الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

المسرح والأدباء، من رواد المسرحية العربية

Share

استهوى المسرح اليه ابان فجر النهضة الفنية غير قليل من الأدباء الذين برعوا فى الشعر او فى البثر ، سواء منهم من كان له المام بالفنون المسرحية ومن لم يكن له منها حظ .

ومن السابقين فى هذا المضمار الشيخ " محمد عبد المطلب " الشاعر الذى اتسم شعره بطابع البداوة ، فكان جاهلى الديباجة ، فخم اللفظ ، يستلهم صوره من أفق عربى قح ، وعمله الروائى المسرحى كان نقلا لصحائف من أمجاد التاريخ ، تتناول حياة " امرىء القيس " وحياة " المهلهل " ، وتمثل خصائص العروبة من كرم وشهامة وشجاعة وغيرة ، ولم تكن الحرفية المسرحية موفورة فيما بنى من عمله الروائى ، ولذلك نبا به المسرح ، واقتصر أثره على من استمتعوا به من القراء .

وثمة أديب شاعر ، طرق باب المسرح برواية له تصور جانبا من حياة الدولة العباسية فى شخصية الخليفة " الهادى " ، وذلك هو الشيخ " عبد الله عفيفى " ، وقد مثلها على المسرح " يوسف وهبى " وفرقته ، وكانت هذه المسرحية تستند فى جاذبيتها الى ذلك التطلع العربى الذى يتنسم الزهو والفخار من تلك الصفحات المطوية من عصور الاسلام . ولا ريب فى ان خيال المؤلف لم يكن ذا جناحين يخفق بهما فى أجواء الخلق والابتكار ، فوقف عند الاحداث يجلوها فى فصاحة لفظ وبلاغة عبارة ، على أنه كان الى الفن المسرحى أقرب من محاولات سابقيه .

وقد أتيح لى أن أشهد مطالع أديب مثقف ، اتسع اطلاعه وعمق فى ادبنا العربى القديم ، وكذلك نهل من موارد الآداب الاجنبية حتى ارتوى . وتوافرت له معرفة حسنة بالفن المسرحى ، وهو مع ذلك ذو موهبة قصصية لا تجحد , وله قدرة على الابداع فى نظم الشعر تضارع قدرته الكتابية فى النثر ، وانه حين ينسج رواياته يتخذ له منوالا معلوما ، وهدفا مرسوما . وما اخاله يجرى قلمه الا بعد أن تمتلئ نفسه دراسة ودراية بالموضوع الذى يتناوله . ذلك هو " على أحمد باكثير " الذى اغتصب جوائز المسابقات الأدبية الحكومية اغتصابا مشهودا له بالحدارة والاعجاب . واظهر ما يميزه نزعة العروبة ,

والتحمس لمشكلاتها السياسية ، فلقد طالما عالجها فى أصالة وعى ولباقة عرض وقوة تأثير . وكثيرا ما اقتبس من التاريخ القومى صحائف مضيئة ، أضفى عليها جديدا من تحليل الأحداث ، واستبطان الشخصيات ، فى جو مشبع بالروح العاطفية مزدان بمفاتن الخيال . ومن أشهر اعماله القصصية " الحاكم بامر الله " و " مسمار جحا " و " فرعون المفقود " و " واسلاماه " و " سلامة القس " . وبعض هذه الاعمال تمثيليات ظهرت على المسرح والسينما . وظفرت من النظارة باحتفاء كبير .

ومن الانصاف للأدب والفن معا ان نذكر الأديب الفنان القادر " بيرم التونسى " ، ذلك الذى هز المشاعر بروائعة المنظومة التى تناول فيها مشكلاتنا الاجتماعية ، وصور حياتنا الشعبية ، متخذا لغة الكلام الدارج . وان الكثير من أزجاله ومقطعاته ليعد قصصا فنية شائقة ، وقد اتجه الى التأليف المسرحى وضعا واقتباسا ، فنجح فى كلتا الخطتين ، ومن مسرحياته الموضوعة " عزيزة ويونس " و " مايسة " ، ومن المقتبسة " ليلة من ألف ليلة " ، و " مدام بترفلاى " .

