الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

المضمون السياسي في الرواية التونسية

Share

( 2 (

وعلي عكس رواية ) ارجوان ( فان ) نوافذ الزمن ( التى كتبت لتصور حداث بنزرت ، ومعركة اجلاء الفرنسيين عنها فى سنة 1962 فانه لا مجال في هذه الرواية للشخصية الهامشة لان طبيعة المعركة كانت اتخذت خطا متصاعدا ، وليس ثمة من كان يستطيع التشكيك فى جدواها ، ما دامت الدولة نفسها هي التى أعلنت هذه الحرب ، وهي التى عبأت لها الجيش النظامي وأفراد الشعب ، كما لا توجد فى هذه الرواية شخصية محورية واحدة او مجموعة شخصيات محورية ، ان البطولة فيها جماعية لا يتميز فيها الطبيب عن العامل ، ولا الاستاذ عن البحار ولا الموظف عن الضابط . وميزة هذه الرواية من الناحية السياسية أنها الوحيدة التى أرخت بطريقتها الخاصه لهذه الحرب ، وصورت لنا الاحداث البارزة لمعركة هى من أهم المعارك الوطنيه التى خاضها الشعب ، ودفع فيها آلاف الضحايا ، وذلك من خلال الوثائق والاخبار والمعايشة اليومية ، كما أنها تتميز بما أشرت اليه من تقنية روائية فدة اذ يروى هذه الحرب مجموعة من الشخصيات التى عاشت المعركة ) عادل

الطاهر ، التجاني ، بلقاسم ، عامر ، كمال ، نور الدين ، العلم على ، الازهر ، باسمين ، ليلى ، عزيزة ) ولكنهم لا يكررون نفس الاحداث ولا يكررون أنفسهم ومن مجموعة أقوالهم تتألف احداث الرواية وصورة المعركة ثم في فصلها الثاني يعود بنا المؤلف الى المرحلة التى سبقت الاعداد لهذه المعركة . وكيف كانت حياة هؤلاء الابطال هانئة سعيدة قبل أن تعلن الحرب وقبل أن يدحر السلام

وبالاضافة الى ما يمتاز به اسلوب المؤلف من مرح ، ودعابة ، ودقة فى التعبير وقدرة على الحبك والصياغة والخيال المقصد ، والشاعرية فى اللغة فان الكاتب لا يهمل العواطف ، والمشاعر وقصص الحب التى لا تخلو منها علاقة انسانية

وقد سردها في اطار عفوى جنبه الوقوع فى الافتعال ، والجنوح الى الميلودرامية المعيبة . انها قصص الخيبة والمرارة ، وقصص السعادة والوفاق التى انعكس عليها واقع الحياة السياسية فثلم العواطف ، وحكم على بعضها بالفصل ، واعطى بعضها الآخر القدرة على التجاوز والفوز بالرغبة

لذا كان مآل حمي حلال لفائزة الفنشل المنتظر ، نظرا لما يفرق بينه وبين ابنة عمه من تفاوت اجتماعي ، ونظرا لاختلاف الطبائع بين فائزة الطائشة الملتهبة العواطف ، والتي كانت تبحث عن المجد والمال وعن سيارة شريف الجابر السبور ( التى اختطفتها من الشارع ذات يوم . . وبين كلال الكلف بالجمال الاحلام والطموح الى وطن متحرر من الاستعمار ، والباحث عن غد سعيد يجد فيه موطئ قدم بعد ان فقد الارض التى سلبه اياها عمه حامد القويرى عنوة وصلفا ، والام التى اختطفها الموت ، والوالد الذى مات كمدا وحسرة

لقد استطاع الكاتب ان يعالج المضامين السياسية التى طرحتها روايتاه من خلال أبطال يؤمنون بالثقافة وبالفكر ويرون فيها اسلحة ضرورية وحاسمه في آية معركة يطلب فيها النصر ، باعتبار ان البطل المثقف هو الذي بامكانه ان يتخذ الجدل وسيلة للاقتناع والتحريض وبث الوعى فيمن حوله ، مثلما فعل جلال الذي جند الكثيرين من اقربائه بفضل منطقه الواعى ، وايمانه العميق بجدوى المعركة النضالية التى يخوضها

وشخصية جلال فى هذا الصدد تماثل الى حد ما شخصية عبد الله المحورية التى تقوم عليها رواية ) التوت المر ( للعروسي المطوى ، فعبد الله بما له من ثقافة ووعي ، ادرك هو الآخر بأن قريتهم على وشك الخراب من جراء ادمان الكثيرين على تعاطي المخدرات . لذلك اتخذ المنطق وسيلة لتجنيد ابناء القرية وحملهم على تخريب المزارع ، وتنظيم حملات ضد حشيشة التكرورى التى كان يباح تدخينها عمدا لشل قوى التفكير فى المجتمع ، وتخدير عزائمة والهائه عن حالته المزرية ، وحالة وطنه الذى هو بحاجة الى رجال اصحاء أشداء لينهضوا بالمقاومة .

