ان تصوير حقيقة الحياة كان ولا يزال هم المسرح الدائم ومع ذلك فاننا نجد الكثير من النقاد يرمون المسرح الواقعى بالابتذال والتصنع والسطحية ولا ينكر عليهم احد هذا النقد اللاذع ما دامت المسارح تعج بالروايات المخدرة للاعصاب لما يغلب عليها من الثقل الممل وضعف القوة التعبيرية والبعد عن الواقعية رغم انتمائها اليها . فهى روايات تصور فى الظاهر الحياة على حقيقتها ولكنك اذا امعنت النظر فى محتواها وجدتها فارغة مصطنعة . وذلك ما يدعو الكثير الى القول بان مصائب المسرح الحديث ترجع جلها - اذا لم نقل كلها - الى التعلق بمبدأ الواقعية فى التاليف المسرحى من جهة وفى التمثيل والاخراج من جهة اخرى . ويذهب بعضهم الى القول بان كل انتاج مسرحى جديد يرمى الى الافادة واثارة الشعور وجلب الجماهير لا بد له ان يبتعد عن الواقعية ويناهض دعاتها
هذا ما يذهب اليه بعض نقاد المسرح الحديث فى تفسيرهم ضعف فن التمثيل بصورة عامة . ويوجد الى جانب هؤلاء من يتمسكون بمبادئ الواقعية ويغالون فيصبح المسرح فى نظرهم (( مرآة صادقة لعصره ومجتمعه ))
فالمشكلة اذن فى وضع المسرح موضعه من الحياة والمجتمع ، وهذا ما سنحاول طرقه فى هذا البحث ليتبين لنا مدى تاثير المسرح على المجتمعات البشرية من جهة ثم مدى الروابط المتينة التى تربط هذا الفن بتلك المجتمعات فى مظاهر التفاعل القائم بينه وبينها كلما اريد ان يضطلع المسرح برسالة اجتماعية وان يتلقى المجتمع تلك الرسالة عن المسرح
وهنا يجدر بنا ان نرفع التباسا يوهم البعض ان الحقيقة كالطبيعة لا تتغير مفاهيمها باختلاف الاقطار والازمان فالجميل يبقى جميلا والحقيقى يبقى حقيقيا وهذا زعم يذهب اليه الكثير . ونحن نعتقد خلافا لهذا الزعم ان ما يعرف عادة بالحقيقى Le vrai وبالجميل Le beau وبالطبيعى Le naturel قد تغيرت مقاييس الناس فى مفهومه وفحواه فى مدة نصف القرن الحالى تغيرا يكاد يكون كليا وان بقى الجوهر على حاله ، جوهر هذه المعانى المجردة . ذلك ان الانقلابات التى اجتاحت حياة البشر فى هذه المدة قد اثرت فى مشاعرهم وطبعت نزعاتهم بطابع جديد وغيرت نظرتهم الى الفن خاصة فاذا قيمة الحقيقى
والجميل والطبيعى تتخذ اشكالا جديدة متفاوتة متباينة فى عيون الناس . فالجوهر واحد والمفاهيم متعددة . من ذلك ان كل ما كان يظهر منافيا للعقل او واهيا او خرافيا فى مستهل هذا القرن اصبح اليوم شيئا مالوفا يكاد يكون عاديا . ففن التكعيب فى الرسم مثلا كان ينفر الجماهير منذ سنوات وكان مجلبة لسخط الكثير على الرسم والرسامين لانه كان يعتبر بعيدا عن الواقع اما اليوم فالتكعيب فى الرسم اصبح مقبولا ان لم نقل محببا الى نفوس الكثير ذلك لان نظرة الناس الى الجميل قد تغيرت واصبحت تخضع لظروف جديدة هى ظروف العصر الذى نعيش فى معتركه . فهل تغير كنه (( الجميل )) ؟ لا . لكن تغير مفهومه عند الناس .
وفى نفس هذا المعنى تغيرت نظرة الناس الى المسرح . ويمكن ان نحدد النظرية الحديثة الى المسرح فى ظاهرتين :
اولا : يجب ان يكون المسرح ذا قدرة كبيرة على الملاحظة ، ملاحظة كل جوانب الحقيقة فى مظاهرها الجديدة وكل نبضات الشعور الانسانى فى مختلف اطوارها .