لا احسبنى أغلو اذا قلت بأن " بيرم " لم يكن ليجارى فيما اوتى من حذق ومن لطف ذوق ومن عذوبة روح فى التقاط الصور الشعبية الصميمة ، وكأن فى الحق فنانا خلاقا يجيد التصوير والتعبير . واذا كانت اللهجة التى كتب بها " بيرم " أدبه - تلك اللهجة العامية - لن يكتب لها الاستقرار , ولن تبقى دلالاتها اللفظية وحيويتها المعنوية ، فأن الأدب البيرمى سيدعو النقاد والمؤرخين فى عصر بعد عصر الى كشف اللثام عما حوى من مشاعر حية , ومن صور طريقة ، ومن تعبير خلاب .

على ان الشعر المسرحى فى أدبنا العربى ، لا ينسى لأمير ، لا ينسى لأمير الشعراء " شوقى " أنه هو الذى رصعه بفرائد تألقت وما زالت تتألق ، ولا احسب انها ستفقد ألقها على الزمان . وشخصية " شوقى " فى الحياة لا تقل طرافة عن شخصيته فى الأدب ، بل لعل معالم تلك الشخصية البشرية هى التى غذت مواهبه الفنية يغذاء قوى ، وهي التى كان لها الأثر البعيد فيما قدم من روائع القصيد .

كان " شوقى " فى قصر الامارة مطوى الجوانح على خصائص ديمقراطية شعبية ، وكانت نظراته الاخلاقية وافكاره الاجتماعية ونزعاته الوطنية تمثل أزكى ما يختلج به ضمير الراى العربى العام من مشاعر ومثل ، وأبعد ما يتطلع اليه الوعى القومى من اهداف وأمان . وفى الحق ان " شوقى " كان حاضرا بجسده على كرسيه فى تلك المناصب السامية ، يتخذ لها رسومها وأوضاعها ، فأما اشواقه الروحية وحياته المعنوية فكانت خارج تلك الحدود والقيود ، تتنفس أنفاسها فيما يتغنى به من شعر ، وفيما يمرح فيه من انطلاقات فى قلب البيئات الشعبية العامة ، فمن شاء ان يشهده فى جوهره

الاصيل ، عاريا من زخرف المراسم ، وجده فى ندوات ومشارب يختلف اليها جمهرة الناس . هناتك يجلس محوطا بأخلاط من خلق الله ، فيهم ناشئة الأدب ، وفيهم من تتفاوت ثقافاتهم بين الحضيض والأوج ، وفيهم من لا يحسن الا ان يتظرف ويردد ما يشيع من نكات وأضاحيك وكان " شوقى " يحرص فى مجالسه تلك على الاستماع ، وقلما يشترك فى الحديث ، فما هو من المتحدثين الذين اوتوا ذلاقة اللسان وطلاقة البيان ، ولا أظن أنه القى يوما قصيدة له فى حفل ، وان زخرت المحافل بالمنشدين لقصائده يتخيرهم لها تخيرا ، بل يعدهم اعدادا . ومن طرائفه انه نظم قصيدة فى رثاء " أمين الرافعى " وجد فى البحث عمن ينشدها فى حفل التأبين ، فخانه التوفيق. والقيت القصائد فى الحفل دون المرئية الشوقية ، فلم يكن من " شوقى " الا ان دفع بقصيدته الى صحيفة يومية لتنشرها . وقد أضاف اليها هذين البيتين مخاطبا المرثى :

ان يفت فيك منبر الأمس شعرى

ان لى المنبر الذى لن يزولا

جل عن منشد سوى الدهر

يلقيه على الغابرين جيلا فجيلا

وجلساء " شوقى " كانوا يعرفون منه أنه كثيرا ما ينسرح عنهم بخواطره ، فاذا هو حاضر كغائب ، وكأنه فى اغفاءة . وبغتة تستيقظ يده لتمتد الى علبة اللفائف ، لا ليدخن منها لفافة ، بل ليكتب على ظهرها ما منحه الوحى المفاجئ من ابيات .