أسس عبد الله جمعية انقاذ الشباب التى تألفت فى بادىء الامر من كل من ابراهيم والمختار ومحمود ، ثم أصبح ينضوى تحت لوائها أكثر من خمسة وعشرين شابا مجندين لتحرير آبائهم من اسر التكرورى الذى نخر صدورهم واستعبد نفوسهم ، وشن هؤلاء حملة شعواء على الاجنة والغابات مدمرين هذه الاشجار مجتثين أصولها مما دفع بالقرية الى الحيرة وادخل فيها الرعب والفزع .

وعبثا حاولت السلطات الاستعمارية القاء القبض عليهم ولكن دون جدوى نظرا لاحكام التنظيم الذى يجمعهم ولايمانهم بجدوى ما يقدمون عليه ، الى درجة ان ابراهيم أشعل النار في دكان والده الذى كان يبيع التبوغ ، وذلك عند ما رأى أعوان السلطة الاستعمارية قد زاروه نهارا متسائلين عن هذا الذى يحدث بالقرية طالبين اليه مساعدتهم على التوصل الى معرفة الفاعلين

" . . واندس ) ابراهيم ( فى ظلام السقيفة ثم خرج الى الشارع فى طريقه الى المقهى . وقبل أن يتوغل فى طريقه فوجئ بسيارة قادمة الى القرية ، لم نقف بساحة السوق ، ولم تعرج على منزل شيخ التراب بل اقتربت السيارة منه . ثم وقفت أمام دكان والده

ونزل منها جندرميان ، ودخلا الدكان ، فاستر من قدومهما فى هذا الوقت وتوجههما الى حانوت والده ، فعاد ادراجه الى المنزل . ووقف فى ظلام السقيفة يفكر . ولم يلبث أن رأى والده يدخل الدار من الباب الواصل بين الحوش والحانوت يتبعه هذان الزائران ) ودخل ثلاثتهم " المخزن " واطبقوا وراءهم الباب ، فازداد ابراهيم شكا وريبة من هذه الزيارة ومن هذه الخلوة بين والده ورجال الجندرمة

" لماذا اتى هؤلاء الكلاب ؟ هل لزيارتهم صلة بما حدث فى القرية منذ أسبوع ؟ يجب أن أعرف ذلك . . " ) ص 80 - التوت المر ( .

هذه الرواية وان لم تتناول الاحداث المسلحة ، ولم تتعرض للمقاومة المباشرة كما هو الحال فى روايتى بن جنات فانها تقدم لنا صورة من الكفاح السرى أو الكفاح السلبى الذى لا يواجه الاستعمار وجها لوجه ولكنه بواجه الاسلوب الماكر للاستعمار ، ويواجه طرقه السلبية فى هدم عناصر الشخصية فى الشعب ، وتحطيم المعنويات الصلبة بقصد اخضاعها لسيطرته المطلقة

يصح أن نعتبر ) التوت المر ( رواية المقاومة السلبية للطرق السلبية ، فبنفس الاسلوب الذى أراد الاستعمار استخدامه لتهديم القرية المعبأة بروح الثورة والجلاد ، انطلق الجيل الجديد من ابنائها يرفعون الوصمة عن الاباء ويحررونهم من ربقة المخدر الذى أباح الاستعمار تناوله لتحقيق بعض أغراضه الخاصه . وذلك عندما أعجزه الجهد عن مواجهة العنف بالعنف واستعمال السلاح والقهر وسيلة لاخضاد شوكة متساكني هذه القرية التى كانت مدار الرواية .