ثانيا : ان يكون المسرح فنا يرمى الى التكميل همه صقل وسائل التعبير المسرحى والزيادة فى تلك الوسائل والبحث عن طرق تعبيرية جديدة تتمثل فى تقمص الشخصيات على الركح من جهة واخراج تلك الشخصيات فى مظهر اقرب ما يكون الى الواقع والجميل والطبيعى من جهة اخرى .
وتعليل هذا ان المسرح يعيش فى آنه ويموت عند نزول الستار على الركح نعم فالكتاب الذى ينكب على تاليفه معاصرنا يمكن ان يطالعه الناس بعد مائة سنة وربما بعد الف سنة . والشريط السنمائى واللوحة الزيتية الناجحة يمكن ان يجلبا اهتمام الناس واعجابهم وتقديرهم بعد موت المؤلف بسنين عديدة وربما كان هذا هو السبب الذى يجعل بعض الفنانين المغمورين فى عصرنا يتسلون بامل شهرة ممكنة او واسعة فى مستقبل الايام . اما ارباب المسرح فليست لهم مثل هذه السلوى وهذا الامل الموعود ففنهم لا يعيش الا فى الحاضر والشهرة لا تاتى غدا اذا هى صدت ليلة عرض الرواية على الجمهور الجريدة نفسها يمكنك ان تقراها بعد يوم صدورها اما المنظر فوليد يومه يعجبك اولا يعجبك من اول وهلة ثم انك تغادر المسرح راضيا او ساخطا من اثر الوهلة الاولى وبعد ذلك يموت المنظر وتزدحم فى راسك صور اخرى .
وما انطفاء انوار الركح عند انتهاء الرواية الا رمز لهذه الحياة المحدودة فى الزمان والمكان التى يحياها المسرح . فالمنظر اذن عنصر من عناصر المسرح لا يقل قيمة عن غيره اذ عليه يتوقف فشل الرواية او نجاحها . والمسؤوليه فى كلتا الحالتين ملقاة على مؤلف الرواية ومخرجها والممثلين الذين يقومون بادوارها على حد سواء اى دائما على المسرح نفسه بصفته كلا لا يتجزا وليس على الحمهور قطعا . نعم .. لقائل ان يقول : من النظارة - ولو كانوا من معاصرينا - من لا يتمتعون بذوق فنى حاد وبثقافة فنية واسعة . فهم متخلفون عن الحياة الفنية يمقدار . افلا يكونون هم ايضا مسؤولين ؟ لكننا نعتقد ان المسرح وحده صاحب المسؤولية فى هذه الحالة بالذات وليست هذه المسؤولية تافهة كما يعتقد البعض . ذلك لان المسرح الحديث ما زال فى الكثير من مظاهره متمسكا بالطرق التعبيرية الخاصة بالقرن الماضى وهى طرق جافة لا يستسيغها جمهور هذا العصر . من ذلك ان بعض الكتاب قد ضيقوا على انفسهم فبقوا يتخبطون فى اطار متخلف متداع وبين جدران تقاليد لا تتماشى وواقعهم الذى هم فيه . كما انك تجد من بين الممثلين والمخرجين من تنقصهم دقة الملاحظة فيما يدور حولهم من احداث يومية ، فهم يعبرون عن رومنطيقية عملنا بواسطة بلاغة لفظية تكاد تكون اجنبية بالنسبة للموضوع المطروق وهم فى ذلك يطبقون اساليب (( الميلودراما )) الفرنسى ليعبروا عن حقيقة حياتنا الكادحة المضطربة الجدية فى مقتضياتها واهدافها اوهم يلجؤون الى الرموز المستعصية المنيعة ليبرزوا جمال حقيقة هذه الحياة وهذا الواقع الذى نحياه . اوهم يلهون الجمهور عن مشاكله اليومية بشتى وسائل الاضحاك والترفيه وكثيرا ما تكون هذه الوسائل رخيصة لتفاهة المواضيع المطروقة . مما يجعلنا نميل الى المسرح الملتزم ونقدمه على غيره من المسارح التى يغلب عليها الهذيان والسطحية وذلك رغم انتقاد الكثير للالتزام فى الفن . ***