ولم يكن " شوقى " فخم الشخص ، بارز الهيئة ، فكان اذا سار وحده تخطته الاعين لا تباليه ، ومعظم امسياته كان يقضيها فى مقعد أمامى من دور الخيالة " السينما " ، بشهد ما يظهر عليها من روايات ، دون ان يعرفه أحد من الرواد ، الا فى الندرة .

وقد تملك " شوقى " ناصية لغتين : العربية والفرنسية ، وكان فى أدبهما مكينا ، فأما فى العربية فقد تعلم السرى - كما يقول - على كواكب من علماء " الازهر " وأدبائه . وأما فى الفرنسية فقد اكتسبها اثناء مقامه للدرس فى ربوع " باريس " وأغصان شبابه تميد . على أنه بدراسته وتنوع ثقافته وأخذه من كل من الأدبين العربى والاوربى بنصيب ، اكتسب طابعا خاصا ، وذوقا متميزا ، جعل منه شخصية أدبية مستقلة ، وان كانت أصولها وجذورها تستمد حبوبتها من هنا ومن هنالك . وفى ذلك دليل على قوة تمثله وهضمه لما قرأ وما درس من أفانين الأدب ، ما شرق منه وما غرب ، فى قديم او حديث . وقد لبث " شوقى " يتزود من الأدب ، منهوما لا يشبع ، فلم يكن يمل

الاطلاع او الاستماع لما يتلى عليه من روائع الأدباء والمفكرين ، وفيما يؤثر عنه أن " كامل كيلانى " أنهى اليه عزمه على نشر ديوان " ابن زيدون " و " شوقى " يومئذ فى شيخوخته ، قد قارب أن يرد منهل منيته ، فلم يصبر على الديوان حتى يطبع كله ، ورغب الى " كامل كيلانى " فى ان يعجل اليه ما يطبع من الديوان أولا فأولا ، فكان يبعث اليه بالكراسة تلو الكراسة ، بعد الفراغ من طبعها على الفور ، وهكذا تابع " شوقى " قراءة ديوان رصيفه " ابن زيدون " قبل ان يجتمع شعره فى كتاب مطبوع تام . وظفر الديوان من " شوقي " بتلك القصيدة التى صدره بها ، ومطلعها :

يا "ابن زيدون " مرحبا   قد أطلت التغيبا

وفى هذا البيت يتمثل حنين الشاعر الى الشاعر ، ولقاء الأديب للأديب ، بعد الغربة والمغيب .

 واذا كان " شوقى " قد احتفظ فى قصائده ومطولاته بأوضاع الشعر العربى التقليدى ، من وحدة الوزن ، ووحدة القافية ، ووحدة البيت ، فان وحدة الموضوع أو وحدة الفكرة فى قصيده اوفى منها فى قصيد من سبقه من فحول الشعراء . فمن تجديده فى الشعر العربى أن قصيدته كانت تخضع لهندسية ذهنية تستمد أصباغها وأضواءها من مخيلة متفننة قادرة ، والموضوع فى معظم قصائده متواصل الأطراف ، متماسك الاوصال ، متكامل الصور , معانيه يأنس بعضها ببعض ، وأفكاره يتوضح فيها التركيز والتجسيد ، وكأن كل قصيدة ذات خطة مرسومة فى دقة واحكام .