وضمن كتابات العروسي المطوى المتعددة عن الحركة الوطنية ، فى مرحلة الخمسينات التى كانت أوج المعركة ، وبداية العنف المسلح نراه يقدم لنا فى روايته ) حليمة ) نموذجا للبطولات النسائية تلك المرأة التى أبت الا أن تشد ازر زوجها عبد الحميد عندما اكتشف بمحض الصدفة ذات يوم انتماءه للثورة ، وقيامه بالتنسيق بين فصائل المجاهدين ، وامدادهم بالسلاح والمفرقعات . وايمانا منها بهذا الدور الذى كان يقوم به الزوج ، نرى حليمة تنخرط فى المقاومة ، وتتصدر المظاهرات الوطنية ، وتنال نصيبها من الشرف والاذى . . " وشاركت حليمة فى المظاهرة الكبرى التى انتظمت بحى " باب الخضراء " وتصدت للمتظاهرين القوات الفرنسية بسلاحها الفتاك وقواها الجهنمية ، ورغم سفوط الشهداء والضحايا فقد استطاع المتظاهرون الصمود والثبات ، وأعادوا التظاهر المرار العديدة

أما حليمة فقد انهال عليها احد الجنود القساة ضربا بمؤخرة بندقيته فأصابها بعدة ضربات فى جنبها حتى سقطت على الارض ، فركلها برجله ركلة فظيعة وأغمى عليها.

وعندما عادت الى المنزل انتابها ألم شديد وأحست ببداية اجهاض حليمة ص 99 " وعيب هذه الرواية هو انها رواية تقريرية ، تنقل لنا الاحداث بأسلوب يفقد هذه المقاومة كل جدوى ، لانها مقاومة لا تنطلق من وعي ولا تنبثق عن اقتناع ، وكأنما ثورة عبد الحميد انما هى لمجرد الثورة وثورة حليمة انما هى لمجرد الاثئار لوالدها الذى قتل على يد أحد معمرى الارض عندما هم ذات مرة بقطف وردة رغبت فيها زوجته الحامل . وهكذا نرى الحدث فى رواية ) حليمة ) حدثا ساذجا يختلف كل الاختلاف عن المضمون الهادف والمتميز لرواية ) التوت المر ( حتى ان هذه الرواية تنتهى نهاية غائمة متعجلة وغير مقنعة ، اذ يحكم على عبد الحميد بعشرين سنة أشغالا شاقة ، وفجأة يهل الامل لحلول يوم غرة جوان 1955 م بعد عودة زعماء البلاد وانفتاح أبواب السجون

ومن مظاهر النضال السياسى الاندفاعى غير الواعي ما نجده فى رواية ( عندما ينهال المطر ( التى تلخص لنا سيرة تلميذ فى المعهد العلوى ) عباس ( يعيش فى كفالة خاله ) سليمان ( الذي كان يشغل خطة باش شاوش فى الادارة الاستعمارية .

يتعلق ( عباس ) بجارتهم حسنة ، ويتبادل واياها العواطف وأهواء الجسد . ثم تخطب حسنه الى رجل يكبرها بسنوات عديدة ، وفى صباح اليوم

الاول من ذهابها الى بيت الزوجية تعود حسنة الى منزلهم ، لان زوجها اكتشف انها كانت لها علاقة سابقة بغيره . وتظل حادثة حسنة تنخر ضمير عباس فينصرف إلى الانخراط في صفوف الشعب الطالبية السرية المنتظمة بالمعهد شارك في الاعداد للمظاهرات مع ثلة من رفاقه ) عباس ، صالح ، خضر محمود ( الى أن تسنى له اصلاح غلطته مع حسنة واقناع خاله بالتزوج منها وفي ليلة عرسهما يذهب عباس للمشاركة فى المظاهرة الكبرى المنتظرة

" وفي تلك اللحظة وصلهما الصوت عالية من الخارج ، باكيا منتحبا - خالتى حبيبة ، عمى عباس ، اسرعا . . تعاليا . .

وقفز الاثنان مسرعين الى وسط الدار ليجدا خالدا قرب عرصة باب السقيفة الداخلى ، وحوله جمع من النساء اللاتى كن يأكلن . كان خالد في حالة مرعية عيناه زائغتان ، يملؤهما الدمع ، وقسمات وجهه يعصرها الالم والحسرة ، الشئ الذي زاد في دمامته ، كان فمه فى تكشيرة لا تنتهى تمطط معها جانبا أنفه فصار أفطس تماما :

- ماذا هناك يا خالد . . ماذا جرى ؛

- آه يا عمى سليمان ، عباس أخذه الجيش ، ضربوه برصاصة فى ذراعه ، ثم أخذوه ، ركلوه ، ضربوه بأعقاب البنادق ، الدم يصب من كل جانب من بدنه . . آه يا أخي عباس

وولولت النسوة باكيات ، طالبات اللطف من الله لهذا العريس الشاب صاحب العروس ذات الكعب المشؤومة . . ( ص 115

وعندما يخرج عباس من السجن ، يكون خاله قد توفى ، ويكون ابنه الصغير قد ورث اسم الخال سليمان ، على غير علم بما حدث للعائلة من ولادة أو موت .

