قرأت فى الجريدة خبرا مثيرا . فالتفتت اليه تقول ، ووجهها يشع بالامل: - اسمع ياعزيزى . . جاء الفرج هذه المرة ايضا ، بعد الصبر الطويل.
واصغى الرجل بكل جوارحه . فراحت المرأة تقرأ له ذلك النبا العظيم وهى تقطع الكلمات ، فيسيل لعابها ، مع المقاطع المنغومة :
اعلنت الادارة العامة لتشجيع المؤلفين فى العالم عن جائزة ضخمة ، تمنحها لاحسن مؤلف للاطفال والاولاد ، فى كل بلد من بلدان العالم الحر . فهلموا الى تقديم كتبكم ايها المؤلفون الى مديرة الفرع فى العاصمة ، قبل فوات الفرصة . والجائزة ضخمة جدا !
قرات المرأة هذه العبارات ، دون ان تتلعثم او تخطئ فى الاعراب . فقد اطلق الفرح لسانها ، ورفع مستوى معلوماتها النحوية . ثم التفتت الى زوجها المؤلف المعروف ، وقالت :
- اسمعت . . يا الله ! حان الفرج . . . وسنشترى بالجائزة قطعة ارض ، نبنى عليها بيتا نسكنه ! انا ما تمنيت شيئا فى حياتى الا يسره الله لى !
وغامت الدنيا فى عينى الرجل . . فرحا واستبشارا ! حقا ان هذا الحلم الذى يراود خيال زوجته هو حلم حياته بالذات . ولكن الاراضى مرتفعة الاسعار ، والكتب التى الفها بالعشرات لا تكفى ارباحها لتسديد نفقات الطبع وسائر الاكلاف الاخرى
ثم هؤلاء الناشرون الذين يستأثرون بالقسم الاعظم من تلك الارباح يلتهمونها بشتى الاساليب والطرق . انهم لا يتركون للمؤلفين شيئا يصح ان يدعى ربحا . والاولى ان نسمى ما يناله المؤلف - اذا نال شيئا - فتات الموائد . . . . تلك الموائد التى يتخم اولئك الناشرون بمئاكلها الدسمة ، ثم يبنون الدور والقصور ، ويجمعون الاطيان والاموال ، والوجاهات . . الزائفة !
وشمر الرجل عن ساعد الجد . . سيذهب منذ غد الى مكتبة الناشر . .
ناشر كتبه للاطفال وللاولاد ، فيساله تزويد " مديرة فرع الادارة العامة . . بنسخة من كل كتيب . . من كتبه العشرة !
- انثى واثق من الحصول على تلك الجائزة . . لسبب ظاهر وبسيط هو اننى المؤلف الوحيد فى هذا البلد الذى وضع كتبا للاطفال والاولاد !
ويقبل الرجل مستبشرا على المكتبة . .
- ولكن بالله ! اين الناشر . . . المحترم ؛
لقد باع المكتبة والمنشورات . . . ولم يعد له اية علاقة بهذا المحل !
- كيف ؟
القى المؤلف هذا السؤال المقتضب بلهجة ندم هو فيما بعد على ما اودعها من عنف وثورة ! انه بتساؤله العنيف يكثف فى كلمات مضغوطة كل مافى نفسه من الم مكبوت ، من جراء سوء المعاملة المديد الذى لقيه ويلقاه معه المؤلفون !
ثم استأنف بعد قليل ، بلهجة الطف ، واتزان يليق بمستواه الفكرى : اعنى . . هل ترك لى الناشر عندكم " حقوق المؤلف . . " فى هذه الكتب . . فى كتبى التى اشتريتموها منه ؟
وقع هذا السؤال على تاجر الكتب الجديد موقع الصاعقة على الرأس ، فلم يدر بم يجيب ، وكيف يعلل موقفه الشاذ . ولكنه استجمع وعية بسرعة ، واجاب المؤلف الواقف تجاهه ، وكله عيون واذان مرهقة :
- انا من غير شر ، ما بعرفك ! ولما اشتريت الكتب لم اعرف ان لك حقوقا عليها !
كيف لا تعرفنى اولا . . واسمى على كل كتاب من هذه الالاف من الكتب . . ثم كيف لم تعرف ان لى حقوقا عليها ، وانا مؤلفها . . بالذات ؟
واردف الرجل بغضب ظاهر:
- هل بوسعك ان تشترى بضاعة مسروقوة . . ثم تبرر عملك يقولك انك لم تعرف انها بضاعة مسروقة ! ؟ اجب ! انا احتكم الى وجدانك اولا . .
وكاد المؤلف المفجوع بأعز ما يملك - اليس نتاج المفكر بمثابة اولاد له ؟ كاد ينفجر بالصراخ . . ولكنه تجلد ، وشد على مفاتيح رزقة يحملها فى جيبة شدا سمع له صرير كصرير الاسنان !
وانتهى الجدل بين الرجلين الى اتفاق موقت :
- اعطيك الآن النسخ التى تريدها . . على ان احاسبك بثمنها . . فيما بعد !
كيف ادفع ثمن نسخ من مؤلفاتى . . بودى تقديمها هدية . . الى الادارة العامة . . على سبيل الدعاية لها . . لبضاعتك انت الآن !
يا اخي . . انت اعرف الناس باننى انا تاجر . . وقد دفعت ثمن هذه الكتب من مالى الخاص . فليس معقولا ان اقدم مالى هدايا . . دون بدل !
- اسمع . . . سأدفع لك ثمن هذه النسخ من اصل الجائزة . . التى ساحصل عليها ! هل تريد !
