الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

المسلمون العقيدة والابدولوجية

Share

الاسماعيلية ( * ) فرقة شيعية تنسب الى اسماعيل بن جعفر الصادق ، وهى القسم الثاني من الشيعة المقابل للشيعة المعروفين بالموسوية او الامامية الاثنى عشرية . حصل هذا الانقسام اثر وفاة الامام السادس جعفر الصادق . ذلك ان الاغلبية من الشيعة نادت بامامة موسى الكاظم وسلسلت الايمة فى عقبه الى الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكرى الذى قيل عنه انه دخل سردابا في مدينة سامراء واختفى فيه خوفا من بطش العباسيين وانه سيخرج على الناس ليملأ الدنيا عدلا بعد ان ملئت جورا وانه المهدى المنتظر الذى سيرد الحق لأهله .

اما القسم الثانى فقد نادى بامامة اسماعيل الابن الاكبر لجعفر الصادق وانتسب اليه فصار يعرف بالاسماعيلية او الشيعة السبعية لان اسماعيل فى  نظرهم هو الامام السابع فتكون الايمة فى نظرهم هم : على - الحسن - الحسين - وعلى زين العابدين - محمد الباقر - جعفر الصادق - اسماعيل .

غير ان الاسماعيلية انقسمت الى فرقتين : فرقة قالت بامامة اسماعيل وانه لم يمت فى حياة والده وان الامامة انتقلت اليه بالنص من أبيه ، وانه المهدى المنتظر وان قصة وفاته لم تكن صحيحة وان والده اخفاه عن أعين العباسيين واشاع موته للتمويه عليهم . والفرقة الثانية ذهبت الى ان الامامة

انتقلت الي محمد بن اسماعيل بعد وفاة والده اسماعيل وانه احق بالامامه من به موسى الكاظم لانه اكبر منه سنا ولان الاممامة لا تنتقل من اخ الى اخيه فيما عدل الحسن والحسين وانما تنتقل من أب إلى ابنه استنادا الى الايه القرانية الكريمة ((وجعلها كلمة باقبة فى عقبه)) ، وقالوا بان الكلمة تعنى الامامه ، وهذه الفرقة عرفت بالمباركية التى ينتسب اليها القرامطة وهم يعتقدون ان محمد بن اسماعيل وانه المهدى المنتظر وخاتم الانبياء والجدير بالملاحظه هو ان فرقة الاسماعيلية لم يتحدث عنها المؤرخون الا فى نهاية القرن الثالث الهجري. ولهذا يكون من الصعب تحديد تاريخ مضبوط لبداية ظهورها او بمعرفة اطوار دعوتها خلال قرن كامل من التستر

وقد وجد بعض مؤرخي الاسماعيلية فى هذه الفترة مجالا واسعا لاستعمال الخيال فى خلق الروايات والاطناب فى القول واضفاء مسحة من الجهاد فى سبل نشر الدعوة مما يكون له من التأثير على النفوس وكسب الانصار . كما حاول ايضا بعض المؤرخين من أهل السنة أو من الشيعة الاثنى عشرية ان يصوبوا كثيرا من التهم نحو اسماعيل او اتباعه ، فمن ذلك اتهامهم لاسماعيل بانه كان خلعا ماجنا وان والده لم يكن راضيا عن تصرفه وانه كان صديقا لابي الخطاب الاسدى الرجل الفاسق الملح الذى ادعى الوهية جعفر الصادق ولا يستبعد بعض المؤرخين ان يكون اتباع أبى الخطاب هم الذين اغروا محما بن اسماعيل بمنافسة عمه موسى الكاظم وحثه على المطالبة بحقه فى الامامة

والى هنا يبدو ان الخلاف بين الشيعة فيما بينهم يكاد ينحصر فى الامور السياسية وما تقتضيه من تعيين الامام فكون بذلك امتدادا للخلاف الذى ظهر بين المسلمين منذ وفاة الرسول والذى اشتد وقسم المسلمين بعد وفاة الخليفة عثمان والواقع ان الخلاف بين الشيعة يتجاوز هذه الاعتبارات السياسية الى اعتبارات اكثر انتصاقا بحياة الناس ويشؤونهم الدنيوية مثل الاقتصاد والشؤون الاجتماعية والثقافية والدينية والعنصرية .