وتحديد وسائل التعبير الحديثة والتعرض الى جميعها فى هذا المجال امر صعب لاسباب كثيرة منها ان كل فنان مسرحى له نظريته وتحديده الخاص لكن يمكننا ان نحزم هنا ان جميع نقاد المسرح يتفقون اليوم على مبدأ. وهو ان التشخيص الصرف المطلق او النقل الفوتوغرافى للحياة على المسرح اصبح من الوسائل التى لا تستساغ فى عصرنا هذا ومن الامور التى لا تمت للواقع ولفكر العصر الحديث باب صلة ، هذا امر مفروغ منه فالفن المعاصر لا يمكنه ان يستحق لقب الفن الا اذا حرك فى الجماهير خيالا وشعورا دفينا وتوجه لا الى
العقل فحسب بل الى المحرك الخفى الذى يحرك العقل اى الشعور . فالى نظرة (( الطبيعة فى الفن )) le naturalisme نقابل اليوم نظرة ((الضمنية)) la convention او (( الاتفاق الضمنى )) I' accord conventionel ثم ان هذا الاتفاق الضمنى الذى يحصل بين الجمهور والمسرح الناجح يجب ان يشمل جميع عناصر المسرح من القصة الى الاخراج الى التمثيل اى بما فى الرواية من النص المنطوق والحركة التى تؤديه والوسائل الفنية المستعملة من طرف المخرج ليكون ذلك الاداء مستساغا من الجمهور . اما الاتفاق الذى لا يعتبر عنصرا من هذه العناصر والذى يقبل الضعف او الحشو او الثرثرة او الرمزية السطحية او غير ذلك من عيوب المسرح المعروفة فلا محل له فى المسرح الحديث ولا يمكن ان يقبله جمهور هذا العصر .
الرواية اذن كل لا يتجزأ . وهى فى نظر المحدثين دعوة لخيال المتفرج صادرة من المؤلف والممثل والمخرج وبما ان الحاسة التصويرية شعور فردى يجب ان تكون الدعوة للخيال هذه موحدة متجمعة كانها صادرة عن فرد لا عن مجموعة وشخصية المؤلف اذا وافقت شخصية المخرج من جهة وشخصيات ابطال الرواية من جهة اخرى اصبح باستطاعتها ان تستعمل عددا من الوسائل التعبيرية المتنوعة لتصل الى الجمهور فردا فردا - مباشرة - ولتثير فى نفوسهم الخيال الذى لا بد من اثارته وتوجيهه الوجهة التى آرادها له المؤلف . فكأنما تتضاعف شخصية الكاتب الروائى باقترانها بشخصية المخرج وشخصيات ابطال الفرقة فتزداد قوة ويزداد تأثيرها على الجمهور نجاعة وفاعلية .
فالفن المسرحى اذن لا يقبل التجزئة من جهة ولا المطابقة لاصل خارج عن ذاته وكيانه كخيال وشعور من جهة اخرى . وهنا يظهر فشل بعض المخرجين الذين يقتصرون على تصوير الحقيقة كما هى بصفة ميكانيكية . اذ الحقيقة الملموسة تجرى خارج نطاق الركح وما الركح الا وسيلة لاحياء تلك الحقيقة فينا وليس هو الحقيقة ذاتها . وهذا فى الواقع ما سميناه بالاتفاق الضمنى الذي يحصل بين المسرح والجمهور . فالناس يقبلون على المسرح لا لمشاهدة صورة مطابقة للاصل من الحياة فلا الموت على الركح موت حقيقى ولا الزواج ولا الخيانة ولا البطولة وانما هى مشاهد من الحياة يحياها المتفرج ويتأثر بها وربما يبكى او يضحك من جرائها لان كاتب الرواية وابطالها ومخرجها ارادوا ان يبكوه او يضحكوه عن طريق الحاسة التصويرية والخيال الفنى ليوجهوا شعوره الوجهة التى ارادوها له وهى الوجهة التى كانت نصب اعين هذه
