مقدمة :
إن الحياة أرحب وأشمل من الشعر ، فهو فى مواضع عديدة يلفى نفسه عاجزا عن الاداء وتسقط الاسطورة فيجد الشاعر نفسه مكبلا بواقعه لا النثر ولا الشعر يستطيعان تخليصه مما يعانى وتبقى افكاره حبيسة ذاكرته حتى تمحى أو تترجم بفعل اذا كان ذلك فى حيز الامكان .
وليس كل ما يؤرق الشاعر قابلا للتدوين ، واللغة اصلا ليست سوى اصطلاح نسبى الفاعلية فى نقل الاحساس أو المعاناة ، واذا كان الكلام مقصرا فى نقل الفكرة فان وجوده يصبح عبثا ويكون الصمت بليغا يحمل بين طياته الكلام المتوقع ، ويستطيع السامع او القارئ الذى يترقب ان يستشف رموزا وافكارا تلائم طريقة تفكيره وتتماشى والموقف الذى ألفه من المتكلم أو الباث .
كان الشاعر الجاهلى اذا احس بفكرة تؤرقه يصوغها شعرا أو نثرا فى قالب خطبة وفى كثير من الاحيان قد يكون مرتجلا ، اذا كان حماسيا ملحنيا يتغنى بالبطولة والانفة وشدة البأس . وما ان حل الاسلام حتى اصبح الشعر أقل التصاقا بذهن العربى ولم يعد المنبع المعرفى الاول ، لكنه تحول الى وسيلة تعبير من بين وسائل أخرى على انه ظل فى تلك الفترة محتفظا بصدق المعاناة خصوصا البدوى منه . وجاء عهد الخلافة العباسية بعد تقويض ملك بني أمية فاضحى كل شئ خاضعا للصنعة . وتحول اغلب الشعراء الى صناع ووضعت قواعد تحدد الشعر و " تخلص جيده من رديئه " على حد قول قدامة
بن جعفر ( 1 ) . ووضع الخليل علم العروض ليقول للشعراء ان الشعر ليس كل ما يتبع النمط القديم ويحتوى على صدر وعجز بل ان العنصر الاهم فيه هو تواتر التفعلية واعادتها حسب البحر المتوخى . ووجد الشعراء أنفسهم مرة أخرى خاضعين لذلك التقنين . واجتهدوا كى يقولوا شعرا هو أقرب ما يكون إلى تحديدات الخليل ، وفى مطلع القرن التاسع عشر كان شعراء " النهضة " يحاولون احياء الشعر والعودة الى الاصول ، وكان شعرهم نسخه باهتة من شعر جرير والفرزدق وبشار والمتنبى والشريف الرضى والمعرى و كان الانفصام واضحا بين حياتهم اليومية وتجربتهم الشعرية - ان صح انهم كانوا يعانون - وبقيت اجسامهم فى الحاضر فى حين ان افكارهم وشعرهم ظل متشبثا بالماضى البعيد ( 2 ) .
وجاء جيل آخر وبقى كل شئ على عواهنه ، وبقى شوقى ومطران وحافظ الرصافى يقولون شعرا قديما ويلبسون الحياة اليومية رداء قديما ليس فى وسعه ان يقيها الغوائل بل ان يزينها ويضفى عليها جمالا . وكان رد فعل العقاد والمازنى فى " الديوان " ( 3 ) ، منطلقا من الحرص على الصدق الموجب للتجديد وقد عابا على شوقى اغراقه فى التمسك بالتجربة القديمة بالرغم من ان المعاناة والمواضيع التى تشكل شعره ، حاضرة ومعاصرة .
وحاول جماعة " أبولو " وعلى رأسهم احمد زكى أبو شادى ، ان يضفوا مسحة جديدة على طرق موضوعاتهم وكانت اشعار علي محمود طه ، وابراهيم ناجى ومحمود حسن اسماعيل خاضعة للاوزان القديمة بالرغم من جدة المواضيع وطريقة معالجتها
اما شعراء المهجر ، سواء اعضاء الرابطة القلمية بشمال أميركا أو العصبة الاندلسية بالبرازيل ، فقد قاموا بمجهودات كبيرة على مستوى الشكل - نلاحظ ان الشكل والمضمون وحدة لا تتجزأ - فلم يلتزموا نفس القافية وكان شعرهم اشبه ما يكون بالشعر الاندلسى فى أواخر ايام العرب بها . اما
الموضوعات التى طرقوها فكانت جديدة ونابعة من الهموم التى يعيشها اغلبهم فى الغربة ومن تأرجحهم بين الاقامة والعودة الى ديارهم ، وقد اسهموا فى تطوير التجربة الشعرية ومهدوا لظهور حركات اخرى على هذا الصعيد .
وكان هؤلاء فى قمة العطاء عندما انبثقت فى الاربعينات حركة جديدة سميت بحركة " الشعر الحر " واختلف النقاد فى تحديد رائد هذه التجربة كما اختلف الرواد أنفسهم . فهناك من يعد بدر شاكر السياب أول من كتب قصيدا حرا " هل كان حبا " ، وآخرون يقولون ان الاعتماد فى اظهار صاحب هذا التجديد يجب ان يتم باعتماد تاريخ كتابة لا تاريخ ظهور القصيد ، وادعت نازك الملائكة ، ان قصيدها " الكوليرا " هو أول قصيد فى الشعر الحر ، تقول صاحبته انه من الوزن المتدارك ( 4 ) . ومهما يكن من أمر فان التجربة لقيت صدى بعيدا فى أوساط المثقفين كما هوجمت من قبل بعض المتشبثين بالقديم المتسترين برداء الاصالة والمحافظة على التراث .