ومن خلال الاحداث ترى مضمون الرواية ينحصر فى تقديم شخصية ( عباس ) النزق المغامر المعجب بنفسه ، واعطاء صورة عن الحياة الاجتماعية فى الاحياء الشعبية وما يسودها من الفوضى والتلاؤم ومن التناحر والوثام معا . ومن البديهى أن يتعرض المؤلف أثناء تصويره لفترة الخمسينات الى ما كان يعيشه الشعب من غليان دائم ، وتحفز للمقاومة

وقد جسم ذلك من خلال شخصية عباس ، وما يجرى فى المعهد العلوى وبقية المعاهد الثانوية الاخرى من تمرد وثورة على المستمر ، ولكنها ثورة تخلو من الوعى ثورة اندفاعية فى حدود ما يشعر به التلميذ من رفض للواقع دون أن يفكر بما وراء ذلك ، ودون أن يكون لهذه الثورة مضمونا سياسيا وموقفا محددا من الحاضر والمستقبل

وفي هذا النسق تختلف شخصية عباس التلميذ الطائش الذى كان همه الركض في مختلف شوارع العاصمة ليشعر بأنه مطارد من قبل الشرطة والجيش الفرنسى عن شخصية ) جلال ( التلميذ ، ايضا والذي يلتقى مع الاسلوب الذى يمارسه عباس نفسه ، ولكنه يتميز عنه بوعيه السياسي العميق ، لابعاد ما كان يقوم به من مقاومة

ولعل ذلك هو الذي يجعلنا نلمس ضعف الشخصية فى عباس " وانهياره النفسانى بمجرد أن يدخل السجن وانحصار تفكيره فى حسنة وما جر على خاله من الوبال ، بينما نرى السجن يضيق بجلال فى رواية ) ارجوان ( وتحول فى نظره الى قلعة من الصمود ويصهر شخصيته بتجربة جديدة ويشحنه بمزيد النخوة والاحساس بوجوب المضى قدما لادراك الغرض الذي نذر له شبابه وروحه : " . . لا لن امضي على أى سطر مما تكتبونه . اقتلوني ، أموت ؛ سأصرخ وأتأوه ، سيغمى على . ولكنى لن أبكى أبدا ( أرجوان ص 174 ( .

ولو أمكن استعراض جل ما كتب من روايات تونسية لحد الآن لبدا لنا أن معظمها اهتم بتصوير الواقع السياسى لمرحلة الخمسينات على الخصوص والسبب هو أن جل مؤلفي هذه الرواية كانوا عاشوا هذه المرحلة بعمق وكانوا شهود عيان ان لم يكونوا مشاركين حقيقيين فى دعم تلك الاحداث ومن لم يشارك منهم بنفسه فهو ولا شك قد شاهدها أو سمع عنها الكثير

اضافة الى أن الخمسينات تعتبر من أهم المراحل والفترات التاريخية التى عاشها النضال فى تونس اذ كانت السنوات التى حسمت بين عهدين ، عهد لاستعمار وعهد التحرر . وكانت سنوات الحرب المسلحة وسنوات النضال السياسي المرير

ولا غرو حينئذ أن تتعدد الكتابات عن المضمون السياسي لهذه المرحلة ، وان يقع ابرازه والتأكيد عليه ، وتصويره تصويرا يفى بالنخوة ويرضى الكبريات الوطني.

بل ان الرواية التونسية اهتمت فى المرحلة اللاحقة بقضايا تعتبر من اساسيات مرحلة بناء الكيان ، وتحقيق الهوية ، وهي قضايا التكافؤ الاجتماعى وصهر الطبقات ، واحياء الارض ، والاهتمام بالفئات الضعيفة التى عاش مظلمة تاريخية مريرة طيلة الوجود الاستعمارى والعهود الاقطاعية المستبدة

واذا كانت الدعوة الى هذه الآراء والاصداع بها قد أتسم بالاحتشام والتواضع وتصوير الصراع على أنه صراع عرضى وليس صراعا حتميا ومطالبة بالحق والعدل وليس أخذا لهما بالشدة اللازمة ، فان الرواية مع ذلك لم تخل من نزعة جادة لمساندة رغبات وتطلعات الطبقات الاجتماعية المغبوة كعمال المناجم ، والفلاحين ، وأبناء الريف ، والنكرات المعدمين