المجموعة من الفنانين المؤلف والممثل والمخرج كل فى ميدان والهدف واحد . فالحقيقة التى يصورها او ينقلها لنا المسرح ليست اذن نفس الحقيقة التى نشاهدها فى حياتنا اليومية لذلك لا يجب ان نقول :(( المسرح مرآة صادقة للمجتمع )) بل يجدر ان نعدل هذا التحديد القديم المعروف بتحديد آخر نعتقد انه اقرب الى الواقع وهو الذى اتى به احد عمالقة الفن المسرحى بروسيا الكاتب ماياكوفسكى اذ قال :(( ليس المسرح مرآة ترجع للناظر صور الاشياء كما هى وانما هو عبارة عن قطعة من البلور المضخم تبدو الاشياء من خلالها فى شكل جديد وان بقى الجوهر على حاله . )) وليست هذه النظرية فى الحقيقة وليدة عصرنا فقد ذهب اليها قبل ماياكوفسكى الكاتب الفرنسى موليار عندما قال : (( المسرح مرآة مكبرة )) ولكنها تظهر فى عصرنا ظهورا جديدا على يدى دعاة مذهب (( الطبيعية )) فى الفن . فهم يضعون فى صعيد واحد نظريتى (( حقيقة الحياة )) و (( حقيقة الفن )) ويوفقون بين مقتضيات هذه وتلك دون تفويق الواحدة عن الاخرى . فالمخرج الذى يعتنق هذا المذهب ينقل على الركح كل مميزات الرجل العادى الذى يصادفه فى الطريق وفى البيئة المحيطة به لكنه لضع الاصبع بصورة خاصة على ميزة من هذه الميزات فيكبرها ويضخمها وينفث عليها من روحه ومن شخصيته ليقربها الى ذهن المتفرج ونكاد نقول الى عينه باعتبار ان المسرح مجهر مضخم او النظارات التى تعطى للأشياء حدودا جديدة غير حدودها الطبيعية . فالبشر والاحداث تكتسب واقعية مسرحية جديدة غير التو نعرفها لها فى الشارع عند مرورها وتصفيتها من خلال طبيعة الفنان المسرحى الذي هو كما قلنا بمثاية مجموعة من الفنانين تتركب من كاتب الرواية والممثلين والمخرج .
وهنا تبدو الصعوبة الكبرى التى يلاقيها رجل المسرح الحق فى ابراز روايته وتقديمهالك للجمهور . وهي صعوبة تتمثل قبل كل شىء فى محاولة اكتشاف الجديد من العادى ، اكتشاف شخصيات مسرحية قوامها الشخصيات التى تعترضنا فى الطريق ثم فى محاولة التماشى مع العصر واذواق ابناء العصر على تباينها واختلاف اتجاهاتها اى كما قلنا فى التوفيق بين حقيقة الحياة وحقيقة الفن .
لقد كان المسرح فى العصور السابقة يعتمد قبل كل شئ على (( البطل )) فكان لكل رواية بطل او بطلان يكون او يكونان العنصر الدرامى والدراما هى عبارة عن تطاحن مادى ملموس بين اشخاص الرواية او بين عقل البطل وقلبه بين فكره وعاطفته . ولذلك كانت الروايات تحتوى على الكثير من الخطب الرنانة التى يوجدها المؤلف ليبرز شخصية البطل ويميزها عن غيرها من اشخاص الرواية . اما اليوم فالوضع غير هذا والبطل يكاد يكون مفقودا فى لمسرح الحديث . العنصر الدرامى الحديث لا يصدر عن التطاحن المادى الملموس او عن اشخاص من لحم ودم يضع المؤلف فيهم ذلك العنصر الدرامى ويفوقهم على غيرهم من اشخاص الرواية ، الدراما فى نظر المحدثين جو يسود الرواية ويخلق ذلك الجو الدرامى عناصر متعددة تتجمع وتتعامل وتتماسك في سبيل خلقه . واكبر مسؤولية فى هذه العملية ملقاة على كاهل مخرج الرواية فهو الذى يسهر على التركيب العام للعمل الفنى الذى بين يديه وهو الذى يقدم النص الادبى فى قالبه المسرحى الجديد . ونجاح الرواية يتوقف على تكاتف المجموعة البشرية التى تعمل باشارة من المخرج ولهدف واحد هو ان يكون كل شخص فى الرواية بطلا فى دوره . فتعدد الابطال قضاء على البطل الواحد ونجاح الرواية لا يقوم بهذه الصورة على عمل فردى بل هو