وقد حلا لبعض النقاد أن يقرنوا " شوقى " ب " المتنبى " ، وبينهما من أبعاد الزمن ألف من السنين ، وليس " المتنبى " بحاجة الى من يزكيه أو من ينصفه ، فتمد فسح له التاريخ الأدبى فى رحابه ، وطبع أدبه بخاتم الخلود . ولكن " شوقى " فى الحق لم يكن ك " المتنبى " مقصور الحكمة والوصف على ما يعرض خلال القصائد التى تضمنت تلك الاغراض التقليدية المحصورة فى مدح او غزل او حماسة او رثاء ، ولم يكن مثله محدود الصلة فى عصره بولاة  الحكم وأمراء الحروب ، يدور حول أحداثهم وشخصياتهم وحيه وخياله . وانما كان " شوقى " فى الجملة قلب وطنه الخافق ، ولسان أمته الناطق ، اذ استجاب أيما استجابة لكل ما اعتلج فى حياتنا الوطنية والسياسية والاجتماعية من مشاعر واشواق ورغاب ، وكان شعره يمثل أصفى ما فى مجتمعنا العربى من وعى جديد ، وأروع ما انبثقت عنه النهضة الحديثة من نزعات واتجاهات وهتفات . وهو القائل :

كان شعرى الغناء فى فرح

الشرق وكان العزاء فى أحزانه

لم يدع " شوقى " جانبا من جوانب القول فى الوصف والتعبير والاستيحاء الا كان له فيه مجال . هو الذى أشاد بالقواعد الاخلاقية النبيلة ، والمبادىء الاجتماعية الرشيدة ، فى أبيات مشرقة سارت مسير الأمثال ، وهو الذى يشر بالمذاهب العصرية فى تحرير العقول وتطوير الحياة والأخذ بأسباب الرقى والنهوض . وهو الذى استلهم حكمة التاريخ ومجد الحضارة فيما خلفه لنا الاسلاف من تراث فكرى وفنى وعمرانى . وهو الذى تغنى بعظمة الشرق ووشائج العروبة وهدى الدين . وهو الذى نظر الى مفاتن الطبيعة من نهر وجبل وروض نظرة فنان أصيل ، فوصفها وانطقها باسرارها فى روعة وافتنان . وهو الذى عبر فى شعره كله عن فلسفة حيوية واقعية عصرية تساير التطور ، وتدامج الحياة ، ولا تقنع بالتأمل النظرى المجرد ، الضارب فى أودية الأوهام .

وليس أدل على ان " شوقى " كان قوى الوعى بحاجة الأدب الى التنمية والتطوير ، من أنه القى على نفسه ، وقد علت به السن ، تبعة جسيمة ، هى أن يضع بزرة جديدة فى حقل الشعر العربى ، ينقله به من نطاق القصائد والمقطعات وما اليها من الأوضاع التقليدية السائدة ، الى ميدان رحيب ، وأفق عريض ، وما كان للشعر العربى بذلك عهد من قبل.

وجد " شوقى " مكان المسرحية فى الشعر العربى خاليا ، فأرسى فيه تلك الدعائم الوطيدة من مسرحياته : " مصرع كليوبترة و " مجنون ليلى " و " قمبيز " و " عنترة " و " على بك الكبير " . . واذا كان " الهمذانى " قد أنشأ فى الأدب العربى القديم فن " المقامات " ، وكان الأديب المجهول قد صنف " ألف ليلة وليلة " ، فان " شوقى " هو الذى وضع قواعد الشعر المسرحى فى ذلك الأدب العربى . وبذلك أثبت قدرة الشعر العربى على بناء المسرحية نظما ، وكذلك أثبت استعداد رواد المسرح من جمهور النظارة للاستماع الى شعر عربى صميم ، مع الاستمتاع بما يصور من مشاهد التمثيل .

ويبدو أن " شوقى " كان منذ نشأته يهفو الى التأليف القصصى والمسرحى فقد ظهرت له أعمال تتصل بالناحية القصصية موضوعة ومترجمة ، حتى انه وهو فى " باريس " يدرس ، الف بالشعر العامى المعروف ب " الزجل " مسرحيته " على بك الكبير " التى حولها فيما بعد الى مسرحية بالشعر الفصيح .

والمسرحيات الشوقية تستمد موضوعاتها من التاريخ ، ولكن شاعرنا كان يجعل من مواقفها ومن احداثها تبشيرا وتزكية للنزعات الوطنية والمبادىء التحريرية والافكار العصرية ، ولطالما تغنى فيها بما للشعب العربى من مفاخر ، وما فيه من خصائص ، وما أسهم به فى موكب الحضارة الانسانية من جهود .