ورغم أن القصة القصيرة بدت في السنوات المتاخرة اكثر افصاحا عن هذا المضمون السياسي ، وأكثر وعيا لهذه المشكلات التى نجمت فى مرحلة ما بعد الاستقلال الوطني ، فان الرواية لامست الى حد ما منذ بدايتها شكل هذه القضايا وقفرت بها الى السطح باعتبارها احدى المعضلات المزمنة التى أدت الى كل الثورات الوطنية منذ الاحتلال ، وقبل الاحتلال

ويتجلى ذلك فى الاسباب التى دفعت ) حليمة ) بطلة رواية العروسي المطوى ، الى الانخراط فى الثورة لان والدها منع من قطف وردة من ضيعة المعمر الفرنسى المقتطعة من تراب الوطن ، وتراب القرية التى يعيشون عليها ، وحين تجرأ ووضع كفه على الوردة ليقتطفها خلسة جوبه بالرصاص ، والموت وتهمة السرقة ، انه العدوان المرير ، وظمر الذي لم تكن تهمه الهيمنة السياسية ، بقدر ما كان يهدف من وراء هذه الهيمنة إلى الاستحواذ على الارض واستغلال طاقتها على العطاء ، والاثراء عليها

وعلى هذا النحو تبدو صورة ) الدبنجق ( البطل العمى الذى صور بشير خريف في روايته ) الدقلة فى عراجنها ( نضال المستميت في سبيل الدفاع عن حقوق عمال مناجم المتلوى بالجنوب التونسي . ومحاربة الشركة الاستعمارية التى كانت تستمد سطوتها من الثروة الوطنية التى كانت تبتزها ، ومن سواعد العمال الوطنيين الذين كانوا يعاملون معاملة قاسية

وعندما شعر هؤلاء العمال بوجوب الوقوف صفا واحدا ، والتساند للمطالبة بحقوقهم المشروعة وجدوا الرصاص بانتظارهم ، وبنادق جنود الاحتلال فى حماية الشركات الاستعمارية

ويتكرر نفس المشهد فى رواية ) يوم من ايام زمرا ( لمحمد صالح الجابرى التى تعالج هي الاخرى مآسى الصراع الدامى بين شركة مناجم الفسفاط بالجنوب التونسي وبين العمال الذين كانوا عرضة للاضطهاد والقهر والاستغلال وترى قصة الشاب ابراهيم الذى أعيته الحيلة فى البحث عن عمل بمختلف انحاء البلاد فيلتحق فى النهاية بعمه الذي يعمل بمنجم بلدة ( الرديف ( عله يحصل على عمل مماثل الى جانبه وفى اثناء فترة الانتظار يشاهد احد الاضرابات التى يقوم بها العمال ، ويجد نفسه فى خضم الحشود يصغى للخطباء والزعماء فيتلجلج الصوت المكبوت فى داخله ، ويندفع نحو منصة الخطابة ، ويمسك المصدح بدوره ليقول كلمة كان يبحث لها عن مثل هذه المناسبة الفريدة

امسك بالبوق وتكلم . . تكلم كلمة واحدة لا غير . . فاه بها قبل ان تعاجله ضربة قوية من الخلف تركته يتدحرج الى الارض صامتا ، قال بكل شجاعة ورباطة جأش " أضربوا "

وكان يريد ان يكمل الجملة الاولى من الخطاب " ولن تموتوا جوعا " وهي جملة حفظها عن ظهر قلب ، ورعاها من كتاب قرأه ذات مرة اثناء اقامته ببلدة القصرين " . ورأى ان الموقف مناسب لذلك . واذا بهم يعاجلونه بكل سرعة ، دون ان يعلم ما إذا كان الناس قد سمعوه أم لا وما إذا كانت فكرته قد بلغت الآذان أم لا ..؟

وأفاق من الاغفاءه ، العميقة التى أخذته على اثر الضربة على صوت عين ماء باردة تشرشر فى أذنيه ، وشعر بيقظة تسرى فى اعصابه وجسمه ، وتعيده الى نفسه . وعندما رفع رأسه ليعرف أين هو ، قابلة صف من اشجار الطرفاء ، وعينا شرطى تراقبانه من الخلف ، وتنتظر ان يفيق ، فعرف انهم قبضوا عليه ، وانه الآن وراء الاسلاك الشائكة

عند ذلك أغمض عينيه مرة أخرى . ودس رأسه تحت الماء يكمد الجراح والكدمات ويشعر ان الارض تدور . . وتدور . . وتدور . . " يوم من أيام زمرا " ) ( ص 172 ) .