وينبغى أن تربط بين ما دعا اليه ابو الخطاب الاسدى وبين ابن سبا المعروف بابن السوداء فكلاهما قد آله الامام ، فابن سبا آله عليا وأبو الخطاب اله جعفر الصادق ولا غرابة ان يكون وراء التأليه عمل مبيت يهدف الى المس من العقيدة الاسلامية واحياء بعض العقائد القديمة التى كانت سائدة فى الشعوب التى دخلت فى الاسلام .

ويمكن القول بأن الخلاف بين الشيعة هو إيذان بالتحول من الايمان بالعقيدة الى التعلق بالامور الدنيوية بما تشتمل عليه من توفير أسباب الحياة وقد مهد لهذا التحول ما وقع فيه ساسة كثير من حكام الدولة الاسلامية من أخطاء فى تسيير شؤون الدولة ومن اهمال لمطالب المواطنين ولشؤون التنمية ولرعاية الحقوق والواجبات التى جاء بها الدين الاسلامي ، فكان الانحراف عن جوهر ما تدعو اليه العقيدة الاسلامية من عدل واخاء ومساواة من أه الاسباب التى جعلت جمهرة المسلمين متهيئين لقبول اية فكرة تدعو الى تبدي النظام السياسى . وقد كان هذا التهيؤ فرصة استغلها الطامعون والمغامرون والحاقدون فعملوا على تغذية الاحساس بالتذمر فى نفوس الناس واوحو اليهم بأن الخلاص من الاوضاع السيئة لا يمكن ان يتم الا عن طريق المهدى المنتظر الذى يستطيع وحده ان يحقق العدل بين الناس وان يخلص البشرية من الظلم والقهر ويطهر الدنيا من الفساد

وقد استغلوا فكرة المهدى المنتظر استغلالا بعيد المدى لما تنطوى عليه من افكار ذات تأثير على نفوس الناس مثل انتساب المهدى الى آل الرسول الذى انقذ البشرية من ظلمات الجهل والقهر ، وما فعله الرسول يمكن ان يفعله واحد من آل بيته لما خصهم به الله من الخصال الفريدة التى تجعل منهم هداة البشرية ييررون لها طريق الحياة ويهدونها الى سواء السبيل ، ولا يخفى ما بهذه الفكرة من جاذبية لنفوس عامة المسلمين لانها تذكرهم بالرسول وبأحقية اله فى مواصلة الرسالة التى جاء بها الرسول الاعظم ، وكذلك ايضا ما توحي به فكرة الانقاذ من جحيم الحياة الذي اصبح يتخبط فيه اغلب المسلمين نتيجة سوء تدبير الساسه وفساد الحكام وانتشار الرشوة والفساد فى جميع الامصار الامر الذى جعل الناس يشعرون بالبعد الساحق الذى يفصل بين واقعهم بين ما رسمه الدين من تصور لحياة يكون فيها جميع المؤمنين أخوة لا فضل لعربى على أعجمي الا بالتقوى . فلقد تراكمت حياتهم بالمظاهر المنافية لتعاليم الدين ، فحياة المجون تكتسح منازل الامراء والحكام والمتقر بين منهم فى حين تغمر الكآبة منازل الفقراء البائسين وهم الذين يمثلون الغالبية العظمى . ان بين ما تعلموه من الدين من مبادىء وبين واقعهم المعاش لا يربط بينه اى شبه وان هذا الفرق لم يدع مجالا للشك فى وجوب الاعتماد على النضال من اجل السيطرة على مقاليد الحكم التى بيدها مفتاح العودة الى الدين او الابتعاد عنه .

