استهوى المسرح اليه ابان فجر النهضة الفنية غير قليل من الأدباء الذين برعوا فى الشعر او فى البثر ، سواء منهم من كان له المام بالفنون المسرحية ومن لم يكن له منها حظ .
ومن السابقين فى هذا المضمار الشيخ " محمد عبد المطلب " الشاعر الذى اتسم شعره بطابع البداوة ، فكان جاهلى الديباجة ، فخم اللفظ ، يستلهم صوره من أفق عربى قح ، وعمله الروائى المسرحى كان نقلا لصحائف من أمجاد التاريخ ، تتناول حياة " امرىء القيس " وحياة " المهلهل " ، وتمثل خصائص العروبة من كرم وشهامة وشجاعة وغيرة ، ولم تكن الحرفية المسرحية موفورة فيما بنى من عمله الروائى ، ولذلك نبا به المسرح ، واقتصر أثره على من استمتعوا به من القراء .
وثمة أديب شاعر ، طرق باب المسرح برواية له تصور جانبا من حياة الدولة العباسية فى شخصية الخليفة " الهادى " ، وذلك هو الشيخ " عبد الله عفيفى " ، وقد مثلها على المسرح " يوسف وهبى " وفرقته ، وكانت هذه المسرحية تستند فى جاذبيتها الى ذلك التطلع العربى الذى يتنسم الزهو والفخار من تلك الصفحات المطوية من عصور الاسلام . ولا ريب فى ان خيال المؤلف لم يكن ذا جناحين يخفق بهما فى أجواء الخلق والابتكار ، فوقف عند الاحداث يجلوها فى فصاحة لفظ وبلاغة عبارة ، على أنه كان الى الفن المسرحى أقرب من محاولات سابقيه .
وقد أتيح لى أن أشهد مطالع أديب مثقف ، اتسع اطلاعه وعمق فى ادبنا العربى القديم ، وكذلك نهل من موارد الآداب الاجنبية حتى ارتوى . وتوافرت له معرفة حسنة بالفن المسرحى ، وهو مع ذلك ذو موهبة قصصية لا تجحد , وله قدرة على الابداع فى نظم الشعر تضارع قدرته الكتابية فى النثر ، وانه حين ينسج رواياته يتخذ له منوالا معلوما ، وهدفا مرسوما . وما اخاله يجرى قلمه الا بعد أن تمتلئ نفسه دراسة ودراية بالموضوع الذى يتناوله . ذلك هو " على أحمد باكثير " الذى اغتصب جوائز المسابقات الأدبية الحكومية اغتصابا مشهودا له بالحدارة والاعجاب . واظهر ما يميزه نزعة العروبة ,
والتحمس لمشكلاتها السياسية ، فلقد طالما عالجها فى أصالة وعى ولباقة عرض وقوة تأثير . وكثيرا ما اقتبس من التاريخ القومى صحائف مضيئة ، أضفى عليها جديدا من تحليل الأحداث ، واستبطان الشخصيات ، فى جو مشبع بالروح العاطفية مزدان بمفاتن الخيال . ومن أشهر اعماله القصصية " الحاكم بامر الله " و " مسمار جحا " و " فرعون المفقود " و " واسلاماه " و " سلامة القس " . وبعض هذه الاعمال تمثيليات ظهرت على المسرح والسينما . وظفرت من النظارة باحتفاء كبير .
ومن الانصاف للأدب والفن معا ان نذكر الأديب الفنان القادر " بيرم التونسى " ، ذلك الذى هز المشاعر بروائعة المنظومة التى تناول فيها مشكلاتنا الاجتماعية ، وصور حياتنا الشعبية ، متخذا لغة الكلام الدارج . وان الكثير من أزجاله ومقطعاته ليعد قصصا فنية شائقة ، وقد اتجه الى التأليف المسرحى وضعا واقتباسا ، فنجح فى كلتا الخطتين ، ومن مسرحياته الموضوعة " عزيزة ويونس " و " مايسة " ، ومن المقتبسة " ليلة من ألف ليلة " ، و " مدام بترفلاى " .