ونتيجة للشعور بهذا الظلم الفادح الذي لقبه العامل الكادح فى المناجم الفلاح الذي سلبت أرضه ، نرى الروائيين يظهرون اهتماما خاصا بمشكله تحرير الارض ، واعادتها الى اصحابها والمساهمة فى احيائها ، ففي رواية ) المنعرج ( لمصطفى الفارسي جماعة من المثقفين ) عادل الهادى ، عبد العزيز عبد السلام ، سلوى ( يلح عليهم التفكير فى القيام بمشروع يكفل مساهمتهم فى احياء ما أهمل احباؤه من التربة والارض ، ويضمن اشتراكهم فى أداء ) الرسالة ( التى يتوجب على كل مثقف أداؤها ، ويتمثل هذا المشروع الذي كان بطله ) عادل ( الشخصية المحورية للرواية في ) انتاج الماء العذب من الماء المعالج ( ، وفي انقاذ أراضى الجنوب المتعطشة للماء ، لذا نراه يجند كل مواهبه لوضع الدراسات اللازمة ، والشروع في التنقيب عن الماء ، ويخترق بسيارته المناطق الصحراوية الجافة شأن " المصلحين الكادحين "

وأصبحت فرق التنقيب عن الماء التى تعمل تحت اشرافه ، مرابطة بقرية " دويرات " على رأس جبل معجوف تكسو سفوحه الصخور ، ويتصاعد العفر كدخان البخور كلما مرت سيارة طائشة بأوعار منعرجاته

ومن " دويرات " انتقل عادل الى " شننى " فغمراسن " ثم الى " سيدى مصباح " وقضى ليلته بمدنين ، وقد انهكه السفر والتعب فنام نوما هادئا عميقا ، كنوم الاطفال ، كنوم عمال المناجم . . كنوم جميع الكادحين . . ( المنعرج ص 128 ( .

لقد أعجب ) عادل ( أثناء تطوافه بالواحات الجنوبية بقدرة القوم على الصبر والانتظار واخضاعهم كل شىء للزمن : " ففي هذه المناطق كل شىء يستمد قوته من ذاته نفسها ، ومن طبيعة المناخ والبشر . الماء هنا كمية من الزمن ( ص 123 ( .

وهو لهذا السبب يرى أن حياة المجتمع ، واستمراره فى مقاومة الزمن والتغلب عليه وقهره ، تكمن فى قدرة أبنائه على اقناع أنفسهم بهجرة المدن الى الارياف القاحلة ، والعمل على احياء ما لم يحيه المستعمر منها .

ورغم أن الرواية تقدم لنا صورة للنموذج المثقف في بلد يواجه مرحلة ما بعد الاستقلال ، وما تعج به من متطلبات ملحة ، فاننا نرى ) عادل ( شخصية رومنطقية تغلب عليها الشاعرية وأحلام اليقظة والاعجاب بالمشاريع الكبرى التى قد تستعصى فى بعض حالاتها عن الحل ، فهو مشتت المشاعر بين حب سلوى . . وحب الارض . . بين الاستقرار ومواجهة الصحراء فى الجنوب ،

وبين الترحال الدائب والشوق ، الى الطبيعة ، وغناء البادية فى الشمال بين العيش فى الماء . . والحلم بالماء

" وتبرز من قمة كلمة " ماء " بعد لأي شديد . . ويمضى وقت ثم يشعر بقطرات من الماء ، تبلل شفتيه ، ثم تصل الى حلقه الملتهب فى لهفة ، ولكن الألم يعاوده من جديد ، فيئن ويخيل اليه أن اناته المتلاحقة تخفف من حد المه وانه يحلم وعيناه مفتوحتان . كل حواسه الآن تشعر وتعمل . . وترتسم أمام عيني " عادل " مشاهد متلاحقة تجرى كالسحب فى السماء " ) ص 168 (

وفى هذا الصدد تبدو رواية ونصيب من الافق ( لعبد القادر بن الشيخ واقعية وتصويرا لمشاكل الارض والاحياء والفلاحة ، فهى ترسم لنا صورة قرية زغوان عند معبد المياه . . وقد غاضت عين القرية الوحيدة وتعرضت الارض لخطر العطش وبيعت الضياع بأثمان متهاودة ، بعد أن تكالب على امتلاكها كبار الفلاحين . ولم يبق للقرية الا أن تدفع بشبابها الى الهجرة نحو المدينة .

