الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

المسلمون بين العقيدة والايديولوجية،

Share

العقيدة الاسلامية هى تصور لنموذج من المجتمع فى علاقاته مع أفراده وفى علاقات هؤلاء مع الله.

ولذلك تشتمل هذه العقيدة على تعاليم تضبط علاقة المسلم بالله كما تضبط علاقة المسلمين مع بعضهم فى معاملاتهم الدنيوية كالبيع والشراء ، والزواج والطلاق ، والارث وحدود المخالفات.

ولقد تعلق المسلمون بهذه العقيدة ورأوا فيها النور الحق الهادى للانسان فى ظلمات الحياة كما رأوا فيها النظام الكامل الضابط للعلاقات بين الجميع فى اطار العدل والمساواة وحرية الارادة وكان ايمانهم بهذه العقيدة مصدرا لحماسهم ومحررا لطاقاتهم الانسانية فاندفعوا الى التضحية بأرواحهم والاستبسال فى محاربة خصومهم فى مواقف رائعة تكاد تكون فريدة من نوعها فى سجل تاريخ البشرية.

وكان هدفهم من كل ذلك اعلاء كلمة الله وتحرير الانسان من الجهالة وتوفير الكرامة وتأمين حياتهم من فوضى الجاهلية بما تشتمل عليه من ظلم واستبداد واستعباد وحرمان وهي الاهداف التى نادى بها الاسلام ودعا الى التعلق بها .

وقد آمن المسلمون بهذه العقيدة جملة وتفصيلا وتشبثوا بجميع عناصرها دون أن يفسحوا المجال لاى كان بأن يخل بأحد عناصرها ، لانهم رأوا فيها كلا لا يتجزأ والاخلال بواحد منها قد يكون ذريعة الى الاخلال بغيره ، مما قد يفضى فى النهاية الى الاخلال بها جميعا . وهذا يعنى عودة الحياة الجاهلية بجميع مقوماتها . الامر الذي يرفضه المسلمون رفضا قاطعا وخاصة فى تلك الفترة الاولى التى كان المسلمون فيها حديثي عهد بالاسلام وعاشوا حياة

الجاهلية وعرفوا فضل الاسلام . ولهذا لم يتسامح أبو بكر الصديق مع من رفضوا أداء الزكاة وحاربهم حتى أعادهم الى الالتزام بكل ما تشتمل عليه العقيدة الاسلامية من أركان كالزكاة والصيام والصلاة الخ .

وعلى هذه السيرة من الانضباط والالتزام سار عمر بن الخطاب فى تسييره لشؤون المسلمين بعد أبى بكر وقد عرف بالعدل والشجاعة وبعد النظر وسلامة التصور ، وبموت عمر وتسلم عثمان أمر المسلمين أخذ الامر يختلف ، فالمسلمون بدأوا يألفون حياة العقيدة الاسلامية واطمأنوا الى رسوخ دعائم الاسلام ، وأخذ الخوف من العودة الى الجاهلية يزول من القلوب فعادوا الى حياتهم الدنيوية يلتمسونها ، ورأى الخليفة عثمان أن الامر اصبح يحتاج الى المزيد من النفوذ والقوة لتدعيم هيبة الخلافة فاستعان بأقاربه وأوكل اليهم بعض الوظائف وقربهم اليه الامر الذي اقلق الناس ثم تحول هذا القلق إلى معارضة صريحة أدت فى النهاية الى فتنة بين المسلمين ذهب ضحيتها الخليفة عثمان ، ومن هنا انفتح المجال للنقاش بين المسلمين فى كيفية تأمين العقيدة الاسلامية والسير بها فى الطريق التى رسمها لها الرسول الاعظم محمد بن عبد الله .