لا احسبنى أغلو اذا قلت بأن " بيرم " لم يكن ليجارى فيما اوتى من حذق ومن لطف ذوق ومن عذوبة روح فى التقاط الصور الشعبية الصميمة ، وكأن فى الحق فنانا خلاقا يجيد التصوير والتعبير . واذا كانت اللهجة التى كتب بها " بيرم " أدبه - تلك اللهجة العامية - لن يكتب لها الاستقرار , ولن تبقى دلالاتها اللفظية وحيويتها المعنوية ، فأن الأدب البيرمى سيدعو النقاد والمؤرخين فى عصر بعد عصر الى كشف اللثام عما حوى من مشاعر حية , ومن صور طريقة ، ومن تعبير خلاب .
على ان الشعر المسرحى فى أدبنا العربى ، لا ينسى لأمير ، لا ينسى لأمير الشعراء " شوقى " أنه هو الذى رصعه بفرائد تألقت وما زالت تتألق ، ولا احسب انها ستفقد ألقها على الزمان . وشخصية " شوقى " فى الحياة لا تقل طرافة عن شخصيته فى الأدب ، بل لعل معالم تلك الشخصية البشرية هى التى غذت مواهبه الفنية يغذاء قوى ، وهي التى كان لها الأثر البعيد فيما قدم من روائع القصيد .
كان " شوقى " فى قصر الامارة مطوى الجوانح على خصائص ديمقراطية شعبية ، وكانت نظراته الاخلاقية وافكاره الاجتماعية ونزعاته الوطنية تمثل أزكى ما يختلج به ضمير الراى العربى العام من مشاعر ومثل ، وأبعد ما يتطلع اليه الوعى القومى من اهداف وأمان . وفى الحق ان " شوقى " كان حاضرا بجسده على كرسيه فى تلك المناصب السامية ، يتخذ لها رسومها وأوضاعها ، فأما اشواقه الروحية وحياته المعنوية فكانت خارج تلك الحدود والقيود ، تتنفس أنفاسها فيما يتغنى به من شعر ، وفيما يمرح فيه من انطلاقات فى قلب البيئات الشعبية العامة ، فمن شاء ان يشهده فى جوهره
الاصيل ، عاريا من زخرف المراسم ، وجده فى ندوات ومشارب يختلف اليها جمهرة الناس . هناتك يجلس محوطا بأخلاط من خلق الله ، فيهم ناشئة الأدب ، وفيهم من تتفاوت ثقافاتهم بين الحضيض والأوج ، وفيهم من لا يحسن الا ان يتظرف ويردد ما يشيع من نكات وأضاحيك وكان " شوقى " يحرص فى مجالسه تلك على الاستماع ، وقلما يشترك فى الحديث ، فما هو من المتحدثين الذين اوتوا ذلاقة اللسان وطلاقة البيان ، ولا أظن أنه القى يوما قصيدة له فى حفل ، وان زخرت المحافل بالمنشدين لقصائده يتخيرهم لها تخيرا ، بل يعدهم اعدادا . ومن طرائفه انه نظم قصيدة فى رثاء " أمين الرافعى " وجد فى البحث عمن ينشدها فى حفل التأبين ، فخانه التوفيق. والقيت القصائد فى الحفل دون المرئية الشوقية ، فلم يكن من " شوقى " الا ان دفع بقصيدته الى صحيفة يومية لتنشرها . وقد أضاف اليها هذين البيتين مخاطبا المرثى :
ان يفت فيك منبر الأمس شعرى
ان لى المنبر الذى لن يزولا
جل عن منشد سوى الدهر
يلقيه على الغابرين جيلا فجيلا
وجلساء " شوقى " كانوا يعرفون منه أنه كثيرا ما ينسرح عنهم بخواطره ، فاذا هو حاضر كغائب ، وكأنه فى اغفاءة . وبغتة تستيقظ يده لتمتد الى علبة اللفائف ، لا ليدخن منها لفافة ، بل ليكتب على ظهرها ما منحه الوحى المفاجئ من ابيات .