عمل جماعى وخلاصة لكل الاسباب التى تكاتفت ووفرت بذلك التكاتف سبل النجاح للمجموعة . فالممثل الذى لا يعتمد الا على موهبته واتقانه لمهنته والذى ينسى حياة الاشخاص الآخرين الذين يشاطرونه احداث القصة والممثل الذى يحاول ان يعيش وحده ماساته او فترات غرامه او نخوة انتصاره لا يمكن ان يعتبر قطعا ممثلا حديثا بالمعنى الذى نفهمه فى عصرنا هذا اذ الاستبداد بالنجاح الفردى مدعاة لفشل المجموعة كما يتبين من التحليل السابق الذكر وكما سنحاول الآن تدعيمه ببعض الامثلة المشهورة :
كثيرا ما نلاحظ فى الروايات الناجحة ان الجمهور يتأثر بالغ التاثر لا من بطل القصة بل من خلال ذلك البطل وربما قلنا من ورائه او من ظله فى الاشخاص الاخرين . فاين جسد (( ريبيكا )) Rebecca فى الرواية المشهورة التى تحمل اسم هذه المرأة ؟ ريبيكا غير موجودة ولكنها بطلة الرواية رغم ذلك . هى روح تائهة تسيطر على الرواية والجمهور على الممثلين والمتفرجين فى آن واحد
ومن المثل الذي تحدثه نفسه بمصارعة هذه الروح او اخذ مكانها وانتزاع رطولة الرواية منها ؟ هذا مثل من امثلة عديدة يمكن الاستشهاد بها للدلالة على ان مسرح البطولة المتجسمة المحسوسة قد فات عهده . البطولة فى عصرنا روح مجردة وجو يسود الرواية فيطبعها بطابع درامى جديد كذلك الجو الذى يسود افلام هيتشكوك Hitch Kook ولنذكر بهذا الصدد روايته الاخيرة Psycose فهى خير دليل على ما نحاول تفسيره فهنا تمتزج شخصية البطل بالعقدة وبالجو الدرامى الذى يسود الرواية من بدايتها . وكثيرا ما نستغرب من هذا الطابع الجديد الذى يتسم به الواقع في الروايات الحديثة الناجحة عند ما نلاحظ بين الجمهور واشخاص الرواية تفاوتا زمنيا محسوسا فى فترات الفرح او الحزن التى تثيرها الرواية . ومرجع ذلك ان الجمهور لا يقبل الخدعة فى المسرح الا على اساس انها خدعة اما ان تقدم تلك الخدعة فى قالب واقعى جدى فهذا امر لا يقبله المتفرج ولا يستسيغه كما هو لا يقبل رواية يمكنه ان يتخيل آخرها من منظرها الاول او من خلال حوار المثلين او حركاتهم او حتى ايماءاتهم . فالممثل الناجح اذن هو فى نفس الوقت متفرج بالنسبة لشيخصات الرواية الاخرى . فلا بد له ان يعرف عن تلك الشخصيات اكثر مما يعرف عنها افطن المتفرجين فى القاعة ليمكن للرواية ان تصطبغ بطابع (( الجديد )) و (( غير المنتظر )) اى بالطابع الذى نعبر عنه عادة بكلمة (( المفاجاة )) وان خلت الرواية من هذا العنصر اذ من الروايات الناجحة بالمعنى الذى اشرنا اليه ما خلت تماما من عنصر المفاجاة هذا من جهة ثم انه من جهة اخرى ليست كل المفاجات مفاجات بالمعنى الصحيح فكثيرا ما ننتظر وقوعها فتاتى فاترةمطبوعة بطابع المرئى سابقا Déjà-vu وتنكشف الخدعة . والميزة الثانية التى يتعين على المسرح المعاصر الاتسام بها هى - فى نظرنا - حجم جديد للممثل يختلف تماما عن حجم ممثل القرن الفارط ونسبة جديدة بين النص المنطوق والحركة المعبرة اي بين الحركة الدرامية التى تعتمد على حاسة السمع وتلك التى تعتمد على حاسة البصر وانسجام بين الحركتين . فالعلاقة (( الجديدة )) التي يفرضها المسرح الحديث على الحركة الكلامية والحركة البدنية هى ظاهرة بالغة الاثر