، وفى تقديم المسرحيات الرفيعة كلما وجدنا الى ذلك سبيلا .

وعمل كهذا يستوجب الاكثار من دور التمثيل حتى يتسنى للفرق اداء زياراتها بدون كبير عناء . وأما الجهات التى لم تزل الامية غالبة فيها فانه يجب أن تعد لها مسرحيات تسهل بلغتها وأسلوب تقديمها فهم المقاصد العليا التى تحتوى عليها . وهكذا نكون قد رافقنا الشعب نموه كما يرافق الكتاب الانسان فى جميع مراحل حياته من الطفولة الى الكهولة ، وهكذا نكون قد أوجدنا المسرح المناسب لجميع الطبقات الثقافية وجعلناه فى خدمة الجميع .

اشترك في نشرتنا البريدية