اما مسرحيات " شوقى " فى ميزان النقد الفنى ، فليس مما يغض منها الاقرار بأن نصيب الشاعرية فيها أقوى من نصيب الحرفية فى التأليف المسرحى . ولعل مسرحية " مجنون ليلى " هى الأوفى نجاحا وتوفيقا ، وسر ذلك أن قصة " المجنون " فى توقد عواطفها وحيوية موضوعها أمدته بما استجابت له شاعريته الى غاية بعيدة . ومما عرف عن " شوقى " فى تأليفه لمسرحياته أنه كان يدير الموضوع فى رأسه بصورة شاملة ، ويتمثل المواقف منفصلا بعضها عن بعض ، ويعكف على كل موقف فينظم ما يصوره به ، ثم يجمع هذا الشتات ، ويربط بين اوصاله بما يتيسر له . وهذا المنهج غير مأمون فى الوفاء بالوحدة والتسلسل فى البناء المسرحى الفنى .

ولم يمض زمن طويل بعد " شوقى " حتى بزغ فى الأفق نجم جديد ، أصبح له فى تأصيل الأدب المسرحى الشعرى باع مديد ، ذلك هو " عزيز أباظة " الذى دأب خلال عشرين عاما على رعاية نبتة القصة الشعرية التى وضع " شوقى " غراسها ، فزكت على يديه ، وازدهرت أى ازدهار ، وتهيأت لمسايرة الركب العالمى للأدب الانسانى . وهو بذلك قد أعان على سد تلك الثغرة التى كانت ملحوظة فى ادبنا العربى ، وبذل جهودا تعد مرحلة انتقالية وخطوة ضرورية لكى يتسنى للشعر العربى أن يعتلى منصة المسرح فى كيان فنى رفيع .

وهذه المسرحيات الشعرية التى أخرجها " عزيز أباظة " نماذج فنية ممتازة فى ادبنا العربى المعاصر ، واطارها الفنى مع ذلك يدل على خبرة بمطالب التأليف المسرحى ، ويكشف عن بصارة ورهافة احساس بما تنطوى عليه الاحداث والوقائع من قيم اجتماعية ومثل انسانية .

وجملة هذه المسرحيات مثل " قيس ولبنى " و " العباسة " و " الناصر " و " شجرة الدر " و " قافلة النور " تستلهم أمجاد الحضارة العربية وأحداث تاريخها الجسام ، وتتجه فى روحها وفلسفتها وجهة التعبير عن القومية العربية بما لها من وشائج تصل بين العرب فى كل مكان ، وتذكى فى نفوسهم ما لهم من شخصية مستقلة بقوامها على تعاقب الزمان . وبهذا سجل شاعر المسرحية

الكبير استجابته لأسمى ما اعتلج فى جوانب المجتمع العربى من مشاعر واهداف .

و " عزيز أباظة " جدير ان نلقبه فى الشعراءب"  النابغة " لأنه نبغ بينهم كما تنبغ عين الماء جارية بالعذب الفرات . فأجأ معاصريه بشعره ، وقد قارب الأربعين أو جاوزها بقليل ، فاذا هو شعر فخم جزل أصيل ، لا تعوزه مراحل الدربة والتجريب ، وما أسرع ان لمع اسمه ، وسطع نجمه ، وسبق الى الصف الاول من شعراء عصره ، متخطيا من كانوا يطالعون الناس بأشعارهم قبله سنين .

وهو رجل بائن الطول ، رائع السمت ، رومانسى المنزع ، يهيم فى آفاق الخيال مدفوعا بعاطفة جياشة . وعلى ما ترى من رقة حاشيته ، وسماحة خلقه ، واتصافة بشمائل الرجل الكيس " الجنتلمان " ، لا يتمالك فى بعض الاحيان ان يبدو حاد المزاج ، وأكثر ما يكون ذلك منه اذا عورض فيما يعتقد ، لما فيه من صلابة رأى ، وصراحة نفس .