ولكن كيف السبيل الى نضال فى مجتمع تقاسمته الافكار والمذاهب وتتحكم

فيه السلطة بكل الوسائل . ومن هنا تفتق ذهن الطامعين فى السلطة الى خلال كل هذه لظروف واستنباط الطرق والمبادىء التى تمكنهم من السيطرة على عقول عامة المسلمين وتهيئهم للثورة فى وقت لا تتفطن فيه السلطة الحاكمة ومن بين  الطرق التى اعتمدتها الحركة الاسماعيلية هي استغلال فكرة التقية التي التجأ اليها الشيعة بصفة عامه للتخلص من رقابة الامويين والعباسيين  فيما بعد ولقد احسن الاسماعيلية استعمال هذه الطريقة ، وبفضلها تمكنوا من نشر دعاتهم فى كافة انحاء العالم الاسلام فكانو يتنكرون في هيئة التجار او الصناع او ينتحلون صفة معلم او عير ذلك من التي تمكنتهم من الاختفاء عن عين الرقباء ورغم الحراسة المشددة التى ضربها العباسيون حول رجالات آل البيت فانهم تمكنوا بفضل استعمال التقية من الافلات من الرقابة عن طريق دعاة ذوى كفاءة ممتازة ومن بينهم صاحب الدعوة باليمن أبو القاسم الحسن بن فرج ابن حوشب بن زادان الكوفى الملقب بالمنصور لما أتيح له من النصر والذي قال فيه احد الشعراء :

إذا ظهر المنصور من آل أحمد            فقل لبني العباس قوموا على رجل

وروي عن جعفر الصادق أنه قال : " منا المهدى ومنا المنصور " وفى حديث آخر (( ابشرو  ستوشك ايام الحبارين ان تنقطع ثم يأتي الجابر الذى يجبر الله به أمة محمد ثم المنصور الذى ينصر به الله الدين ))

وعن هذا الداعي تلقى داعي المغرب (( وهو أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد ابن زكرياء وكن ذا علم وعقل ودين وورع وامانة ونزاهة وكان اكثر علمة الباطن ونظر في على الظاهر نظرا لم يبالغ فيه ، فلما تمكنت الدعوة باليمن وظهر امرها ارسله الامام الى أبى القاسم داعى اليمن فكتب اليه فى أن يبصره ويرشده ويلقنه وقيل لأبى عبد الله امتثل سيرته وانظر الى مخارج أعماله ومجارى افعاله فاحتذها وامتثلها واعمل عليها ثم اذهب حيث شئت وادع )) .

وما ان اكتمل التدريب وحذق اسلوب الدعوة حتى كلف بمهمة فى بلاد المغرب وفي قبلة كتابة خاصة وفي موسم الحج اتصل ببعض الحجيج من هذه القبلة وتمكن من التأثير عليهم وجعلهم يتعلقون به دون أن يشعروا انه مكلف بمهمة

وقد اعتمد هؤلاء الدعاة على أساليب غامضة وعلى اشارات تتعلق بالمستقبل مما له تأثير على عقول عامة الشعب فمن ذلك قول أبى عبد الله داعيه المغرب " ان للمهدى هجرة تنبو عن الاوطان فى زمان محنة وافتتان ينصره فيها الاخبار من اهل ذلك الزمان قوم مشتق اسمهم من الكتمان وهو يشير بذلك الى أهل كتامة " .

وبالاضافة الى هذه الاقوال ذات الاشارات المستقبلية فانهم كثيرا ما بعمدون الى ايهام مخاطبيهم بأنهم من ذوى الكرامات والمعجزات . وقد ذكر لقاض النعمان فى كتابه افتتاح الدعوة جملة من هذه الكرامات .