ولم يكن " شوقى " فخم الشخص ، بارز الهيئة ، فكان اذا سار وحده تخطته الاعين لا تباليه ، ومعظم امسياته كان يقضيها فى مقعد أمامى من دور الخيالة " السينما " ، بشهد ما يظهر عليها من روايات ، دون ان يعرفه أحد من الرواد ، الا فى الندرة .
وقد تملك " شوقى " ناصية لغتين : العربية والفرنسية ، وكان فى أدبهما مكينا ، فأما فى العربية فقد تعلم السرى - كما يقول - على كواكب من علماء " الازهر " وأدبائه . وأما فى الفرنسية فقد اكتسبها اثناء مقامه للدرس فى ربوع " باريس " وأغصان شبابه تميد . على أنه بدراسته وتنوع ثقافته وأخذه من كل من الأدبين العربى والاوربى بنصيب ، اكتسب طابعا خاصا ، وذوقا متميزا ، جعل منه شخصية أدبية مستقلة ، وان كانت أصولها وجذورها تستمد حبوبتها من هنا ومن هنالك . وفى ذلك دليل على قوة تمثله وهضمه لما قرأ وما درس من أفانين الأدب ، ما شرق منه وما غرب ، فى قديم او حديث . وقد لبث " شوقى " يتزود من الأدب ، منهوما لا يشبع ، فلم يكن يمل
الاطلاع او الاستماع لما يتلى عليه من روائع الأدباء والمفكرين ، وفيما يؤثر عنه أن " كامل كيلانى " أنهى اليه عزمه على نشر ديوان " ابن زيدون " و " شوقى " يومئذ فى شيخوخته ، قد قارب أن يرد منهل منيته ، فلم يصبر على الديوان حتى يطبع كله ، ورغب الى " كامل كيلانى " فى ان يعجل اليه ما يطبع من الديوان أولا فأولا ، فكان يبعث اليه بالكراسة تلو الكراسة ، بعد الفراغ من طبعها على الفور ، وهكذا تابع " شوقى " قراءة ديوان رصيفه " ابن زيدون " قبل ان يجتمع شعره فى كتاب مطبوع تام . وظفر الديوان من " شوقي " بتلك القصيدة التى صدره بها ، ومطلعها :
يا "ابن زيدون " مرحبا قد أطلت التغيبا
وفى هذا البيت يتمثل حنين الشاعر الى الشاعر ، ولقاء الأديب للأديب ، بعد الغربة والمغيب .
واذا كان " شوقى " قد احتفظ فى قصائده ومطولاته بأوضاع الشعر العربى التقليدى ، من وحدة الوزن ، ووحدة القافية ، ووحدة البيت ، فان وحدة الموضوع أو وحدة الفكرة فى قصيده اوفى منها فى قصيد من سبقه من فحول الشعراء . فمن تجديده فى الشعر العربى أن قصيدته كانت تخضع لهندسية ذهنية تستمد أصباغها وأضواءها من مخيلة متفننة قادرة ، والموضوع فى معظم قصائده متواصل الأطراف ، متماسك الاوصال ، متكامل الصور , معانيه يأنس بعضها ببعض ، وأفكاره يتوضح فيها التركيز والتجسيد ، وكأن كل قصيدة ذات خطة مرسومة فى دقة واحكام .
