الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

المطر

Share

- قطع غيوم متفرقة فوق صفحة السماء . . ابشرى يا امرأة انه الغيث الكريم . .

- آمين . . يا ابن عمى وعادت شفاه الشيخ ترتعش فى تمتمات وصلوات . . وأصابعه السمراء اليابسة . . ممسكة بحبات السبحة العتيقة .

- سوف تعم الخيرات قريبا . . قال ذلك وتهاليل الفرح تختال على محياه المشرق . . ثم عادت الشفاه تتحرك فى تمتمات لا تنتهى . . وتأمل امرأته وهى ترحي نصيبا من الشعير .

- لم يبق من المؤونة الا ما يكفى لأيام قلائل يا ابن عمى - ربنا كريم يا امرأة . - حتى حليب العنز أمسى قليلا . - ارفعى عينيك انظرى الى السماء . . انها تباشر الغبث . - ليرحمنا الالاه حتى قطعان الضأن أصابها الهزال

تقدمت المرأة من العنز الهزيلة تحلبها . . بيدين مرتجفتين . . ومطت شفتها فى ازدراد . .

- نصيب اليوم أقل من العادة بكثير فانبعث صوت الشيخ الوقور - هل يكفى لاعداد الثريد - نعم . . ولن تبقى جرعة واحدة . - الحمد والشكر لربنا اذن . . هذا فضل كبير فرددت المرأة فى خشوع رافعة ذراعيها النحيلتين نحو السماء

- يا الاهى . . نحن دوما لك من الحامدين الشاكرين اخذت المرأة تجمع شيئا من الحطب . . لتعد العشاء فتسللت وخزات نسيمات بإردة من خلال كم قميصها الواسع . . فلملمت ثوبها . . وازدادت من الموقد دنوا علها تصيب شيئا من الدفء . . وكانت ترفع رأسها من حين لآخر لكى تراقب السماء . .

لقد هيئ الثريد . . فوضعت القدر . . وعكفت تجمع بعض الجمرات لكي تضعها الى " الكانون " . . عساها توزع شيئا من الدفء في البيت الصغير .

- المساء بارد جدا . . لنتدفأ على هذه الجمرات القليلة . - نعم الرأى يا امرأة لم يتناول الشيخ غير لقيمات معدودة من الثريد . . فعاتبته امر أنه قائلة . .

- ما هذا الأكل يا رجل . . ملعقتك عين ابرة . فرد الشيخ ببسمة أضافت على محياه اشراقا . - نحن قوم لا نأكل حتى نجوع واذا أكلنا فلا نشبع . - ما أبلغ هذا الكلام . . لقد بقى ما يكفى لعشاء الكلب . - أو لم تعطه العشاء الى حد الآن . - خفت أن لا يكفينا الطعام .

- هيا سارعى ناوليه الطعام . . هذا حرام يا امرأة . . لا تظلمي الحيوان الضعيف ان الله لا يحب الظالمين وتحاملت العجوز على النهوض متمتمة فى خشوع : - استغفر الله العظيم . . أستغفر الله العظيم

وتوجهت نحو الكلب النحيل فى مريضه وناولته النصيب من الثريد فجعل يلتهمه فى شراهة . . والمرأة تراقبه فى ارتياح . . ثم انبعث صوتها الضعيف بحمل بشرى اهتز لها كيان الشيخ . - انه رذاذ . . رذاذ . . المطر يا ابن عمى .

ورفع الشيخ كفيه نحو السماء وذاب فى الابتهال . . فجذبته المرأة قائلة - هيا ادخل . . المطر يبللك - أواه أو نخاف بلل المطر .

دخل الشيخ بعد لحظات . . وجلس القرفصاء على قطعة حصير بالية . . ومسك سبحته واناملة تداعب حياتها دون أن تتوقف شفاهه عن الحركة ملت المرأة التحديق في الشيخ . . وفي الجمرات التى تكاد تنطفئ . . وفي خيوط المطر المنهمر

- أفلا تنام يا ابن عمى فأجابها بعد صمت طويل - ليلة مثل هذه ننام فيها . . انه الغيث . . الغيث الرحيم .. الحمد لله . . الحمد لله . .

ولبثت المرأة طويلا تراقب الشيخ ثم ما لبث أن داعب الكرى جفونها . . فاستسلمت الى غفوة لم تطل . . لقد وخزتها رطوبة . . فتكورت فى وضعها واحتمت بالفراش القليل الذي لم يستطع أن يدفع عنها غائلة البرد المفاجئة . . وكادت تضيق بتمتمات الشيخ التى لم تنته . .