ولم يقتصر هذا النقاش على النخبة من الصحابة وانما امتد ليشمل كل الناس ولقد تركز النقاش حول من يتولى الخلافة باعتبارها وظيفة قيادية تتكفل بحماية العقيدة والعمل على نشرها وتأمين حياة المسلمين فنادى قوم من المسلمين بخلافة على وقالوا بأنه أحق بها من غيره لقرابته من الرسول وذهب آخرون الى غير هذا الرأى وفي هذه الظروف الحادة تمت البيعة لعلى ، وكان من نتيجة ذلك ان تصدع أمر المسلمين فبرز الانشقاق فى شكل كتل سياسية كل ينادى بأحقيته فى الخلافة ، ومنذ هذا التاريخ أخذ تاريخ المسلمين منعطفا جديدا تركز فيه اهتمام الناس على السياسة بما تشتمل عليه من سلطة ووقعت الحرب بين على وانصار عائشة ، طلحة والزبير فى معركة الجمل المشهورة ثم كانت بعدها الحرب بين على ومعاوية الذى كان واليا على الشام والذى يطالب بدم عثمان والقصاص من قتلته ، ثم انتهت هذه الحرب بانقسام المسلمين الى احزاب ثلاثة ، الخوارج والشيعة اتباع على والأمويون اتباع معاوية ، وهذه الاحزاب الثلاثة لم تختلف عن بعضها فى أول أمرها اختلافات ايديولوجية وانما كان اختلافها منحصرا فى من يتولى خلافة الرسول ، فالخوارج يسندون هذه الوظيفة الى كل مسلم تتوافر فيه شروط القيادة من كفاءة وتقوى وفهم للدين ، والأمويون وأهل الشام ساندوا معاوية

اقرارا للأمر الواقع اما الشيعة فقد ساندوا عليا بحجة قرابته من الرسول وأحقيته فى خلافته وبأنه أكثر الناس معرفة برسالته وأقدرهم على تبلبغها والتبشير بها وان هذا الحق يجب ان يكون متسلسلا فى ذريته الى ان يرث الله الارض ومن عليها ، وتدعيما لهذه النظرية قالوا : إن الله امر بذلك فى آلآية التى نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم اثناء عودته من حجة الوداع حينما نزل بالجهة بين مكة والمدينة فى مكان يعرف بغدير خم فى الثامن عشر من ذى الحجة ، وهي قوله تعالى : " يأيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك ، وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " وبعد نزول هذه الآية أمر الرسول بالصلاة بالمسلمين ثم خطب فيهم وهو آخذ بيد على ، ومما ورد في هذه الخطبة قوله:" ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من انفسهم قالوا بلى يا رسول الله قال ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه قالوا بلى يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه ، و عاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وادر الحق معه حيث دار و ما كاد الصحابة يسمعون ذلك حتى سارعوا فى تهنئة على وكان فى مقدمة المهنئين عمر بن الخطاب.

فالشيعة أولوا الآية تأويلا يتفق وغايتهم ونقلوا هذا الحديث فى جميع كتبهم واعتبروا يوم الغدير عيدا من أعيادهم ما يزالون يحتفلون به الى اليوم ، وهم لذلك يحصرون الخلافة فى على وفي نسله من بعده ولم يعترفوا بخلافة غيره .

هذا هو الاساس الاول للخلاف بين المسلمين وهو منحصر فيمن يتولى أمر المسلمين ومن هو أحق بخلافة وامامة المسلمين فى الأمور الدينية ، والدنيوية وهذا الخلاف لم يخرج عن كونه خلافا سياسيا على السلطة فالشيعة يطالبون بنظام سياسي يكون فيه الحكم وراثيا على نحو ما كانت عليه الدول القديمة مثل مصر وبابل وروما وفارس والتى كان الملك فيها يجمع بين السلطة الروحية والمدنية ويستمد نفوذه من الإله ، ولذلك كان الملك مقدسا ولا ينازعه فى الحكم أحد ، اما الخوارج فلقد كانوا ديمقراطيين يرون الخلافة حقا لكل مسلم بشرط أن تتوافر فيه شروط الكفاءة والعلم والتقوى بقطع النظر عن الجنس واللون.

ولا غرابة ان يكون صدى هذا الحزب ضعيفا ، لان الاسلام وان انتشر خارج الجزيرة العربية وفي شعوب غير عربية الا أن قوته ما تزال فى العرب

وخاصة لدى الصحابة والتابعين والمهاجرين والانصار ، وليس من السهل على العرب ان يجعلوا الخلافة فى غير قريش ولذلك فشل الخوارج على امتداد التاريخ رغم ما كونوه من مناضلين فى مستوى الشعراء والادباء والعلماء وغيرهم .