وقد حلا لبعض النقاد أن يقرنوا " شوقى " ب " المتنبى " ، وبينهما من أبعاد الزمن ألف من السنين ، وليس " المتنبى " بحاجة الى من يزكيه أو من ينصفه ، فتمد فسح له التاريخ الأدبى فى رحابه ، وطبع أدبه بخاتم الخلود . ولكن " شوقى " فى الحق لم يكن ك " المتنبى " مقصور الحكمة والوصف على ما يعرض خلال القصائد التى تضمنت تلك الاغراض التقليدية المحصورة فى مدح او غزل او حماسة او رثاء ، ولم يكن مثله محدود الصلة فى عصره بولاة الحكم وأمراء الحروب ، يدور حول أحداثهم وشخصياتهم وحيه وخياله . وانما كان " شوقى " فى الجملة قلب وطنه الخافق ، ولسان أمته الناطق ، اذ استجاب أيما استجابة لكل ما اعتلج فى حياتنا الوطنية والسياسية والاجتماعية من مشاعر واشواق ورغاب ، وكان شعره يمثل أصفى ما فى مجتمعنا العربى من وعى جديد ، وأروع ما انبثقت عنه النهضة الحديثة من نزعات واتجاهات وهتفات . وهو القائل :
كان شعرى الغناء فى فرح
الشرق وكان العزاء فى أحزانه
لم يدع " شوقى " جانبا من جوانب القول فى الوصف والتعبير والاستيحاء الا كان له فيه مجال . هو الذى أشاد بالقواعد الاخلاقية النبيلة ، والمبادىء الاجتماعية الرشيدة ، فى أبيات مشرقة سارت مسير الأمثال ، وهو الذى يشر بالمذاهب العصرية فى تحرير العقول وتطوير الحياة والأخذ بأسباب الرقى والنهوض . وهو الذى استلهم حكمة التاريخ ومجد الحضارة فيما خلفه لنا الاسلاف من تراث فكرى وفنى وعمرانى . وهو الذى تغنى بعظمة الشرق ووشائج العروبة وهدى الدين . وهو الذى نظر الى مفاتن الطبيعة من نهر وجبل وروض نظرة فنان أصيل ، فوصفها وانطقها باسرارها فى روعة وافتنان . وهو الذى عبر فى شعره كله عن فلسفة حيوية واقعية عصرية تساير التطور ، وتدامج الحياة ، ولا تقنع بالتأمل النظرى المجرد ، الضارب فى أودية الأوهام .
وليس أدل على ان " شوقى " كان قوى الوعى بحاجة الأدب الى التنمية والتطوير ، من أنه القى على نفسه ، وقد علت به السن ، تبعة جسيمة ، هى أن يضع بزرة جديدة فى حقل الشعر العربى ، ينقله به من نطاق القصائد والمقطعات وما اليها من الأوضاع التقليدية السائدة ، الى ميدان رحيب ، وأفق عريض ، وما كان للشعر العربى بذلك عهد من قبل.
وجد " شوقى " مكان المسرحية فى الشعر العربى خاليا ، فأرسى فيه تلك الدعائم الوطيدة من مسرحياته : " مصرع كليوبترة و " مجنون ليلى " و " قمبيز " و " عنترة " و " على بك الكبير " . . واذا كان " الهمذانى " قد أنشأ فى الأدب العربى القديم فن " المقامات " ، وكان الأديب المجهول قد صنف " ألف ليلة وليلة " ، فان " شوقى " هو الذى وضع قواعد الشعر المسرحى فى ذلك الأدب العربى . وبذلك أثبت قدرة الشعر العربى على بناء المسرحية نظما ، وكذلك أثبت استعداد رواد المسرح من جمهور النظارة للاستماع الى شعر عربى صميم ، مع الاستمتاع بما يصور من مشاهد التمثيل .
ويبدو أن " شوقى " كان منذ نشأته يهفو الى التأليف القصصى والمسرحى فقد ظهرت له أعمال تتصل بالناحية القصصية موضوعة ومترجمة ، حتى انه وهو فى " باريس " يدرس ، الف بالشعر العامى المعروف ب " الزجل " مسرحيته " على بك الكبير " التى حولها فيما بعد الى مسرحية بالشعر الفصيح .
والمسرحيات الشوقية تستمد موضوعاتها من التاريخ ، ولكن شاعرنا كان يجعل من مواقفها ومن احداثها تبشيرا وتزكية للنزعات الوطنية والمبادىء التحريرية والافكار العصرية ، ولطالما تغنى فيها بما للشعب العربى من مفاخر ، وما فيه من خصائص ، وما أسهم به فى موكب الحضارة الانسانية من جهود .