والملاحظ ان الدعوة الاسماعيلية لم تقتصر على مناطق جغرافية محددة من العالم الاسلامي وانما شملت كل البلدان وانتشرت بين جميع السكان من عرب وبرير وأتراك وفرس واستطاعت ان توفق بين الغالبين والمغلوبين وأصحاب الافكار الدينية المتحررة او المتعصبين للدين من جميع الطوائف كل ذلك من اجل بلوغ هدف معين وهو انتزاع السلطة من العباسيين ، وحاولوا ان يصلوا الى هذا الهدف بكل الوسائل متجنبين ما وقعت فيه بعض الحركات السابقة من أخطاء مثل الحركة الخرمية التى انطلقت اثر مقتل ابى مسلم الخراسانى

لذلك اعتمدت على السرية المطلقة ولم تبح بتعاليمها الخاصة الا لمن دخل فى الدعوة ومر بمراحل واختبارات متعددة كما نوعت اساليبها فخاطبت العام بأسلوب يعتمد على القرآن كما خاطبت ذوى العقول بأسلوب فلسفى واعتبرت هؤلاء أحد من يعرف المذهب ثم اتجهت الى كل المسلمين بقطع النظر عن الجنس او الموقع الجغرافي وهي ترمي من وراء ذلك الى تكتيل كل القوى المتناثرة فى جسم العالم الاسلامى قصد انتزاع السلطة من ايدى العباسيين قد ساعدها على ذلك سوء الحالة الاقتصادية التى يتخبط فيها العالم الاسلام وما نتج عنها من مشاكل اجتماعية

ورغم ان العقيدة الاسلامية تضمنت جملة من التدابير للقضاء على الاحتكار الاقتصادى والحد من مطامع اولئك الذين يريدون ان يجمعوا الثروات ولو ع حساب الآخرين وقد حددهم القرآن فى الآية الكريمة ((أولئك الذين اذا كتالوا على الناس يستوفون واذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون )) او الذين أشار اليهم في قصة داوود (( ان هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة

واحدة فقال اكفلنها وعزنى فى الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك الى نعاجه وان كثيرا من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم )) كما ندد القرآن بالمستغلين فحرم الربا وأكد على ضرورة تحديد شروط المداينة (( يا أيها الذين آمنوا اذا تداينتم بدين الى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب ان يكتب كما علمه الله فليكب وليملل الذى عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فان كان الذى عليه الحق سفيها او ضعيفا او لا يستطيع ان يملل فليملل وليا بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء )) .

غير ان الملاحظ ان تطبيق التعاليم الاسلامية لم يتم بصفة كلية فلقد انشغل الخلفاء الاولون بالفتوحات وما تقتضيه من تهيئة عسكرية . كما انصرف الحكام الامويون والعباسيون الى الانشغال بالامور الدنيوية ، الامر الذى جعل الحياة الاقتصاديه تنخرم بصورة لا تختلف عن الصورة التى ثار عليها الرسول الاعظم . ألم يكن العرب مقسمين الى اغنياء وفقراء وسمى القرآن اولئك  الاغنياء بالملا والاعزاء (( يقولون لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل )) ثم ألم يكن الرسول من اولئك الذين قال فيهم القرآن (( ألم يجدك يتيما  فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائل فأغنى )) وهذا يعنى انه كان اكثر الناس علما بحاله الفقراء ومن اشدهم تعاطفا مع حالهم فهداه الله الى الثورة على هذه المظالم واوحى اليه برسالة يكون بها الناس جميعا فى منزلة واحدة لا فضل فيها لعربى على أعجمي الا بالتقوى " ان أكرمكم عند الله أتقاكم "

ولكن هل طبقت هذه التعاليم بالفعل ؟ كلا وخاصة منذ أن ابتدأ العصر الاموى الذى تميز بالسماح للعرب باشتراء الاراضى من بلاد العراق والشام ومصر بعد ان منعوا من ذلك ايام أبى بكر وعمر ، ولم يكد يمضى بعض الوقت حتى اصبحت (( اخصب الاراضى فى مصر وسوريا والعراق وفارس بين أيدى فئة قليلة من المالكين يستغلونها بواسطة علوج وزنوج افريقيا )) .

وازدادت الحالة سوءا فى عهد العباسيين الذين استولوا على الحكم باعانة الفرس وكمجازاة لهم مكنوهم من النفوذ والسلطان فازدادت الهوة اتساعا بين الفقراء وهم عامة الناس والاغنياء وهم ذوو السلطان واصحاب النفوذ كل هذه الانحرافات عن مبادئ العقيدة الاسلامية وقع استغلالها من طرف دعاة الاسماعيلية ولذلك بنوا دعوتهم على فكرة الانقاذ وركزوها على مبادىء

ورثوها من الزرادشتية والمازدكية والخرمية تدعو الى جعل الارض مساعة بين الجميع والى تحرير المرأة تحريرا كاملا وجعلها فى منزلة الرجل فى جميع الحقوق والواجبات .

