الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

المطر والجياد والرصيف الاخضر

Share

- الرؤية :

تهالك على المقعد رمق الساعة المعلقة على الحائط . الساعة تشير الى زمن التحام الشمس بالبحر والأفق . نظر عبر النافذة الى البحر . وضع يده على المنضدة . حمل الكأس بيد مرتعشة . أحس بحرارة تسرى داخله . ابتسم طائر من بعيد ، فوق البحار ، يداعب الهواء المطلق . رائحة الرحيل تنقر داخله . فيدق النبض . . . والبحر . . والغيوم العابرة تبعث فيه شعورا بقرب الانطلاق . حدق فى الكأس . ترشف الرحيق الصاخب بعين باهتة : حرارة ما تغزوه ، وبدت حمامة بيضاء قادمة من الافق . اقتربت من الكأس ترشفت هى الاخرى رحيقا صاخبا . أحس بنشوة عارمة تجتاحه . فتح عينيه بقوة ليقبل الشمس البعيدة . وانتشت الحمامة ورمقته بعين ساكنة . .

وانطلقت فى المطلق تاركة آثارا مجدبة . . حطت فى البعد ، فى التحام البحر بالافق . . الحمامة شكل هندسى جذاب يغيب بسرعة فى الابعاد اللامتناهية . . رمق فى الخارج لجج البحر تغوص فى البعد ، والبحر فضاء صامت والشمس فى احمرارها تنتحر عند الافق . . مسح بيد ميتة جبهة مثلوجة وراوده نعاس نحاسى ، فى حين هبت نسمة باردة قادمة من الهواء المطلق وانهمر مطر خفيف مرددا اغنية غريبة . فاستم اليها بانتباه . . تذكر الحمامة . . والمحطات البعيدة . . والبحر . . واللجج . . والشمس المنتحرة فى الافق . . وتذكر السنين العجاف والصحراء القاحلة والسكينة الميتة ، وغاب فى ضياع ، حالما بالعربة الجديدة والطرق الجديدة والمحطات القادمة . . .

- السفر :

قيل له : " للسندباد حنين دائم للبحر . . لليل للمطر . . فلا يقر له قرار الا بعد ملاقاة البحر والليل والمطر . .

قيل له : حيث البحر تعشق السندباد الضارب فى الآفاق البعيدة . . والذى ينفض عنه كسل الليل ليواجه أوساع البعد . .

قيل له : مدينة ما وراء البحار ظل ظليل يأوى اليها السندباد ، وقد انهكه البحر والليل والمطر . . . فتلتئم جروحه العميقة ، فيحن ، من جديد ، لملاقاة البحر والليل والمطر . . .

قيل له : فى مدن ماوراء البحار شجرة . فرعها فى السماء وأصلها فى اعماق العمق تنتظر قدوم الزائر الجديد فتكتنفه وتطعمه من طيباتها . .

قيل له : ثمار شجرة مدن ما وراء البحار تزهر فى يوم ، وتنضج فى لحظة ولا تثمر الشجرة ، الا عندما تبدو فى الافق شمس خضراء

قيل له : كان الاه يتفيأ ظلال الشجرة ، لكنه فر منها لما شاهد شمسا خضراء نبدو من حين لاخر فى البعيد ، فترك الشجرة بعد أن حمل معه غصنا وارف الظلال ، وغدا باحثا عن شمس عاشقة . .

وأكد له الكاهن : قبل ولوج مدن ما وراء البحار ، يجب الاغتسال بالمطر وانتظار بزوغ الشمس خضراء تبدو من حين لآخر فى الافق البعيد . . وعند الرحيل تتوقف الساعة عن الدق . .

وأما العراف فقد تفحصه طويلا . . . ولم يقل شيئا . . احس بالدوار . فرمق بعين باهته كفا مجدبة تنتظر انهمار مطر صاخب . . وحدق فى الطريق . . .

