الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

المشروع الآخر

Share

قرأت فى الجريدة خبرا مثيرا . فالتفتت اليه تقول ، ووجهها يشع بالامل: - اسمع ياعزيزى  . . جاء الفرج هذه المرة ايضا ، بعد الصبر الطويل.

واصغى الرجل بكل جوارحه . فراحت المرأة تقرأ له ذلك النبا العظيم وهى تقطع الكلمات ، فيسيل لعابها ، مع المقاطع المنغومة :

اعلنت الادارة العامة لتشجيع المؤلفين فى العالم عن جائزة ضخمة ، تمنحها لاحسن مؤلف للاطفال والاولاد ، فى كل بلد من بلدان العالم الحر . فهلموا الى تقديم كتبكم ايها المؤلفون الى مديرة الفرع فى العاصمة ، قبل فوات الفرصة . والجائزة ضخمة جدا !

قرات المرأة هذه العبارات ، دون ان تتلعثم او تخطئ فى الاعراب . فقد اطلق الفرح لسانها ، ورفع مستوى معلوماتها النحوية . ثم التفتت الى زوجها المؤلف المعروف ، وقالت :

- اسمعت . . يا الله ! حان الفرج . . . وسنشترى بالجائزة قطعة ارض ، نبنى عليها بيتا نسكنه ! انا ما تمنيت شيئا فى حياتى الا يسره الله لى !

وغامت الدنيا فى عينى الرجل . . فرحا واستبشارا ! حقا ان هذا الحلم الذى يراود خيال زوجته هو حلم حياته بالذات . ولكن الاراضى مرتفعة الاسعار ، والكتب التى الفها بالعشرات لا تكفى ارباحها لتسديد نفقات الطبع وسائر الاكلاف الاخرى

ثم هؤلاء الناشرون الذين يستأثرون بالقسم الاعظم من تلك الارباح يلتهمونها بشتى الاساليب والطرق . انهم لا يتركون للمؤلفين شيئا يصح ان يدعى ربحا . والاولى ان نسمى ما يناله المؤلف - اذا نال شيئا - فتات الموائد . . . . تلك الموائد التى يتخم اولئك الناشرون بمئاكلها الدسمة ، ثم يبنون الدور والقصور ، ويجمعون الاطيان والاموال ، والوجاهات . . الزائفة !

وشمر الرجل عن ساعد الجد . . سيذهب منذ غد الى مكتبة الناشر . .

ناشر كتبه للاطفال وللاولاد ، فيساله تزويد " مديرة فرع الادارة العامة . . بنسخة من كل كتيب . . من كتبه العشرة !

- انثى واثق من الحصول على تلك الجائزة . . لسبب ظاهر وبسيط هو اننى المؤلف الوحيد فى هذا البلد الذى وضع كتبا للاطفال والاولاد !

ويقبل الرجل مستبشرا على المكتبة . .

- ولكن بالله ! اين الناشر . . . المحترم ؛

لقد باع المكتبة والمنشورات .  . . ولم يعد له اية علاقة بهذا المحل !

- كيف ؟

القى المؤلف هذا السؤال المقتضب بلهجة ندم هو فيما بعد على ما اودعها من عنف وثورة ! انه بتساؤله العنيف يكثف فى كلمات مضغوطة كل مافى نفسه من الم مكبوت ، من جراء سوء المعاملة المديد الذى لقيه ويلقاه معه المؤلفون !

ثم استأنف بعد قليل ، بلهجة الطف ، واتزان يليق بمستواه الفكرى : اعنى . . هل ترك لى الناشر عندكم " حقوق المؤلف . . " فى هذه الكتب . . فى كتبى التى اشتريتموها منه ؟

وقع هذا السؤال على تاجر الكتب الجديد موقع الصاعقة على الرأس ، فلم يدر بم يجيب ، وكيف يعلل موقفه الشاذ . ولكنه استجمع وعية بسرعة ، واجاب المؤلف الواقف تجاهه ، وكله عيون واذان مرهقة :

- انا من غير شر ، ما بعرفك ! ولما اشتريت الكتب لم اعرف ان لك حقوقا عليها !

كيف لا تعرفنى اولا . . واسمى على كل كتاب من هذه الالاف من الكتب . . ثم كيف لم تعرف ان لى حقوقا عليها ، وانا مؤلفها . . بالذات ؟

واردف الرجل بغضب ظاهر:

- هل بوسعك ان تشترى بضاعة مسروقوة . . ثم تبرر عملك يقولك انك لم تعرف انها بضاعة مسروقة ! ؟ اجب ! انا احتكم الى وجدانك اولا . .

وكاد المؤلف المفجوع بأعز ما يملك - اليس نتاج المفكر بمثابة اولاد له ؟ كاد ينفجر بالصراخ . . ولكنه تجلد ، وشد على مفاتيح رزقة يحملها فى جيبة شدا سمع له صرير كصرير الاسنان !

وانتهى الجدل بين الرجلين الى اتفاق موقت :

- اعطيك الآن النسخ التى تريدها . . على ان احاسبك بثمنها . . فيما بعد !

كيف ادفع ثمن نسخ من مؤلفاتى . . بودى تقديمها هدية . . الى الادارة العامة . . على سبيل الدعاية لها . . لبضاعتك انت الآن !

يا اخي . . انت اعرف الناس باننى انا تاجر . . وقد دفعت ثمن هذه الكتب من مالى الخاص . فليس معقولا ان اقدم مالى هدايا . . دون بدل !

- اسمع . . . سأدفع لك ثمن هذه النسخ من اصل الجائزة . . التى ساحصل عليها ! هل تريد !