وبقي هؤلاء الشعراء يكتبون على الطريقة القديمة ويمعنون فى التجريب حتى ارسوا قواعد " الشعر الحر " ، وردا على بعض من ظن أن الشعر الحر لا يخضع لقواعد وليست له اية تحديدات ، قال نزار قبانى قوله الشهير : " من يحاول فك وتر العود عن العود لم يبق منه الا قطعة خشبية كل ناقر عليها يستطيع ان يحدث صوتا " ، ليثبت لهؤلاء أن مركبه صعب وانه يخضع للتفعلية ويعتمد الوزن وان الايقاع جزء لا يتجزأ من ماهيته .
وبالرغم من ان احمد الصافى النجفى والجواهرى وبدوى الجبل عارضوا هذا الشعر بشدة ، فانه اثبت لهم قدرته على الاستمرار والعطاء كما اصبحت عدة موضوعات خاضعة له ولا يلين جانبها للشعر العمودى الذى عجز عن المواكبة الكلية لمختلف الموضوعات التى جدت بتنوع الحياة ذاتها . وما كادت تمر سنوات معدودات حتى رسخت اسس هذا الشعر وراح شعراء أمثال السياب ونزار قبانى والبياتى وبلند الحيدرى وفدوى طوقان ثم بعدهم بقليل الفيتورى ، وصلاح عبد لصبور ، والخال ، يبدعون ويؤكدون بلا لبس بأن الشعر الحر قادر على الاستمراز وانهم يبزون فى أغلب الاحيان انصار القديم ورافضى التجديد .
وكان من بين نتائج ظهور الشعر الحر ردود عديدة على مستوى الابداع نذكر منها المجموعة التى طلعت على الحياة الادبية بما اسمته " فى غير العمودى والحر " ، ولعلها كانت مدفوعة بدافع الحرص على التجديد شكليا ، لان المواضيع المطروقة بقيت تحمل مضامين مألوفة ، واعتقد بانها كانت تلقائية وتميل الى السهولة لان التحلل من الايقاع والوزن كليهما يتيح السهولة دون التقيد بهاجس الابداع الحقيقى ، وقد تجاوز هذه النظرة الكثيرون وبقي بعضهم من روادها يؤصلونها ويدافعون عنها كبديل حتمى لما كان عليه الشعر آنذاك من تأرجح بين التقليد والتجديد المحتشم .
أما أدونيس فانه ما انفك يعمل لتفجير اللغة الشعرية والبحث عن أشكال تتماشى والشعر الجديد الذى اسماه " قصيدة النثر " ، فثارت ثائرة بعض المقنعين برداء الاصالة والمحافظة على قداسة الشعر ، واشفق آخرون على جهود أدونيس من التلاشى . حتى ان نازك الملائكة تقول ان هذا " بدعة غريبة " ثم تضيف : " والحقيقة التى يعرفها المختصون والمتتبعون ان طائفة من ادباء لبنان يدعون اليوم الى تسمية النثر شعرا " ( 5 ) .
ولكن علي أحمد سعيد ( أدونيس ) ، اثبت لهم عبر كتاباته المتواصلة ان هذا النوع الشعرى يفرض نفسه فرضا ، ولم تمض بضع سنوات حتى كان الشباب وحتى بعض الشعراء الرافضين أنفسهم يكتبون " قصيدة النثر " مؤمنين بجدواها وقدرتها على تفجير اللحظة الشعرية عبر الكلمة ونذكر هنا جهود " انسى الحاج " فى هذا المجال وتعريفاته فى ديوانه " لن " وقصائده الشهيرة المثبتة فى هذا الديوان ( 6 ) ، واصبحت جماعة مجلة " شعر " قبلة النقاد والباحثين عن الجديد بكل اشكاله . والآن وبعد ان انقضى " جيل الستينات " - ان صح التعبير - علاوة على جهود شعراء الارض المحتلة مثل محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد واحمد دحبور وعلي الخليلى ، فان شعراء السبعينات ما زالوا بين متشبث بالشعر الحر ورافض له بتبنى قصيدة النثر ، وبين باحث عن شكل جديد يصب فيه افكاره ويؤطر عبره شكلا جديدا يرضى ميله الى التجديد والابتكار . ويجدر بنا ان نذكر هنا ان " النهضة الشعرية " أو تأصيل التجربة ، ليس خاضعا لنفس المقاييس ولا هو يتبع
نفس الوتيرة من بلد الى آخر ، وحين نتكلم هنا فاننا نأخذ بالدرس مجموع التجارب وتفردها ، معتبرين الساحة الادبية العربية واحدة والاثراء الذى يلحق مجموعة فى بلد ما انما هو جزء من حلقة كبيرة لها اواصرها فى كل جزء من الوطن العربى . . .
والآن وبعد هذه الخلاصة السريعة نرى من الاكيد طرح السؤال : ما هى المشاكل التعبيرية العامة فى الشعر الحر كنمط جديد - نسبيا - فى الكتابة الشعرية ؟
قبل الخوض فى محاولة الاجابة عن هذا السؤال ، نرى من المفيد توضيح المقصود " بالمشاكل التعبيرية " ، ثم اثبات وجودها ومن هناك الخلوص طرحها بعد ذلك .
( يتبع )