ولا غرابة ان يتجمع حول هذه الدعوة خلق كثير لا يربط بينهم اى رابط سوى النقمة على السلطة والشعور بالحرمان . وهكذا اصبح حزب الاسماعيل بجمع خليطا من العرب والعجم والبربر ومن كان على دين المسيحية واليهودية وصار هذا الحزب يعبر عن طبقة المظلومين والمحرومين والثائرين ( * ) ويجذب اليه اهتمامها بما صاغه من نظرية فى السياسة والاقتصاد ، ويبدو أن هذه النطرية ليست الاولى من نوعها فى العالم الاسلامى ولكنها خلاصة لما تعالى من صيحات التذمر بين الجماهير وفي صفوف عموم المسلمين . ولقد عرف دعاة الاسماعيلية كيف يقدمون هذه النظرية فى صياغة تتفق وعقلية العامة وتراعي الشعور الديني . ولهذا كان الدين هو الغلاف الخارجى الذى يحيط بالنظرية باعتباره المسوغ الشرعى الذى يسمح لهم بتحقيق أهدافهم . ومن الجدير بالملاحظة هو ان دعاة الاسماعيلية المنتشرين لم يتحدوا فى النظرة للعقيدة فجاءت مواقفهم متباينة بحسب الاشخاص والبلدان . وكان المهم بالنسبة اليهم هو استمالة الجمهور باية طريقة لانهم يرمون الى هدف آخر ، وهذا يعنى ا الدين كان مجرد وسيلة لغايات سياسية وان هذه الوسيلة يمكن أن تتكيف بحسب الظروف والاشخاص ، ولعل هذا هو الذي جعل كثيرا من المؤرخين ينسبون اقوالا الى الاسماعيلية ينكرها البعض منهم .

والى جانب هذا التلون فى الاقوال هناك اسلوب آخر اعتمدته الاسماعيلية وكان له الاثر الاكبر فى التأثير على الجماهير كما كان له تأثير على مجرى لحياة الفكرية بصفة عامة ، وهذا الاسلوب هو التأويل

فاذا كان الاسماعيلية يعترفون بالظاهر فانهم اعتمدوا بالدرجة الاولى على الباطن وقضية الظاهر والباطن هذه تتعلق بالنصوص التشريعية وكانت محل خلاف بين علماء المسلمين ، لكن الاسماعيلية تذهب الى ان النصوص ليست فى الواقع الا مجرد رموز لمعان باطنية ، وان هذه المعانى الباطنية ليست من مشمولات مدارك العامة وانما يختص بها الامام والمقربون اليه كما ان الله

خلق الكون على قسمين : قسم ظاهر للعيان وقسم باطن ، وان الظاهر يدل على الباطن ، فجسم الانسان مثلا ظاهر وله نفس باطنة والعبادات ظواهر ولها بواطن وهكذا . وفي هذا النطاق اختلف دعاة الاسماعيليه فى التاويل حتى ان البعض منهم لم يعترف باركان الاسلام واولوا الصلاة والصيام تاويلا يسمح بتركها كما أولوا الآيات القرآنية التى تشتمل على فضائل بأن المقصود منها الامام وكذلك فعلوا في بعض الاسماء كالشمس والقمر والاهله وذلك فى مثل قوله تعالى : " والفجر وليال عشر والشفع والوتر " فلقد أول بعض الدعاة لفظة الفجر بأنها على ابن بى طالب وكل اما امام يأتى من بعده ، وان الشفع والوتر هما الحسن والحسين ابنا على ابن أبى طالب ، فالتأويل استخدمه الاسماعيليون لتحقيق اهدافهم وسلكوا به مسالك تحقق تلك الاهداف بقطع النظر عن كل اعتبار آخر ولعل أهم ما يوحى اليهم بالحذر هو اعتبار جانب المجتمع الذي حاولوا استمالته بكل لطف احيانا . ولذلك كان دعاتهم فى المغرب يختلفون عن دعاتهم فى مصر وهؤلاء يختلفون عمن كانوا باليمن ورغم ان التأويل كان مغالبا احيانا الى درجة انكار الظاهر كتأويل الصلاة بأنها الحق فقد كان عملا لدفع الفكر الفلسفي فى الاسلام وتنشيط العقول فى شتى المجالات وخاصة مجال الالاهيات والنفس والفلسفة بصفة عامة وظهر اثر ذلك واضحا فى الانتاج الفلسفي والادبى وكان امتدادا لتلك الحركة العقلية التى قامت على نظرة المعتزلة