- الصلاة على النبيء . . الصلاة على النبيء . . تبارك الله . . تبارك الله . . واحست المرأة بشئ بارد يغمر قدميها . . فحباحت بفزع - انه الماء . . الماء آه يا للكارثة . . أين المفر فتناهت الى أسماعها كلمات الشيخ القليلة - استغفرى الله . . استغفرى الله . . ما هذا الكفر يا امرأة . . وهل الماء غير نعمة انتظرناها من ربنا سبحانه . . فانحنت المرأة على ركبتيها وهى تفرك عينيها فى اعياء

- افعل أى شئ . . الماء . . المطر المطر . . يأخذ امتعتنا . . مالك لا تحرك ساكنا يا رجل . . الغوث . . الغوث . . - الحمد لله . . الشكر لله . . أسكتي كفى هذرا . . هل نطلب الغوث من الغيث - ولكن الماء . . انظر ثيابى تقطر . . الماء يغمر جبتك .

ودنت منه وأسنانها تصطك . . وأوصالها ترتجف . . - أو لم تحس بالبرودة . . انت تفقد عقلك بلا ريب . - أنا لا أحس بغير الفرحة . . الغيث الكريم يا حمقاء . - هذا محض جنون . . سوف نموت غرقا . . الماء يرتفع . وأشاح عنها بوجهه بعد أن استقام واقفا . . بدون أن تتوقف الشفاه عن ترديد التمتمات المعهودة .

المرأة تطلق من حين لآخر صرخات يائسة . . هرول الشيخ ليمسكها ولكن غمره الماء - فأخذ وجهه يطفو من حين لآخر . . فيه فيهز رأسه هزات ضعيفة وسرعان ما اختفى الشيخ واختفت العجوز .

لتد تداعت الجدران الواهية وسقطت الأعمدة القليلة . . وانحل التراب وطفح البيت الطينى الصغير . . وأخيرا انبلج الفجر . . الماء يحمل الامتعة يحمل بعض الكلاب والخرفان . . ومنهم عنزة الشيخ . . لقد فاض النهر . المطر ينزل . . قليلا . . قليلا . . لقد أمسى زذاذا . . الشيخ يطفو من جديد فوق صفحة الماء . . تحرك أحدهم بسرعة البرق وسط مياه النهر .

- مسكين سيدى المؤدب . . الرجل التقى الورع . . يقيني أنه من أجله نزل هذا الغيث الكريم الذى تحول إلى كارثة . وأدرك الرجل الشيخ . . ورافع الهيكل الثقيل على كتفيه - انظروا ما تزال أنامله ممسكة بالسبحة فى اصرار . - لقد كان تقيا . . لنطلب من الله جميعا أن يمنحه الحياة

- لتطلبوا حتى الصباح . . وهل يوجد من بينكم تقي واحد . فتبادل القوم نظرات غريبة . . ووجم الكل . . وصاح أحدهم بابتهاج . - شفاهه . . شفاهه تتحرك انظروا . . انظروا وأحاطوا بالشيخ . - بطنه منتفخة . . لقد تجرع كثيرا من الماء . . - لم تشهد قريتنا مثل هذا الفيضان . . يا لها من كارثة أيها القوم . وجفت القلوب . . انه صوت الشيخ المتقطع وكأنه آت من بعيد . .

- اس . . - غف . . روا - ال . .له.. كفا . . كم ال..حا . . دا . . يا قو . .م.. الغ . . يت الغ . . يث الك ريم . . لي..س.. كا . . رثة . . الم . . طر . الحمد . . لله . . الحمد . . لله . . الم . .

وانخطعت كلمات الشيخ . . وتفاقمت الصفرة القاتمة فوق وجهه الأسمر الكل لا يتحركون . . الوجوم قطع الألسن . . وجاء صوت أعاد رشد الذاهلين . . - لقد مات . . مات . . الشيخ أفلا تفقهون

الأنظار تجول بغرابة . . لقد جف النهر حرارة الشمس تنهك جلود الآدميين . . البعض يحدق فى البعض . . الوجوم يعقد الألسنة الأيدى تزيل العرق من فوق الجباه . . البعض يحدق فى البعض والكل لا يصدقون .

اشترك في نشرتنا البريدية