وهكذا نرى ) سالم ) بطل الرواية يفارق القرية التى لم يفارقها فى حياته ، ويفارق والده وأمه وخطيبته خدوجة التى طالما حلم بالعيش معها فى ضيعة ودار . . ميمما نحو العاصمة للبحث عن العمل فى فندق سياحي

نضب الماء . وانبث الهلع فى القرية ، فغدا الراعي بائع عاديات للسواح ورحل الشباب لخدمة السواح . . انها الكارثة والموت المحتم : " سيبارح سالم القرية . العمل قدامه وخلفه ، أجرة قارورة وخبزة ومدينة شهية وزواج سيتحقق ولكن الارض بين رجليه تحت رجليه وان لم تكن ملك يديه . يحبها أحبها برسم عليها حلما يتكرر فى اليوم الواحد ، فى وحدة الانس ، على الطاولة في المقهى فى احلام الليل والقيولة

الضيعة الآن مربعة ، رسمت يده عليها منزلا بجواره بئر ، بجانب البئر جابية . ثم سطرت ساقية رئيسية تستمد منها الفروع ماء زلالا يسيل دون قطاع فى طريقه الى الاحواض ، وقد كثرت وتعددت خضرها .

كانت الاصابع تمشى فوق التراب هادئة كريمة لا تعرف للاحسان حدا . وفجأة اقتربت رجله من التصميم الدسم فداست جزءا منه ، وامتدت الى العين ، الى ساحة المعبد يزغرد فوقها صمت المساء " ( ونصيبي من الافق ص 91 ) .

وفي المدينة التى هاجر اليها سالم لم يجد هناك غير الوعود ، وغير الكلام الرقيق . . وغير جمع من الحراس يقفون على ابوابها يجلدون اسماع الناس بالاسئلة عن الاسباب التى دعتهم الى المجيء وعما إذا كانوا يحملون دعوة من ابرار المدينة تخول لهم زيارتها . ويتصل بعد الاذن له بالدخول بعثمان ابن قرينم الذى ارسله ووعده بالتوسط له فى العمل فى احد الفنادق السياحيه لكنه يفشل فى الحصول عليه لانه لا يملك ثمن البدلة التى يجب ان يظهر بها امام مدير الفندق . ثم يطرق باب أحد معارفه من ابناء القرية ايضا املا فى الاقتراض منه ، لكن الآخر " اقسم له واخرج محفظة نقوده وكرر القسم تلو القسم فعظمت مساحة الفراغ ، وجمع ما لديه من القطع النحاسية ، والقى بها على الطاولة فلم ترن في أذنيه . كانت عيناه تعبران فضاء جهنمى المرارة ورجلاه تطأن تربة يابسة تصرخ ظمأ " ) ص 158 (

وعلى مقعد خشبي بحديقة عمومية استلقى سالم منطويا داخل قشابيته بعد ان يئس من كل شئ ، واذا به وجها لوجه امام فتاة من قريتهم ) محبوبه اتخذت لها وضعا منحرفا تمارس الرذيلة على قارعة الطريق : " لم يكن ينتظر ابدا ، لم يتسن له الفرار . . . لم تكن تنتظر أبدا لم يتسن لها الفرار . لكأنهما فى قفص اللقاء ، والليل حولهما جميل مخيف "

وأكثر من ذلك نرى محبوبة تمطره بنفس الاسئلة التى امطره به الاخرون عن أحوال القرية والمطر "

ومثلما اكد المؤلف في خاتمة روايته بأنه " يحلم الواقع " فانه فى الحقيقة كذلك . . تارجح بين الحلم والواقع . . كل ما فى الرواية يشبه الكابوس ولكنه كابوس من الحلم في الواقع المرير الذى واجه أبناء القرى على اثر ما اصاب المدن بعد الاستقلال من الازدهار . فهى التى جنت ثمرة الكفاح الوطني ، واستأثرت بالواقع السياسي على حساب الارياف وأبناء الارياف وتتبطن الرواية نقدا هامسا لاهمال القرى والفلاحة ، والاهتمام بالسياحة كعمل اقتصادى يرجى منه النفع الشامل

ولعل عدم ربط هذه الرواية بأرضية معينة ، أو بقرية معينة - عدا ما يحدس القارىء من خلال وصف الجبل . وعين المعبد الواقعين بزغوان - كان القصد منه امكانية تشابه هذه الحوادث فى كل القرى التى تواجه نفس المصير . وعلى امتداد العالم بأسره

واذا كان المؤلف قد أفلح الى حد بعيد فى الملائمة بين مضمون الرواية وهيكلها الفني المتطور ، والذى يعد فريدا بين الروايات التونسية فان اتجاهه الى الخلط بين ثلاث لغات فى نفس الرواية : الفصحى والدارجة والفرنسية قد شوش الى حد بعيد تساجمها اللغوى ، لا سيما تعمده ادخال اللغة الفرنسية ، فى الحوار بدعوى الواقعية التى تقتضى أن يتحدث السائح الاجنبى بلغته ، وهو تعمد ينطوى على خطر الدعوة الى عدم كفاءة الفصحى فى التعبير ويجعل على الكتابة أحيانا بعشرات اللغات اذا ما دعت الضرورة الى أن يكون للرواية أبطال من جنسيات متعددة