ورغم هذه الخلافات السياسية التى صدعت كيان المجتمع الاسلامي فإن العقيدة الإسلامية كما فهمها الصحابة والمسلمون الأوائل ظلت هى الخيط الذى يشد المسلمين بعضهم الى بعض والقاعدة التى ينطلقون منها فى تنظيم أمورهم السياسية والاجتماعية والروحية.

فكان ايمانهم بالعقيدة يطغى على ايمانهم بالامور التى تتعلق بالدنيا ، ومن أجل ذلك صرفوا طاقاتهم فى تدعيم الدين ونشره بين البشر ، متخطين حدود الجزيرة الى التوغل فى أرض فارس والروم ، وكان لتصميمهم هذا ووحدة كلمتهم الأثر الفعال فى استقطاب اهتمام المسلمين وتوجيههم نحو الفتح وفي اضعاف الروح المعنوية للشعوب المجاورة بما اظهروه من تصميم وعزم وشجاعة وتفان فى تجسيم اهداف الإسلام فى العدل والمساواة والإخاء بين البشر .

غير ان هذه المرحلة الهامة فى تاريخ الاسلام لم تعمر طويلا وسرعان ما انقلبت الاحوال واخذ الاهتمام بالسياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية يستحوذ على عقول الناس وعواطفهم وظهر ذلك فى شكل تنظيمات سياسية كتنظيم الخوارج والشيعة او فى شكل اعمال فردية كدعوة أبى ذر الغفاري الاجتماعية ومناداته بالمساواة الاقتصادية والاجتماعية او دعوة عبد الله بن سبأ الذى يسميه المؤرخون ابن السوداء ، ومناداته بتأليه على بن ابي طالب وكان لهذه التنظيمات او الدعوات تأثيرها فى تغيير مجرى تاريخ العقيدة الاسلامية ، ولا غرابة ان يحدث مثل هذا التغيير بعد أن شملت العقيدة الاسلامية شعوبا لها آدابها وتقاليدها وامتيازاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ولها تراثها الثقافي . اعتنق البعض منها الدين الجديد عن اقتناع ورغبة ودخل البعض منهم عن رهبة او عن طمع او ما اشبه ذلك وظل هؤلاء جميعا يترقبون الفرص لفرض وجودهم فى المجتمع الجديد عن طريق النشاط الثقافي والفكرى والسياسي ، خاصة ان اتاحة هذه الفرص ليست عسيرة فى ظل الدين الاسلامي الذي تركزت مبادئه على أساس الأخوة فى الدين ، ومن هنا انفتح المجال لكل الذين دخلوا فى الاسلام او لكل الذين

عاشوا فى ظل الاسلام بأن يمارسوا جميع الانشطة  وان يبرزوا مواهبهم فى شتى الميادين وان يساهموا فى إبداء الرأى فى شرح العقيدة الاسلامية وتطبيق محتواها على الواقع الاجتماعى بمختلف نزعاته وكان من نتيجة ذلك ان تعددت الاتجاهات وتنوعت التصورات واختلفت النظرة لمفهوم الحكم بين الحاكم والمحكوم وانتشر السخط على الحاكمين بين المسلمين لانصرافهم عن المثل الدينية الاسلامية التى جاء بها القرآن الكريم وسنة رسول الله وصاروا يتطلعون الى ايام الخلفاء الراشدين ويتحسرون على زوالها ويتمنون لو يعود حكم الاسلام كما كان ، ذلك الحكم الذي كان يتميز بالدفاع عن العقيدة وتدعيم اركانها والعمل على نشرها ، فهذا الامام مالك بن أنس يعبر عن شعور عامة المسلمين فى السخط على الحكام العباسيين متهما اياهم بالانصراف عن الدين الى الاهتمام بمتطلبات الدنيا ومقتضيات الحكم ، وليس من شك فى ان هذا الشعور لم تتميز به جماعة دون اخرى وانما هو شعور عام يشمل جميع المواطنين بقطع النظر عن انتماءاتهم المذهبية او السياسية ، وهكذا اخذت العلاقة بين الحاكم والمحكوم تفقد لحمتها وبدأت تلك الروابط المعنوية تتساقط الواحدة بعد الأخرى وحلت محلها روابط مادية لا تقدر على جمع الشمل وتكتيل الصفوف ونشر الامن وتدعيم هيبة الدولة ، الامر الذى مهد السبيل للطامعين والحاقدين والمتحرفين لتحقيق اهدافهم عن طريق أيديولوجيات تستأثر باهتمامات الناس بما تتضمنه من وعد بإزالة الفساد وتحقيق العدل وتوفير الحياة الكريمة للجميع.