تجعل مهنة الممثل فى عصرنا ومهنة الكاتب المسرحى ومهنة المخرج المسرحى مهنة عسيرة . وربما كانت مهنة المخرج اشق واعسر اذ اصبح يتحتم عليه ان يتعاون - اكثر من اى عصر مضى - مع زملائه من المصورين ومهندسى الاضواء وواضعى المناظر وغيرهم من مختلف عناصر الركح ليخلق معهم من جديد عالما تكون فيه لاقل حركة ولاقل نظرة ولاقل ابتسامة وحتى لايماءة الراس العجلى التى لا تكاد تلاحظ لفرط تفاهتها قيمة عظيمة لا تقل عن
قيمة المناجاة البلاغية او قطعة النثر الطويلة او القصيد الوصفى الرنان او الحركة المسرحية المضخمة التى كان يراد منها اثارة المشاعر والحث على الضحك او البكاء ولتدعيم هذا الراى لنا مثل فى شريط (( العائلات الكبيرة Les grandes familes الذى يقوم بدور من ادوار البطولة فيه الممثل الفرنسى المشهور (( جان قابان )) لربما يتذكر القارىء المحترم ذلك المشهد الرائع الذى تبلغ فيه العقدة الدرامية ذروة التاثير ويبلغ فيه دور (( جان قابان )) قمته المسرحية وهو المشهد الذى يصور لنا ابا وقد علم فجاة ان ابنه الوحيد انتحر . فماذا كان من جان قابان عند هذا النعى ؟ بقى ساكتا واجما وكان وجهه لا يعبر عن شعور كانما الممثل الاب غريب عن جو القصة.فماذا اراد المخرج ان يعبر عنه من خلال هذا الجمود ؟ ذلك الوجه الذى لا يعبر عن شىء هو التعبير نفسه لانه يثير فى خيال المتفرج بعتو متناه فى القوة والصمود مدى فداحة الخطب الذى اصاب البطل عند نعى وحيده . فجمود الوجه هنا مقصود . ونحن نرى ونلمس كل ما يجرى وراء القناع السميك المسدول على وجه الممثل والذى يريد به اخفاء العاصفة الهوجاء التى تكمن مع ذلك فى تلك التقاطيع الهادئة وذلك السكون الثقيل وهنا يبدو لنا بكل وضوح ما كنا اشرنا اليه من تعاون البطل مع بقية الممثلين ومن انسجام الكل مع الجو السائد على القصة . وهو انسجام مدبر سلفا وهو جو خلقه المخرج بمعونة الممثل ليبلغ بالموقف قمة التاثير . كما يبدو لنا من خلال هذا المثال ان خيال المتفرج وعمل الممثل على الركح شيئان متكاملان اذ يزيد المتفرج هنا هذا الموقف من خياله وشعوره قوة جديدة وروعة فنية فريدة . فلا تكلف هنا ولا تعقيد ولا خدعة والخطب لا يجرى هنا على الركح او على وجه البطل بل هو فى القاعة برمتها وبما فيها المتفرجين . ولا يعتقد ان مثل هذا الاسلوب فى المسرح يسهل الامر على الممثل الا الساذج او الكسول من الممثلين . فلا غرو ان حركات بقية الممثلين من جهة وعمل الخيال فى ذهن المتفرجين من جهة اخرى بصبغان على الموقف جلالا تلقائيا لا ينتظر من الممثل مساهمة فعالة ولكن ما اعسر هذا الاقتصاد فى الحركة فى الواقع وما اعسر اختيار الاسلوب المناسب للتعبير عن اسمى خلجات النفس فى مثل هذه المواقف . فسلبية الممثل هنا مساهمة فعالة والصمت اسلوب من اساليب النطق يجهله البكم
هذه خواطر عن المسرح كما يفهمه المعاصرون وما هى فى الحقيقة الا خواطر لم نرد من ورائها الا رفع المسرح الى المرتبة التى يتبوؤها فى غير بلادنا بحق وجدارة . ذلك انه فن قابل للتطور كأى فن حى واننا لم نشعر فى بلادنا مع
الاسف الشديد الى حد اليوم بالحاجة الى تطويره ودفعه الى الامام على اسس جديدة
