كثيراً ما تظهر الاختراعات العلمية النافعة على يد أناس ليس لهم علم بما قد سينتج على أيديهم من نفع دائم ومن خدمة انسانية عظمى للبشر ، وذلك كله مجرد مصادفة أراد الله عز وجل أن يظهر نتيجتها على أيدي هؤلاء لخير الانسانية ولله فى خلقه شئون .
وهذه القصص العلمية ليست إلا جزءا من الأقاصيص المتناثرة هنا وهناك والتى رواها لنا عباقرة التاريخ العلمى والطبى خلال الاعوام المتعافبة وسوف نأتى ببعضها الذى يحتوى على بعض جوانب المتعة القصصية والطرائف العلمية ما دمنا نعيش فى عصر أضحى فيه العلم سلاح القوة والسيادة والعزة والنهوض ، وبلادنا فى حاجة ماسة الى هذا السلاح والتدرع به . لكى تأخذ وتشق طريقها بين صفوف الأمم الحديثة ، ولكى تمشى مع تلك الحضارات جنباً الى جنب ولكى تنال ما هى جديرة به من هيبة ومكانة خصوصا وعلى رأسها ملك يحب العلم والعلماء ويبذل قصارى جهده فى اسعاد شعبه وحكومته وتوجيهها الى مافيه الخير والسداد ..
فهذه مثلا ( الكينا ) هذه الحبوب التى تستعمل لمقاومة الملاريا.. ان المكتشف الأول لها هو أحد الهنود الحمر ، وقصة اكتشافه مصادفة غريبة. فقد ذكروا أن زوجة أحد حكام ( بيرو ) بأمريكا الجنوبية كانت تشعر بحمى تعاودها بين الآونة والأخرى وكان هناك رجل يدعى السحر أصله هندى أحمر وكان له المام بدواء نوبات هذه الحمى فأتى به الحاكم ليداوى زوجته فأتى بأوان من الفخار بها قشور كان يدعى أنها من الشجرة المقدسة وأمر الهندي الزوجة بأن تشرب ما تحتويه هذه الاوانى مدة سبعة أيام فامتثلت لأمره فلم تراودها الحمى .
ثم أدرك الناس بعد ذلك أن قشور تلك الشجرة العجبية التى عرف سرها ذلك الهندى الأحمر هى ذات فائدة كبرى فى علاج الحميات فأرسلت كميات منها الى ايطاليا ومنها اتخذت طريقها الى سائر بلاد أوربا حيث شاع استعمالها وقد اطلق الناس عليها
أولا اسم قشور ( الجزويت ) كما سميت فيما بعد باسم ( سينكونا ) تخليدا لذكرى تلك القصة التى شهدتها ربوع ( بيرو ) .. واليوم يعرفها العالم جميعا باسم ( الكينا ) وهو اسم مشتق من اسمها الاصلى الذى عرفها به الهنود الحمر ثم جاء العلم الحديث فأدرك نوع الحمى التى كانت تنتاب زوجة الحاكم فهي حمى الملاريا ، وكشف الستار عن سلاح الساحر الهندى الذى اختبأ فى قشور الكينا فاذا به مواد كيماوية من فصيلة أشباه القلويات لها قدرة الفتك بحرثومة الملاريا .. وأهم هذه المواد ( الكينين ) ذلك المركب المعروف الذى أعان البشر فيما بعد على كفاح الملاريا فى أنحاء الارض وأسدى للانسانية خدمات جليلة عديدة .