- اتفقنا !

قال الكتبى ذلك ، وهو يضحك من سذاجة صاحبه :

- ما الفرق بين ان يدفع ثمنها من جيبه الآن او من اصل الجائزة التى سينالها بعد الآن ؟

وحمل المؤلف خمسين نسخة من كتبه الى مديرة الفرع ، يقدمها اليها ، كى ترفعها بدورها الى المركز العام . فرحبت المديرة بالمؤلف ، وقدمت اليه شكرها وشكر الادارة العامة على مساهمته فى تلك المباراة الدولية وقالت

- اننى واثقة من ان مؤلفاتك ستحظى بالقبول . . وبالجائزة ، لانها كتب ممتازة حقا ، فى مضمونها ، وفى اخراجها ، وفى رسومها الجميلة على الاخص

- اشكرك يا انستى . . على ثقتك ! ان الجائزة لا تغرينى . . ولكن هى كرامة بلادى . . التى اريد ان اعلى منزلتها ، فى هذا المجال الدولى !

- احسنت يا استاذ ! واجبنا الوطنى قبل كل واجب !

- وطننا مهد الاشعاع . . فعلينا ان نحتفظ له بهذه الصفة . . هذه الميزة !

هكذا عاد صاحبنا الى منزله ، وقلبه مفعم بالامل الكبير . . فاستقبلته زوجته بذراعين مفتوحتين :

الآن . . اطمأن قلبى الى مصير العيلة ! سيكون لنا ارض . . ارض صغيرة مئة متر مربع ، نبنى عليها مسكنا لنا . . وننتهى من بيوت الاجرة وغلاظة ملاكيها !

ويقول الفتى ، وفمه يتسع لضحكة رنانة لم يعهد نفسه قادرا على مثلها :

- وسيكون لنا فى المنزل الجديد جميع اسباب الراحة ، من براد ومكيف ، ومدفأة . . .

- اتمنى ان تكون المدفأة ثابتة ، فى الجدار . .!

- لك ما تريدين ياعزيزتى . . واحب ان يكون لبيتنا ايضا حديقة ازرعها بشتى الازهار !

ولا تنسى الشرفات . . الفيرندات . . اننى اريدها تلف البيت من جميع جوانبه !

- والمكيف . . اين نضعه ؟

- فى غرفة السفرة . .!

- لا فى غرفة النوم !

- ولماذا فى غرفة النوم ! انا اكره ضجيج هذه الآلة !

- انه اخف وطأة من ضجيج الشارع !

- وهل تعتقدين اننى سأبنى بيتى فى . . المدينة ، كلا والف كلا !

- اذن انت تريد ان " تحدفنا " . . الى الاماكن الموحشة !

- اية موحشة . . الضواحى اليوم صارت افضل من المدينة !

- انا افضل دائما المدينة المدينة ، ولو اكتظت بالمبانى والسكان !

- وانا افضل الضواحي . . بل القرى . . النائية !

- لك ذوقك ولى ذوقى !

- اتجادليننى فى الذوق . . وانا الاديب المعروف !

ومن قال لك اننى غير معروفة . . فانا زوجتك !

وانتهى هذا الجدل الصاخب بهذه النكتة الناعمة ، همست بها الزوجة اللطيفة . . ثم قام الزوجان ، هو ليرسم تصميما للمنزل العتيد ، وهى لتعد بعض لوازم الطفل المنتظر منذ عهد بعيد !

بعد ثلاثة اشهر وردت الى المؤلف رسالتان ، الاولى من صاحب " المكتبة الجديدة " يطالبه فيها بثمن النسخ التى اشتراها من مؤلفاته . . وقدر خمسون ليرة . . وخمسة قروش !

والرسالة الثانية كانت من مديرة الفرع للادارة العامة الدولية . . .

تقول فيها : " اما بعد فان اللجنة العامة قد اختارت مؤلفاتكم واعلنتها على لوحة الشرف : وكان ذلك بحضور ممثلى خمس وسبعين دولة . . اشتركت جميعها فى المباراة ويسرنى ان اقدم الى حضرتكم ربطا الجائزة التى نلتموها . . مع صادق التمنات !

حينئذ صعد الدم حارا الى راس الفتى . . وسرت فى اعضائه قشعريرة دافئة

- واخيرا . . سنشترى الارض !

وطار الى الغرفة المجاورة ، حيث كانت زوجته تعانى آلاما . . لم يخطر بباله انها الام الوضع ، وقال لها :

خذى . . . هذه الارض . . . الموعودة !

فتطلعت المرأة الى رجلها بعينين غائرتين من الالم الذى تعانيه ، ولكنها برغم ذلك تصنعت الابتسام . ثم تناولت منه الورقة التى حسبها هو حوالة مصرفية ، وقرأت فيها ، وهي تغالب الاوجاع :

-  . . . ولهذا تمنح اللجنة العامة المؤلف الفاضل هذه . . . الشهادة الشرفية ! وسقطت الورقة من يد المرأة . . . دون ان تكمل ! كما اسقط فى يد الرجل ، فوقع على " الصوفا " المجاورة ، مهدود القوى !

ثم سمع صرخة دوت فجأة فى المكان ، دوى متفجرة موقوتة ، دون سابق انذار . فهب من مكانه مذعورا ! وراح يهئ للمولود " المشروع " الذى يعلن عن نفسه بهذا الاسلوب . . اسباب المجئ بالسلامة . . . بعد ان فشل المشروع الآخر . . . !

اشترك في نشرتنا البريدية