اما مسرحيات " شوقى " فى ميزان النقد الفنى ، فليس مما يغض منها الاقرار بأن نصيب الشاعرية فيها أقوى من نصيب الحرفية فى التأليف المسرحى . ولعل مسرحية " مجنون ليلى " هى الأوفى نجاحا وتوفيقا ، وسر ذلك أن قصة " المجنون " فى توقد عواطفها وحيوية موضوعها أمدته بما استجابت له شاعريته الى غاية بعيدة . ومما عرف عن " شوقى " فى تأليفه لمسرحياته أنه كان يدير الموضوع فى رأسه بصورة شاملة ، ويتمثل المواقف منفصلا بعضها عن بعض ، ويعكف على كل موقف فينظم ما يصوره به ، ثم يجمع هذا الشتات ، ويربط بين اوصاله بما يتيسر له . وهذا المنهج غير مأمون فى الوفاء بالوحدة والتسلسل فى البناء المسرحى الفنى .
ولم يمض زمن طويل بعد " شوقى " حتى بزغ فى الأفق نجم جديد ، أصبح له فى تأصيل الأدب المسرحى الشعرى باع مديد ، ذلك هو " عزيز أباظة " الذى دأب خلال عشرين عاما على رعاية نبتة القصة الشعرية التى وضع " شوقى " غراسها ، فزكت على يديه ، وازدهرت أى ازدهار ، وتهيأت لمسايرة الركب العالمى للأدب الانسانى . وهو بذلك قد أعان على سد تلك الثغرة التى كانت ملحوظة فى ادبنا العربى ، وبذل جهودا تعد مرحلة انتقالية وخطوة ضرورية لكى يتسنى للشعر العربى أن يعتلى منصة المسرح فى كيان فنى رفيع .
وهذه المسرحيات الشعرية التى أخرجها " عزيز أباظة " نماذج فنية ممتازة فى ادبنا العربى المعاصر ، واطارها الفنى مع ذلك يدل على خبرة بمطالب التأليف المسرحى ، ويكشف عن بصارة ورهافة احساس بما تنطوى عليه الاحداث والوقائع من قيم اجتماعية ومثل انسانية .
وجملة هذه المسرحيات مثل " قيس ولبنى " و " العباسة " و " الناصر " و " شجرة الدر " و " قافلة النور " تستلهم أمجاد الحضارة العربية وأحداث تاريخها الجسام ، وتتجه فى روحها وفلسفتها وجهة التعبير عن القومية العربية بما لها من وشائج تصل بين العرب فى كل مكان ، وتذكى فى نفوسهم ما لهم من شخصية مستقلة بقوامها على تعاقب الزمان . وبهذا سجل شاعر المسرحية
الكبير استجابته لأسمى ما اعتلج فى جوانب المجتمع العربى من مشاعر واهداف .
و " عزيز أباظة " جدير ان نلقبه فى الشعراءب" النابغة " لأنه نبغ بينهم كما تنبغ عين الماء جارية بالعذب الفرات . فأجأ معاصريه بشعره ، وقد قارب الأربعين أو جاوزها بقليل ، فاذا هو شعر فخم جزل أصيل ، لا تعوزه مراحل الدربة والتجريب ، وما أسرع ان لمع اسمه ، وسطع نجمه ، وسبق الى الصف الاول من شعراء عصره ، متخطيا من كانوا يطالعون الناس بأشعارهم قبله سنين .
وهو رجل بائن الطول ، رائع السمت ، رومانسى المنزع ، يهيم فى آفاق الخيال مدفوعا بعاطفة جياشة . وعلى ما ترى من رقة حاشيته ، وسماحة خلقه ، واتصافة بشمائل الرجل الكيس " الجنتلمان " ، لا يتمالك فى بعض الاحيان ان يبدو حاد المزاج ، وأكثر ما يكون ذلك منه اذا عورض فيما يعتقد ، لما فيه من صلابة رأى ، وصراحة نفس .