- اتفقنا !
قال الكتبى ذلك ، وهو يضحك من سذاجة صاحبه :
- ما الفرق بين ان يدفع ثمنها من جيبه الآن او من اصل الجائزة التى سينالها بعد الآن ؟
وحمل المؤلف خمسين نسخة من كتبه الى مديرة الفرع ، يقدمها اليها ، كى ترفعها بدورها الى المركز العام . فرحبت المديرة بالمؤلف ، وقدمت اليه شكرها وشكر الادارة العامة على مساهمته فى تلك المباراة الدولية وقالت
- اننى واثقة من ان مؤلفاتك ستحظى بالقبول . . وبالجائزة ، لانها كتب ممتازة حقا ، فى مضمونها ، وفى اخراجها ، وفى رسومها الجميلة على الاخص
- اشكرك يا انستى . . على ثقتك ! ان الجائزة لا تغرينى . . ولكن هى كرامة بلادى . . التى اريد ان اعلى منزلتها ، فى هذا المجال الدولى !
- احسنت يا استاذ ! واجبنا الوطنى قبل كل واجب !
- وطننا مهد الاشعاع . . فعلينا ان نحتفظ له بهذه الصفة . . هذه الميزة !
هكذا عاد صاحبنا الى منزله ، وقلبه مفعم بالامل الكبير . . فاستقبلته زوجته بذراعين مفتوحتين :
الآن . . اطمأن قلبى الى مصير العيلة ! سيكون لنا ارض . . ارض صغيرة مئة متر مربع ، نبنى عليها مسكنا لنا . . وننتهى من بيوت الاجرة وغلاظة ملاكيها !
ويقول الفتى ، وفمه يتسع لضحكة رنانة لم يعهد نفسه قادرا على مثلها :
- وسيكون لنا فى المنزل الجديد جميع اسباب الراحة ، من براد ومكيف ، ومدفأة . . .
- اتمنى ان تكون المدفأة ثابتة ، فى الجدار . .!
- لك ما تريدين ياعزيزتى . . واحب ان يكون لبيتنا ايضا حديقة ازرعها بشتى الازهار !
ولا تنسى الشرفات . . الفيرندات . . اننى اريدها تلف البيت من جميع جوانبه !
- والمكيف . . اين نضعه ؟
- فى غرفة السفرة . .!
- لا فى غرفة النوم !
- ولماذا فى غرفة النوم ! انا اكره ضجيج هذه الآلة !
- انه اخف وطأة من ضجيج الشارع !
- وهل تعتقدين اننى سأبنى بيتى فى . . المدينة ، كلا والف كلا !
- اذن انت تريد ان " تحدفنا " . . الى الاماكن الموحشة !
- اية موحشة . . الضواحى اليوم صارت افضل من المدينة !
- انا افضل دائما المدينة المدينة ، ولو اكتظت بالمبانى والسكان !
- وانا افضل الضواحي . . بل القرى . . النائية !
- لك ذوقك ولى ذوقى !
- اتجادليننى فى الذوق . . وانا الاديب المعروف !
ومن قال لك اننى غير معروفة . . فانا زوجتك !
وانتهى هذا الجدل الصاخب بهذه النكتة الناعمة ، همست بها الزوجة اللطيفة . . ثم قام الزوجان ، هو ليرسم تصميما للمنزل العتيد ، وهى لتعد بعض لوازم الطفل المنتظر منذ عهد بعيد !
بعد ثلاثة اشهر وردت الى المؤلف رسالتان ، الاولى من صاحب " المكتبة الجديدة " يطالبه فيها بثمن النسخ التى اشتراها من مؤلفاته . . وقدر خمسون ليرة . . وخمسة قروش !
والرسالة الثانية كانت من مديرة الفرع للادارة العامة الدولية . . .
تقول فيها : " اما بعد فان اللجنة العامة قد اختارت مؤلفاتكم واعلنتها على لوحة الشرف : وكان ذلك بحضور ممثلى خمس وسبعين دولة . . اشتركت جميعها فى المباراة ويسرنى ان اقدم الى حضرتكم ربطا الجائزة التى نلتموها . . مع صادق التمنات !
حينئذ صعد الدم حارا الى راس الفتى . . وسرت فى اعضائه قشعريرة دافئة
- واخيرا . . سنشترى الارض !
وطار الى الغرفة المجاورة ، حيث كانت زوجته تعانى آلاما . . لم يخطر بباله انها الام الوضع ، وقال لها :
خذى . . . هذه الارض . . . الموعودة !
فتطلعت المرأة الى رجلها بعينين غائرتين من الالم الذى تعانيه ، ولكنها برغم ذلك تصنعت الابتسام . ثم تناولت منه الورقة التى حسبها هو حوالة مصرفية ، وقرأت فيها ، وهي تغالب الاوجاع :
- . . . ولهذا تمنح اللجنة العامة المؤلف الفاضل هذه . . . الشهادة الشرفية ! وسقطت الورقة من يد المرأة . . . دون ان تكمل ! كما اسقط فى يد الرجل ، فوقع على " الصوفا " المجاورة ، مهدود القوى !
ثم سمع صرخة دوت فجأة فى المكان ، دوى متفجرة موقوتة ، دون سابق انذار . فهب من مكانه مذعورا ! وراح يهئ للمولود " المشروع " الذى يعلن عن نفسه بهذا الاسلوب . . اسباب المجئ بالسلامة . . . بعد ان فشل المشروع الآخر . . . !