غير ان الذى اساء الى هذه الحركة هو غلوها واستغلالها للدين ومبالغتها فى التستر واخفاء حقيقة امرها عن العامة وغيرهم وتظاهرها امام هؤلاء بالحرص على الدين واندفاع عنه وهم فى الحقيقة يعتبرونه مجرد وسيلة للسيطرة على الحكم وجعله بيد الامام

اما موقف الاسماعيلية من الامام فهو يتنزل منزلة الايمان بالله اذ يعتبرونه العالم بخفايا الامور ولا يحاسب عما يفعله وكل افعاله الظاهرة لا ينبغي أن نؤخذ على ظهرها وانما ينبغى اعتبار ما تدل عليه من بواطن واطلقوا عليه صفات الخالق وهو يقابل فى العالم الجسمانى العقل الكلى فى العالم العلوى وما يطلق على العقل الكلى من الصفات والاسماء يطلق على الامام .

وفى هذا النطاق قال الشاعر الاسماعيلي ابن هاني الاندلسي :

ما شئت لا ما شاءت الاقدار             فاحكم فأنت الواحد القهار

وقال تميم ابن المعز فى أخيه العزيز :

ما أنت دون ملوك العالمين سوى              روح من القدس فى جسم من البشر

نور لطيف نناهى منك جوهره                  تناهيا جاز حد الشمس والقمر

بمعنى من أهلة الأولى التى سبقت              خلق الهيولى وبسط الارض والمدر

ان الارتفاع بمنزلة الامام الى الدرجة القدسية يتناسب مع خطة الدعوة الاسماعيلية التى تهدف الى الاستيلاء على الجمهور وذلك عن طريق المؤثرات النفسية أو العقلية او عن طريق تعطيل الارادة فى الانسان بجعله يقبل عن طواعية الانقياد الاعمى لسلطة الامام تحت تأثير الدلالات الغيبية والاشارات الغامضة وتهويل وظيفة الامامة واسنادها دورا خطيرا فى العالم الجسمانى والعالم العلوى وقد بذلت الاسماعيلية جهودا كبيرة فى استنباط الطرق المؤثرة وتدريب الدعاة عليها وتسليحهم بالثقفات العقلية والاساليب الجدلية والخبرات بالاحوال النفسية الامر الذى جعل الاسماعيلية قوة تهز كيان المجتمع الاسلامي لا بمجرد استيلائها على المغرب او اليمن ولكن بتأثيرها العام فى مجالات الحياة المختلفة ، ولكن الهزة التى أصابت المجتمع ليست من ذلك النوع المشرق الذى يؤذن بطلوع النهار واشراقة الشمس ولكنها الهزة التى تصيب الانسان وهو فى نومه فتجعله يشعر وكأنه يهوى فى واد عميق مظلم ملئ بالاسرار والمخاوف والتعقيدات .