واذا كان " شوقى " فى مسرحياته المنظومة قد غلبت عنده روعة الشاعرية على حرفية التأليف المسرحى ، فان " عزيز أباظة " فيما وضع من المسرحيات أو توفيقا فى جانب الحرفية ، وان كان شعره فى الفصاحة والجودة من الطراز الاول .
وأدب المسرح فى عصرنا المشهود مدين بوثبة له جديدة فى منحى فنى عصرى ، هى وثبة " توفيق الحكيم " الذى جمع بين التأليف المسرحى ، والتأليف القصصى ، بطائفة من المسرحيات والقصص تصعد به الى القمة بين رواد الأدب العصرى .
و " توفيق الحكيم " أديب مفكر ، ألمعى الذهن ، له نظرات فلسفية استفادها من دراسته ، وأمدها بمواهب من الفهم والذكاء ، وله قدرة فائقة على استخلاص النتائج والاحكام فى المشكلات الاجتماعية والقضايا الفكرية ، ولعل ثقافته القانونية والقضائية فى امتزاجها بثقافته الادبية والفنية هى التى جعلته يحسن الفصل بين الخيال والواقع فى عمله القصصى ، فهو يعمل خياله الواسع المجنح حين يبتكر كيان القصة ويدبر مواقفها ويرسم أحداثها ويخلق شخصياتها ، ولكنه يعمل الفكر والمنطق ويجانب الغلو والشطط فى الحركة والتحليل والحوار . ولذلك شاعت فى أعماله القصصية روح الحكمة التى تشيع فيما نعرف من العبر والامثال ، " فللحكيم " من اسمه بحق أكبر نصيب .
وهو أستاذ الحوار المسرحى غير منازع ، ولو ان ناقدا فنيا أراد أن يلقى درسا فى خصائص الحوار الماهر الناجح الدقيق ، وابتغى الاستشهاد على هذه الخصائص بامثلة من عمل أديب فنان ، لوجد بغيته على أتمها فيما أدار " الحكيم" بين دفاف مسرحياته من أحاديث على ألسنة شخصيات تختلف بهم المنازع والمواقف ، وتتفاوت بينهم المنازل والاقدار .
وقد استطاع " توفيق الحكيم " أن يتغلب على عقبة طالما وقفت فى طريق الطامحين الى الكتابة فى القصص المسرحى ، تلك هى أن القراء لا يقبلون على قراءة المسرحيات اقبالهم على شهود تمثيلها ، ولكن " الحكيم " فرض القارئين فى عصرنا الحديث ما كتبه من مسرحيات ، فهم يتهافتون عليها حين ينشرها فى الصحف ، ثم يتهافتون عليها حين يجمعها فى كتب ، وقد ظهرت له مؤلفات كثيرة منها " أهل الكهف " و " شهر زاد " و " ايزيس " و " الصفقة" وأخيرا طبعت له مجموعتان من التمثيليات القصار ، احداهما " مسرح المجتمع " والاخرى " المسرح المنوع " وكلتاهما فى مجلد ضخم .
ولو رأيت " الحكيم " فى مجلس لرأيته صامتا متكمشا منزويا تتراءى عليه الوداعة والطيبة والسكينة ، ولكن تهزك منه عينان نفاذتان ، كأنهما لصقر, وهو يدور بهما فى خلسة ومسارقة ، كأنما يتصيد بهما ما خفى وراء الظواهر والأستار . فان أتيح لك أن تراه وقد أثاره موضوع ، أو جاذبه الحديث جليس ، راعتك منه انتفاضة عارمة ، تسفر عن جلاء فكرة ، او تأييد رأى . هنالك تظهر ذلاقة لسانه ، وما اختزن من دقائق العلم بكل ما يتصل بالآداب والفنون من قريب او بعيد . فلا تلبث ان تطمئن الى أنك حيال ذلك الكاتب الأديب الذى اكبرته من قبل ، وشهدت له فيما يكتب بالأصالة والاقتدار .