واذا كان " شوقى " فى مسرحياته المنظومة قد غلبت عنده روعة الشاعرية على حرفية التأليف المسرحى ، فان " عزيز أباظة " فيما وضع من المسرحيات أو توفيقا فى جانب الحرفية ، وان كان شعره فى الفصاحة والجودة من الطراز الاول .

وأدب المسرح فى عصرنا المشهود مدين بوثبة له جديدة فى منحى فنى عصرى ، هى وثبة " توفيق الحكيم " الذى جمع بين التأليف المسرحى ، والتأليف القصصى ، بطائفة من المسرحيات والقصص تصعد به الى القمة بين رواد الأدب العصرى .

و " توفيق الحكيم " أديب مفكر ، ألمعى الذهن ، له نظرات فلسفية استفادها من دراسته ، وأمدها بمواهب من الفهم والذكاء ، وله قدرة فائقة على استخلاص النتائج والاحكام فى المشكلات الاجتماعية والقضايا الفكرية ، ولعل ثقافته القانونية والقضائية فى امتزاجها بثقافته الادبية والفنية هى التى جعلته يحسن الفصل بين الخيال والواقع فى عمله القصصى ، فهو يعمل خياله الواسع المجنح حين يبتكر كيان القصة ويدبر مواقفها ويرسم أحداثها ويخلق شخصياتها ، ولكنه يعمل الفكر والمنطق ويجانب الغلو والشطط فى الحركة والتحليل والحوار . ولذلك شاعت فى أعماله القصصية روح الحكمة التى تشيع فيما نعرف من العبر والامثال ، " فللحكيم " من اسمه بحق أكبر نصيب .

وهو أستاذ الحوار المسرحى غير منازع ، ولو ان ناقدا فنيا أراد أن يلقى درسا فى خصائص الحوار الماهر الناجح الدقيق ، وابتغى الاستشهاد على هذه الخصائص بامثلة من عمل أديب فنان ، لوجد بغيته على أتمها فيما أدار " الحكيم" بين دفاف مسرحياته من أحاديث على ألسنة شخصيات تختلف بهم المنازع والمواقف ، وتتفاوت بينهم المنازل والاقدار .

وقد استطاع " توفيق الحكيم " أن يتغلب على عقبة طالما وقفت فى طريق الطامحين الى الكتابة فى القصص المسرحى ، تلك هى أن القراء لا يقبلون على قراءة المسرحيات اقبالهم على شهود تمثيلها ، ولكن " الحكيم " فرض القارئين فى عصرنا الحديث ما كتبه من مسرحيات ، فهم يتهافتون عليها حين ينشرها فى الصحف ، ثم يتهافتون عليها حين يجمعها فى كتب ، وقد ظهرت له مؤلفات كثيرة منها " أهل الكهف " و " شهر زاد " و " ايزيس " و " الصفقة" وأخيرا طبعت له مجموعتان من التمثيليات القصار ، احداهما " مسرح المجتمع " والاخرى " المسرح المنوع " وكلتاهما فى مجلد ضخم .

ولو رأيت " الحكيم " فى مجلس لرأيته صامتا متكمشا منزويا تتراءى عليه الوداعة والطيبة والسكينة ، ولكن تهزك منه عينان نفاذتان ، كأنهما لصقر, وهو يدور بهما فى خلسة ومسارقة ، كأنما يتصيد بهما ما خفى وراء الظواهر والأستار . فان أتيح لك أن تراه وقد أثاره موضوع ، أو جاذبه الحديث جليس ، راعتك منه انتفاضة عارمة ، تسفر عن جلاء فكرة ، او تأييد رأى . هنالك تظهر ذلاقة لسانه ، وما اختزن من دقائق العلم بكل ما يتصل بالآداب والفنون من قريب او بعيد . فلا تلبث ان تطمئن الى أنك حيال ذلك الكاتب الأديب الذى اكبرته من قبل ، وشهدت له فيما يكتب بالأصالة والاقتدار .

اشترك في نشرتنا البريدية