ولئن نجحت الاسماعيلية فى بعث الدولة الفاطمية بالمغرب فتونس ثم انتقالها الى المشرق بعد أن تم فتح مصر سنة 358 ه . بقيادة جوهر الصقلي فان هذا النجاح لم يكن من ذلك النوع الذى يحمل فى طياته تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية لان الايديولوجية الاسماعيلية كانت خليطا غامضا تسمع فيها صوت المحرومين ولكن يكاد يحجبه ذلك الغموض المبهم الذي يحيط بالنظرة الى الكون والى دور الانسان ومهمته فى الحياة وهو غموض وقع فيه دعاة الاسماعيلية بسبب استخدامهم لمظلة الدين قصد تغطية اهدافهم الحقيقية وانعدام التصور الواضح لمجابهة الاوضاع عندما يسقط بأيديهم الحكم ونتيجة لهذا الغموض وقعت الاسماعيلية فى صراع مع القوى الاسلامية الاخرى ولكن ليس حول ما يهم الناس فى حياتهم الاقتصادية والاجتماعية وانما فى أمور هامشية لها علاقة بالمعتقدات الدينية مثل الامام والاذان وشتم الصحابة والاعيان . وبدل ان يصرف الاسماعيليون جهودهم فى تنظيم حكم يرتكز على

العدل والمساواة والاخاء وهو ما جاء به الاسلام فانهم صرفوا جهودهم فى جدليات دينية دفعتهم الى الغلو الى درجة تأليه الأيمة فخاب ظن الكثيرين فيهم وتندروا بهم وكان ذلك ايذانا بتقلص نفوذهم وانكماش سلطانهم بعد زحف سريع كاد يغطي كامل العالم الاسلامى . يضاف الى ذلك ما حصل من انقسام فى صفوف الاسماعيلين نتيجة تدخل الوزير الافضل بن بدر بعد موت الامام . المستنصر بالله سنة 487 ه . الذى عين بعده ابنه نزار غير ان الوزير المذكور زاح صاحب الحق وعين ابن أخته المستعلى بن المستنصر فتمسك فريق بامامة نزار وسمى بالنزارية ونادى فريق بالمستعلى وسمى المستعلية . وهذا الانقسام جاء بعد الانشقاق الذى ادى الى ظهور الدروز

وفي عهد صلاح الدين الايوبي انتهى عهد الاسماعيلية المستعلية فى مصر لكنها ظلت موجودة باليمن حيث تابعت نشاطها ثم انتقلت الى بلاد الهند اصبحت تعرف باسم الاسماعيلية الطيبية والاسماعيلية البهرة . وقد انقسمت ايضا هذه الفرقة الى قسمين : البهرة السليمانية ومركز داعيها اليمن ، والبهرة الداوودية ومركز داعيها مدينة بومباى .

هذا والملاحظ ان هذه الفرق لا تختلف عقيدتها عن عقيدة أهل السنة والجماعة فهم يؤمنون بفريضة الصلاة والحج والصيام ولكن الفرق هو فى اعتقادهم بأن صلاتهم للامام الاسماعيلي وان الكعبة التى يطوفون بها هى رمز للامام . اما الاسماعيلية النزارية فشأنها يختلف كثيرا وقد عرفت فى التاريخ باسماء عدة : الاسماعيلية النزارية - الباطنية - السبعية - التعليمية - الحشيشية - الملاحدة ، وذكرت في بعض الكتب باسم السفاكين لان مؤسسها الحسن بن الصباح لما انتقل من مصر الى بلاده ايران وشرع فى الدعوة والتشنيع بالسلاجقة ، استعمل لتحقيق أهدافه السياسية كل وسائل الارهاب ، واتخذ من قلعة ألموت حصنا يتحصن به وجنة يفتن بها الطامعين ولم يسمح بدخول احد الا اذا كان من أتباعه المخلصين ومن الفدائيين وقد كان لهذا الرجل من الدهاء والفطنة وقوة العزيمة ما مكنه من تأسيس الدولة الاسماعيلية الشرقية ، غير ان من جاء بعده من الايمة مثل الحسن الثاني بن محمد الذى تولى الامر بألموت سنة 558 خطب فى الناس وأمرهم بطرح جميع التكاليف الدينية والفرائض الاسلامية تأويلا للحديث الشريف " كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته فالامام هو الراعي وهو المسؤول عن أتباعه دنيا واخرى فهو الذى يتحمل بدلهم الحساب يوم القيامة ، وقد لقيت هذه الافكار