وبالاضافة الى رواية ) ونصيبى من الافق ( يقدم لنا المؤلف ( عواصف الخريف ) عبد الرحمان عبيد صورة عن الواقع السياسى لفترة الستينات عندما اختارت ثلة من قيادة الحزب الدستورى طريق الاشتراكية والتعاضد وتجندت له . دون ان يكون هناك اقتناع بهذه الاختيارات من طرف المساهمين فى تنفيذها ودون أن يمهد لذلك بتوعية فى صفوف العمال والفلاحين ، مما جعل الأمر ينقلب الى كارثة وطنية صورها لنا الكاتب من خلال شخصية سمير اصيل بلدة ) القصيبة ( بالساحل الذى تعلم بالمعهد الثانوى بالمنستير وفشل فى دراسته ، واضطر الى العمل مع والده الحلاق

وابان فترة التعاضيد يسعى سمير الى تكوين " تعاضدية انتاجية " صناعية للحلاقين " لكنها سرعان ما تفشل كغيرها من التعاضديات الاخرى ويتحول سمير بعد بطالته القاسية الى مجرم يحترف الشر مع مجموعة اصحابه ممن تعرف عليهم اثناء تردده على بلدة ) القلعة ( بالساحل ، حيث صهره محمد الاخضر ، معلمه بالمرحلة الابتدائية ، ثم اتفق وإياهام على السرقة وترويع التجار ، وبعد توزيع الادوار كان نصيب سمير تاجرا من تجار ماطر ، فذهب اليه وادعى انه عين مديرا لمدرستها الابتدائية فأواه الرجل وأكرم ضيافته . واثناء هذه الاقامة القصيرة تعرف ) سمير ) على ابنته جميلة وافتض بكارتها . وتوصل الى خلع غرفته الخاصة والاستيلاء على ما فيها من أموال . والعودة الى تونس العاصمة حيث وجد المجموعة التى ينتمى اليها وقد اصبحت مطاردة من قبل الشرطة

وبما أن القصد الاساسى للمؤلف كان يتمثل بالدرجة الاولى فى الكشف عن سلبيات هذه المرحلة وتقييم الوضع السياسي لفترة من أهم الفترات في حياة المجتمع التونسى ، فقد تعمد أن يعالج هذه التجربة من خلال شخصيات

منحرفة ، شاذة ، مبتورة التكوين الثقافي والسياسى ، وفى اطار رواية ضعيفة البناء تغلب عليها السذاجة والسردية ، مما جعلها تبدو أقرب إلى المذكرات منها الى البناء الروائى

وكأنما تعمد الكاتب بذلك أن يثأر لنفسه من التعاضد ، ويشفى غليلا خاصا بالانتقام والاساءة الى بعض النماذج الاجتماعية التى عناها بروايته ان الواقع يفرض ان نشير أيضا إلى عدة محاولات روائية أخرى ) كبودودة مات ( لرشاد الحمزاوى ، ( فى بيت العنكبوت ( لمحمد الهادى بن صالح ( الزيتون لا يموت ( لعبد القادر بالحاج نصر ، و ( البحر ينشر ألواحه للجابرى عالجت بعض المضامين السياسية عن نضال الفئات وطموح المجتمع إلى تحقيق مثل وغايات ، ولكنها عالجتها احيانا بصورة عرضية ، باستثناء رواية " بودودة مات " التى صورت كمثيلاتها مرحلة الخمسينات ولهذا السبب لم أشأ أن أتناول الزوايا المحدودة لهذه الروايات التى كتبت أساسا لتصوير العواطف الانسانية والطموح البشرى بصورة عامة ، وطموح الفرد التونسي بصفة مخصوصة .

واجمالا يتضح من هذا العرض المقتضب الذي حاولت أن أقدم من خلاله ما عبرته مضمونا سياسيا ومعالجة للواقع الاجتماعى ان مشاكل المجتمع التونسى قدلا تختلف اختلافا بينا عن مشاكل المجتمع العربي عامة والمجتمع الانسانى بصفة أشمل ، باستثناء تلك المميزات المحلية التى ترتبط بالمواصفات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لكل مجتمع وتفرده بتلك السمات الخاصة جدا والتى هى هى فى الحقيقة جوهر طرافته وابداعه .

اشترك في نشرتنا البريدية