- العربة والطريق ومهاكل ) * (

+ غريب أنا ، فى معبد العمر

والطريق أمامك مجدبة . . . وفي البعيد معبد موحش + حيث الصومعة والسكينة ؟

حيث تغدو الهياكل اشباحا ، والاشباح ضبابا ، والضباب فضاء . . والفضاء فراغا . . . + حيث ينهمر المطر ٠٠ ؟ - حيث يتساقط الثلج وتتفجر الصواعق + حيث الشمس الخضراء ؟

- حيث لا ترى شمسا ، فالظلمة سرمدية والصمت صاخب . + والحمام ٠٠ ؟

- حيث يموت الحمام عطشا ويرقص الخفاش ويتغنى اليوم . . حيث مهاكل ٠٠

. . . . الرياح العواصف تجتاح الأشياء . والمدينة الرملية تغور فى الضباب المنصب والصمت الناتج مع النعيق المتواصل يبث الرعب فتنفر غربان لترتطم بالهواء الجامح ، لتحلق فى فضاء أخرس . . لترجع بعد حين ، بلا أظافر وبلا وجوه . . والسواد الابكم ينهمر ليفيض على جبال ميتة ٠٠٠

رمق الطريق المبهمة والتفت الى جبل عال انتصب أمامه فى أنفة . . وحملت يد ميتة كأسا بها رحيق صاخب . . . دنت اليد من الشفتين افرغت السائل فى الجوف النهم . . فاستلقى الهيكل على الكرسى فى تراخ

- الجياد الحزينة ٠٠٠

صهيل الجياد يجرح الفضاء الاخرس ، والغربان المحلقة فى الهواء تشق باجنحتها عراء المطلق ، والنقرات المتتالية تنهمر ، فتغدو موسيقى صاخبة . . . والطاولة المنتصبة فى الركن ازاء النافذة البلورية عليها كأس حمراء فارغة . . . والوجه المعفر ينظر الى الامام فى وجوم . . . والكلمات ذات الرنين الصارخ تجتاح الذهن عن الموت فى الصخب المضجر . . . ومن بعيد يبدو هيكل ضخم كغول الاسطورة يفتح فاه لابتلاع الجثث الميتة . .

تذكر البناء المشمخر الباعث فى الهواء الطلق ضبابا رماديا خانقا . والعمل المتواصل بلا هوادة ، واليد الممدودة تضربها سياط من نار . . . والأوجه الممتقعة الباهتة الواجمة . . والأعين الحمراء الرامقة لأفق ضيق . . .

تذكر الاصوات المفرغة النابعة من صدور جوفاء ، والانوف الباعثة فى الهواء أجراسا منكرة . . والأزيز الكبير الذى يموت فى عمق الاعماق

تذكر الوجوم الأبدى والأعين اللامعة بنور الموت ، وتذكر أقوال هيكل ضخم كغول الاسطورة بنبرته الصارخة : " غدا تغلق أبواب البناء المشمخر . . فى وجهك ، وتعصف بك ريح سوداء لتبعث بك فى مجاهل الفقر . . غدا . . .

وتسلل القمر من الأفق متصاعدا فى السماء الجوفاء وتمايلت الاشجار داخل علبة فارغة . . وانبرت نغمة أنثى من بعيد تردد بصوت طفولى اغنية مرحة ، وضحك طفل بهى الطلعة ضحكا متواصلا . .

وبدت فى البعد شجرة وارفة الظلال . تمتد فروعها الى فوق حيث الفضاء الازرق باحثة عن شمس . . تنتظر قدوم زائر جديد يمحو كل شئ ويغير معالم القحط والجدب .

وعادت الجياد الى الركض . . . والغربان الحائمة فى السماء تستعد للهبوط  فى مستنقع بحثا عن الراحة للاقلاع من جديد . . . واسفرت ملامح ميتة عن ابتسامة فاترة ، ورمقت عين غائرة الطريق فى وجوم .

تحسس بيد معروفة مضرجة بدم الاستنزاف ، كأسا فارغة . . شعر ببرودة تجتاحه ، ، فقام فى تثاقل ٠٠ .

اشترك في نشرتنا البريدية