وهذه طريقة علمية أخرى أتت على سبيل المصادفة أيضا .. فقد كانت عربة البريد الثقيلة مندفعة تطوى بركابها الارض فانحدرت من الوادى مسرعة وسائقها يلهب ظهور جيادها بسوطه ، ونتيجة لهذه السرعة كان يسمع لعجلاتها دوى هائل تردد صداه جنبات الوادى وفى أثناء ذلك لاح للسائق عن بعد غلام يجرى ويقفز فى الطريق فاسرع الى عنان الجياد يشده بسرعة وهو يصيح صيحة تنبيه وتحذير وترددت صيحاته وتلاحقت وهو يقاوم اندفاع الجياد وأخيرا وقفت بعد عناء . وأطل الركاب من العربة ونزل السائق فاذا به يجد الغلام بين سنابك الخيل وقد انبثق من صدره دم غزير فأخذ الركاب ينظرون اليه فى فضول وأبعد السائق الغلام عن الطريق واستمرت العربة فى سيرها . ثم مر فلاح فوجد الغلام يئن فعرف فيه ذلك الغلام الشقى الذي كثيراً ما تتحدث عنه القرية وهو فى حالة إغماء فلما أفاق وجد نفسه فى بيته وعلى فراشه وبجانبه والدته تبكى عليه واذا بأبيه يقبل عليه ومعه الجراح الطبيب . كان الفحص مؤلفا والاسعاف أشد إيلاماً للغلام الصغير . ولكن كل ذلك لم يؤثر فيه بل ظل هادىء النفس لم ينزع لما رآه أو قاساه حتى اذا ما أتم الطبيب مهمته ترامت الى سمعه بوضوح همات الطبيب فى أذن أبيه : ( إن ابنك مصاب باصابات خطيرة تصدعت لها أضلاعه وأرى أنها ستسبب له عاهة مستديمة ) .
لقد طاف خيال الغلام حينئذ طائف وسرت بخاطره ذكرى وبدت لناظره صورة واضحة لذلك اليوم الذى كان يلعب ويمرح فيه فى الوادى تارة هنا وتارة هناك حتى اذا ما أخذ التعب منه حظاً وافراً ، جلس يستظل تحت شجرة ، ليستريح .. وفى سكون سمع أنيناً صادراً فى جهة قريبة منه فنظر فاذا ( بظبي ) يتوارى وراء الشجرة وقد هم ليمسك به ولكن القدر أراد غير ذلك فقد كان الدم يسيل من على جنبات ساق الظبى ، وكان الظبي يمشى على ثلاث وارابعة بجرها اذ كانت مكسورة وقد اقترب الى النبع وافترش الارض وأدلى رجل المكسورة فيه تاركا الماء المنهمر يغمر جرحه الكبير فخف انينه ووقف الدم وكأنما استراح الى هذه العملية ، كل هذا والغلام ينظر اليه فى حذر وسكون ، وفى اليوم الثانى مصادفة وعلى غير ميعاد كان الغلام قد عاد الى المكان نفسه فوجد الظبي عاد الى عمليته فى اليوم السابق وهكذا ثار اهتمامه بهذا الحيوان الاعجم الصغير فظل يمضى كل يوم ويختبئ وراء تلك الشجرة ليرقب باعجاب ما يفعله لعلاج ساقه بالماء ، وانقطع الظبي عن المجىء الى النبع ذات يوم فأيقن الغلام انه قد تماثل للشفاء ، ولم يعد بحاجة الى المعالجة بالماء . حينئذ أدرك الغلام سراً رهيباً فانفجرت اسارير وجهه وأدرك ان العناية الآلهية قد هدته الى طريقة تشفى جراحه وتخفف آلامه فاشار الى والدته فاقتربت منه فى حذر ، وهمس فى اذتها بضع كلمار ولكنها الحت عليه ان لا يترك علاج الطبيب .
واخيراً أتت بما يريد وكان الذى يريده هو ذلك المقعد الكبير ذا الذراعين ثم ساعدته على الاقتراب منه وكادت يغشى عليها حين رأته يمسك بذراعى المقعد ويضغط صدره على حافته بقوة ليعيد الاضلاع المكسورة الى مكانها وبعد ذلك أشار الى أمه أن تأتى له بالعصائب والأربطة التى وضعتها بالماء البارد وتحيط بها صدره بشدة . وكان الذى اراد وجعل يضع كل يوم هذه الاربطة المبللة بالماء محاكاة لذلك الظبي الذى كان هو السبب الاول فى هذه الفكرة . وبمرور الايام شفى الغلام واخذ يعود المرضى ويعالجهم . وما كان مرور الايام الا ليزيده خبرة لهذا العلاج،
تم تنوعت المكمدات فصار منها البارد والساخن والفاتر . وابتكرت حمامات مائية مختلفة تم بها شفاء كثير من المرضى ، وتوالت تجارب هذا العلاج بالماء وتتابعت انتصاراته فكان له الفضل فى انشاء نوع جديد من العلاج الطبى بالمكمدات والحمامات الماتية وقد انشأ مؤسسة لهذا الشأن .
وبهذا قدم للطب اساس علم جديد ظل يتطور من بعده حتى أصبح له فى عصرنا الحاضر شأن كبير .