فقد كان المسرح فى القرن التاسع عشر فنا يعتمد على البلاغة او الجعجعة الكلامية قبل اى شئ آخر . فكان يتعين على الممثل الناجح ان يمتاز بصوت جهورى يخضع لاصول البلاغة وقواعد الاداء والالقاء . وكانت تلك الوسيلة الوحيدة للتعبير عن سلم العواطف البشرية وايصالها من الركح الى قاعة الجمهور . اما اليوم فقد تبدل الوضع واصبح المسرح المعاصر يعتمد اول ما يعتمد على الحركة البدنية وعلى الملامح والايماءات بحيث يمكننا ان تقول عنه انه مسرح (( حركة )) قبل كل شئ . وهو يتطلب من الممثل معرفة جيدة لكل وسائل التعبير عن مكنون النفس الى جانب الالمام باصول البلاغة وقواعد الالقاء التى اصبحت فى المرتبة الثانية من سلم التعبير . فلا حاجة اليوم بالاصوات المتدفقة من حناجر الممثلين ولاى نوع من التضخيم فى غير محل التضخيم ولا اعتبار للقاعدة التى تقول يجب على الممثل ان يملا بصوته سكون الركح ، فالممثل اليوم يمكنه ان يملا الركح بوجوده على الركح او حتى بمجرد حضوره اذا كان لذلك الحضور معنى فى الرواية . وهو يستعمل الى جانب صوته حركات معينة تجعله ينسجم مع جو الرواية من جهة وتخلق بينه وبين الجمهور تلك القرابة النفسانية التى يطمح اليها كل ممثل ولا تتحقق الا للناجحين وهم قلة . وهذا ما يجعل المسرح فنا تمثيليا خاصا يختلف عن غيره من فنون التمثيل اختلافا يكاد يكون كليا فى عصرنا . ويظهر هذا الفرق فى مقارنة المسرح بالرواية الاذاعية وليس ادل على هذا الفرق فى نظرنا من قدرتنا على اذاعة المسرحيات القديمة كمجنون ليلى والطبيب المغصوب وهملت بصورة مباشرة وبدون اى تعليق فى حين انه يستحيل علينا اذاعة الكثير من الروايات الحديثة بهذه الطريقة اذ لا يسمح تعقيدها الاصولى واعتمادها على الحركة المرئية اذاعتها دون اشارة وتعليق مما يفقد المسرحية كل متعة فى اغلب الاحيان ويفسد حتما تسلسل احداثها على المستمع
فقد بلغ الذوق الفنى فى عصرنا من الحدة ما لم يبلغه فى العصور الماضية وتطور المسرح على ضوء هذا خاضعا لمقتضيات هذا الذوق متمشيا مع العصر وعقلية الجماهير . وعسير علينا اليوم ان نحكم لبعض الممثلين القدامى او عليهم لانهم يعيشون على فتات عصر بلى وليسوا فى الحقيقة من معاصرينا . فمن كان يبكى الجماهير فى مستهل هذا القرن لو صعد اليوم على الركح لا ضحكنا بكاؤه او اعرضنا عنه هازئين . ذلك ان ممثلى بداية القرن الذين كانوا يؤثرون على الجماهير قد عاشوا فى عصر لم يكن يعرف المونتاج ولا التلخيص التصويرى
ولا التريكاج وما الى ذلك من اساليب التمويه السينمائى المعروفة فى عصرنا ، كما عاشوا فى عصر لم يكن جمهوره يبكى الا اذا دعاه الممثل الى البكاء باشارة خفية طبعا لكن باشارة ولم يكن يحن الا للاصوات الرنانة وينشرح الا للعظة وخطبة الارشاد
ولا يمكننا بهذه الصورة ان نخلق مسرحا جديدا او نتقدم بمسرحنا اعتمادا على رفات مسارحنا الماضية او بتقليد من كانوا ابطال عصرهم . فكيف يكون مسرحنا اذا لقن اصوله لشبابنا شيوخ وان كانوا محترمين وسابقين ومتقدمين لكل دور فى المسرحية ولكل دور شخصية فلنساعد كل ممثل على استكمال شخصيته لا على تقليد شخصية المدرب وعندها يتطور المسرح فى بلادنا ويلعب ادواره المنتظرة فى حياتنا .