وكان لا بد لكل هذه الايديولوجيات من التستر بلباس الدين ولو كانت بعيدة عنه ، وما مذهب الخرمية الذى دعا اليه بابك الخرمي الذي ينادى باللذة فى الحياة سوى واحدة من هذه الايديولوجيات التى لبست فى الظاهر لباس الدين واستبطنت نظرية فى السياسة والاقتصاد وتنظيم المجتمع تختلف تمام الاختلاف عما جاءت به العقيدة الاسلامية.

وهكذا يتضح لنا ان الفترة التى عاشها المسلمون فى ظل العقيدة الاسلامية كما نزل بها القرآن وكما جاءت فى السنة النبوية المطهرة هي فترة الشيخين : أبى بكر وعمر وان بداية الشك هى الفترة التى تولى فيها الخلافة سيدنا عثمان ثم أخذ يقوى بعد ذلك حتى استفحل أمره فى العهد الأموى الذى تميز معظم الحكام فيه بالانشغال بالامور الدنيوية والانغماس فى الملذات المادية وظل هذا الشعور يقوى فى نفوس المسلمين ، ويتعاظم سخطهم على الحكام الذين لم يهتدوا الى سياسة تطمئن اليها النفوس بما توفره من أمن اجتماعى ، حتى

انقلب هذا السخط الى عمل ايجابي يهدف الى الاطاحة بنظام الحكم فكان الصراع وقامت الثورات ونادى كل ثائر بأنه المنقذ من الفساد وانه الذى سينشر العدل بين الناس مستغلين فكرة الشيعة التى ترتكز على مبدأ الامامة وحصرها فى على وفى ذريته من بعده بالتسلسل وان الامام هو الذى يستطيع ان يرفع الظلم ويركز العدل ولن يكون هذا الامام الا من أهل بيت رسول الله.

ذلك هو الاساس الذى قام عليه حزب الشيعة ، الذى برز بوضوح فى الخلاف بين معاوية وبين على ، وان كانت جذوره تمتد الى فترة سابقة ، ولا ننسى ما نسبه المؤرخون لابن سبأ من تأليه لعلى بن أبى طالب وموقف على من هذا الدعى الكاذب.

المهم ان فكرة الامامة فى واحد من آل البيت كانت الارضية الخصبة التى وقع استغلالها فيما بعد من طرف بعض العناصر لجعل المسلمين يتأرجحون بين العقيدة الاسلامية والايديولوجية ولبعث تيار جديد يصطبغ بالنزعة الثورية سواء فى المجال السياسى أو المجال الفكرى الفلسفى ومن الطبيعي أن يكون دعاة الثورية متسلحين بالفكر لانهم يواجهون قوة لا يمكن الصمود أمامها او الانتصار عليها الا بتكوين رجال اشداء يملكون من الحماس والايمان والمواهب ما يجعلهم ينفذون الى اعماق الناس ويؤثرون فيهم ، كانت مبادئ حزب الشيعة محصورة فى أول الأمر فى القول بإمامة على وتسلسل الإمامة فى ذريته ، ولذلك ظل الشيعة يلتفون حول الاكبر سنا من أهل بيت رسول الله يأخذون عنه المعرفة وعلوم الدين ويعتبرونه الامل فى الخلاص من جور الحكام واضطهادهم ، وكان من نتيجة ذلك ان توجس الحكام خيفة من أهل البيت فأحاطوهم بالرقابة ونكلوا بهم أحيانا ، ولكن انتشار أهل البيت فى الأمصار جعل من الصعب معرفة أكبر افراد الأسرة سنا لذلك طوروا فكرتهم وقالوا باختيار ابرز أهل البيت فى الحياة الاجتماعية ثم ألمعهم شأنا من أبناء الحسين ، وخاصة بعد ان ظهر فى فرع الحسين رجل عرف بمواهب نادرة فى العلم والدين هو جعفر الصادق.