قبولا حسنا من جانب كثير من الاتباع ، ولما خلفه فى الحكم الحسن الثالث سنة 607 اعاد الفرائض الدينية وبنى المساجد وكان لهذا الحدث تأثيره الحسن على البلاد الاسلامية فابتهج المسلمون بعودة الاسماعيلية الى العقيدة الاسلامية بعد الانحراف الخطير الذى تردت فيه فترة من الزمن ولكن بعضا من الاتباع لم يرض عن هذا الرجوع فاغتال الحسن الثالث وعادت الاسماعيلية الشرقية الى عقيدة الحسن الثاني وسياسة ابن الصباح الى ان هجم المغول وحطم حصون ألموت وتلاشت الاسماعيلية فى بلاد الهند و آسيا وافريقيا وكادت تضمحل

وفى القرن التاسع عشر برز فى ايران حسن على شاه فجمع  عددا من الاسماعيلية وبدأ نشاطه فى ظروف كان الانقليز يبحثون فيها عن معين يساعدهم على بسط نفوذهم فأيدوه ثم تخلو عنه ثم اعادوا الثقة فيه بعد ان ترك بلاده ايران وهاجر الى الهند ليستقر فى مدينة بومباى وهناك اطلقوا عليه لقب آغا خان واعترفوا به إماما للطائفة الاسماعيلية النزارية .

ولا ينكر ما لهذه الاسرة من فضل على المسلمين بقطع النظر عن الاختلافات المذهبية كما لا ينكر ما فعلته هذه الاسرة من تنظيمات مدققة للاسماعيلية فى آسيا وافريقيا وما بذلته من جهود للرفع من مستوى افراد هذه الطائفة ثقافيا واقتصاديا وعلميا .

وجيلنا لا يجهل آغا خان الثالث وما يروى عنه من قصص تتعلق بحياته وحياة اتباعه وكيف يزنه اتباعه مرات بالذهب ومرات بالماس ومرات بالبلاتين فى مناسبات هامة ثم يقدمون هذا المبلغ هدية له رمزا لمحبتهم وتقديرهم له هذا مع العلم ان هذا الامام يملك ثقافة عالية ويعيش حياته بكل حرية ، وق عبر الدكتور محمد كامل حسين عن استغرابه من خلال سؤال توجه به اليه فى كتابه القيم طائفة الاسماعيلية .

لقد ادهشتني بثقافتك وعقليتك فكيف تسمح لاتباعك أن يدعوك إليها ؟ كان الجواب ذكيا جدا ومثيرا للدهشة والاستغراب أيضا .

" هل تريد الاجابة عن هذا السؤال ان القوم فى الهند بعبدون البقرة ألست خيرا من البقرة " .

ثم يقول الدكتور محمد كامل حسين " خرجت من عنده وأنا أفكر فى هذا الرحل الذي اعتقد فيه اتباعه الالوهية او على الاقل ان نور الله حل به ، وكان هو يعلم أنه ليس بآله ولم يمسسه نور الله ومع ذلك ترك اتباعه فى اعتقادهم دون ان يرشدهم الى الحقيقة

وأضيف الى هذا فأقول عجبا لقوم أمرهم الدين بأن يؤمنوا بأنه لا إله الا الله وان محمدا رسول الله ومع ذلك ينخدعون وتختلط عليهم العقيد بالاباطيل . وذلك ما وقع فيه اصحاب الايدولوجيات القديمة .

. للبحث صلة -

مصادر البحث :

افتتاح الدعوة : للقاضى النعمان طائفة الاسماعيلية : الدكتور محمد كامل حسين تاريخ الفلسفة العربية : حنا الفاخورى والدكتور خليل الجر مذاهب الاسلاميين : الدكتور عبد الرحمان بدوى ضحى الاسلام ج 4  أحمد أمين الحضارة الاسلامية فى القرن الرابع الهجرى : آدم منز ترجمة محمد الهادى

بوريده

ديوان ابن هانى الاندلسى ديوان تميم ابن المعز

اشترك في نشرتنا البريدية