ولما مات جعفر الصادق سنة 147 ه . انقسم الشيعة بسبب الإمامة الى فرقتين فرقة نادت بإمامة موسى الكاظم وسلسلوا الايمة فى الأكبر سنا من عقبة الى الإمام الثاني عشر وهو محمد بن الحسن العسكري الذي قيل انه اختفى فى سرداب بمدينة سامراء خوفا من اضطهاد العباسيين ويعتقد اتباعه

انه لم يمت وانه ما زال حيا وسيخرج من سردابه يوم القيامة ويقولون انه المهدى المنتظر ، وتسمى هذه الفرقة الاثنى عشرية وينتمى اليها الشيعة فى العراق وايران ، اما الفرقة الثانية فهى الإسماعيلية التى نادت بإمامة اسماعيل بن جعفر الصادق وهذه الفرقة لعبت دورا هاما فى تاريخ الاسلام وتمكنت من تأسيس دولة كبرى هى الدولة الفاطمية التى امتد نفوذها من شمال افريقيا الى مصر والشام والجزيرة العربية وبانقسام الشيعة الى فرقتين ازداد انقسام المسلمين واضيف هذا التقسيم الى التقسيمات الاخرى التى نتجت اما عن اختلافات سياسية كالذى ذكرناه سابقا واما عن اجتهادات فكرية كالذى حدث بين المعتزلة وأهل السنة أو اجتهادات فى الفقه الاسلامى كالذى حدث بين المذاهب الأربعة .

الا ان الملاحظ ان كل هذه الاختلافات الفكرية او الفقهية لم تكن فى العناصر الجوهرية التى تتكون منها العقيدة الاسلامية فالجميع يشتركون في الايمان باركان الاسلام ولكن الخلاف بين الشيعة وأهل السنة والجماعة انبنى على اضافة ركن آخر للاسلام من طرف الشيعة وهو الايمان بالامامة اى لابد للمسلمين بعد الرسول من امام يقوم بالشؤون الدينية والدنيوية ووصفوا الامام بما يوصف به الرسول وقالوا انه معصوم من الخطأ . قال محمد بن الحسين آل كاشف الغطاء : " يعنى ان يعتقد ان الامامة منصب إلهى كالنبوة فكما ان الله يختار من يشاء من عباده للنبوة والرسالة فكذلك يختار للامامة من يشاء ، ويأمر نبيه بالنص عليه وان ينصبه اماما للناس من بعده للقيام بالوظائف التى كان على النبى ان يقوم بها ، ويشترط على الامام ان يكون معصوما كالنبيء عن الخطا والخطيئة "

ورغم هذا الخلاف فليس هناك ما يدعو الى التفرقة الجوهرية بين الشيعة وأهل السنة فى التعلق بالعقيدة الاسلامية وفي فهمها وتفسيرها ، حتى ان الامام مالك بن أنس تتلمذ على الامام جعفر الصادق وذلك لما عرف به من اعتدال فى الرأى ، ولكن بمرور الزمن ظهر الانحراف وبرز الغلاة من الشيعة بآراء تبرأت منها الشيعة المعتدلة .

ولقد ظهر الغلو بشكل واضح فى اتباع المذهب الذين لم يعترفوا بامامة موسى الكاظم ، فلقد اصبح هؤلاء في نهاية القرن الثالث الهجرى فرقة سياسية ودينية ذات ايديولوجية مضبوطة ، وسعت الى كسب الانصار فى شتى انحاء العالم الاسلامى وذلك بواسطة دعاة انتشروا في

كامل أطرافه يبشرون بقرب ظهور المهدى المنتظر من نسل اسماعيل بن جعفر الصادق.

ولعل أول عمل بارز لهذه الفرقة تمثل فى ظهور القرامطة بالبحرين والعراق وبذلك أخذ المسلمون ينزلقون فى تيارات ايديولوجية تتضمن آراء في السياسة والاقتصاد وتنظيم المجتمع تختلف اختلافا جوهريا عما تضمنته العقيدة الاسلامية ، كما وجد اصحاب المطامح فى فكرة المهدى المنتظر مجالا للادعاء فكثر الادعاء وتعددت فرق الغلاة من الشيعة ومن عرفوا بالباطنية فكانت الاسماعيلية ، والقرامطة ، والدروز ، والنصيرية وقد ذكر صاحب "الفرق بين الفرق " اسماء كثيرة لهذه الطوائف التى ما يزال اتباعها يعيشون في عدد من البلدان الاسلامية فى سوريا ولبنان واليمن والهند والباكستان والعراق وايران والبحرين.

نعم كان ظهور القرامطة منعرجا حادا فى تاريخ المسلمين كما كان نتيجة عوامل سياسية واقتصادية وحضارية وعنصرية ، وهي العوامل التى لم يستطع الحكام المسلمون منذ ان مات عمر ان يعملوا على ازالتها او التخفيف من حدتها وانما تركوها تنخر جسم المجتمع الجديد الذي تجمع تحت مظلة الاسلام ولكن على غير اتفاق فى كيفية تسيير شؤون الحياة الدنيا . فكانت هذه العوامل بمثابة النار الكامنة تحت الرماد تنتظر نسمة من الهواء لتشتعل ، وقد ساعدت الظروف منذ وقت مبكر على هبوب اكثر من نسمة ، واستغلت من طرف كل العناصر وتوجه بها كل واحد وجهة معينة وفي تيارات متنوعة فى مجالات الادب والفلسفة والفقه والسياسة وطرائق الحياة وانحذب الناس نحو هذه الميادين ، وانحفرت فى جسم المجتمع الاسلامي اخاديد عميقة شملت كل شىء بما فيها العقيدة الاسلامية التى تستر بظلها المغرضون وتناولها بالبحث المتفلسفون والمتكلمون ، والمتفقهون . واستغلها الطامعون والحاقدون من اصحاب الديانات القديمة وممن فقدوا سلطانهم من الشعوب التى دخلت فى الاسلام ، كما استغلها كل الذين أحسوا بالفوارق الاجتماعية فى مجالات الاقتصاد ووظائف الدولة.

؟ ! ومن الطبيعي ان يتستر كل هؤلاء بظل الدين لان عقول الناس لم تكن مهيأة لقبول أية دعوة لا تستند الى الدين وفي نطاق هذا التستر بجميع ابعاده تكونت الايديولوجيات التى كانت تتضمن نظرية فى السياسة والاقتصاد

تجعل من الدين وسيلة ليس الا وتخضعه لها بحيث يمكن تأويل كل النصوص بما يتفق وتلك النظرية ، ومن هنا انفتح باب جديد من التأويل وزالت قدسية النص واصبح مجرد رمز ظاهرى لعالم من المعانى الباطنية التى ينبغي للعلماء والعارفين ان يقتفوا اثرها وان يتخطوا الحواجز المادية الظاهرية لبلوغها والكشف عنها.

ولهذا فلا غرابة ان نعتبر ظهور الغلاة بداية التحول عن العقيدة الى الاعتماد على الايديولوجية أى التحول من مجتمع يعتبر الدين كل شىء فى حياته الى مجتمع يتستر بالدين ويعتبر الاقتصاد والسياسة والدنيا هى كل شىء فمن هم أصحاب هذه الايديولوجيات ؟ كتب التاريخ القديمة تسميهم جميعا الباطنية وتدرجهم فى قائمة طويلة والكتب الحديثة توسعت فى البحث بما تجمع لديها من وثائق مخطوطة ومن كتب المؤرخين القدامى وميزت بين الإسماعيلية والقرامطة والدروز والنصيرية.

ولا بأس ان نحدد ملامح كل فرقة حتى نتعرف أكثر على التيارات السياسية التى هزت كيان المجتمع الاسلامى منذ أمد بعيد .

- للبحث صلة -

اشترك في نشرتنا البريدية