جاء النحو الكوفى ساخرا عن النحو العام الذى عرف بأنه نحو بصرى ولعله من المبالغة اعتبار النحو الكوفى يختلف اختلافا كبيرا عن النحو العربى العام ، فهو يتفق كثيرا مع النحو البصرى خصوصا وان مصدر النحو العربى واحد هو الخليل بن احمد . . . على أن للكوفة نزعة خاصة فى النحو تختلف عن نزعة البصرة خاصة فى تفسير الظواهر اللغوية وتعليلها من ذلك أمكن القول تجاوزا : إن للكوفة نحوا خاصا بها .
فما هى المظاهر الايجابية فى نحو الكوفة ؟ وما هى حدود هذا النحو ؟
ان حدود هذا المقال تحول بيننا وبين الدرس العميق للمسالة او قل العرض المطول لها والمقارنة الموسعة بين النحويين وان ذلك قد يعز اذ لم يصلنا كتاب جامع لنحو الكوفة على غرار " كتاب " سيبويه الذى يعد جامعا للنحو البصرى . . . ان كل ما نعرفه عن نحو الكوفة نجده مفرقا فى كتب رجال الكوفة وليست هذه الكتب مؤلفات فى النحو وانما هى كتب لغة وتفسير قرآن فيها اشارات الى بعض المسائل النحوية أثناء اعراب عبارات بعض الآيات وان اكثر ما نعرفه عن نحو الكوفة هو ما نجده فى كتاب " الانصاف فى مسائل الخلاف " الذى ألفه نحوى بصرى ( 1 ) متأخر عن عهد " ازدهار " النحو الكوفى فلا يسع الباحث المتجرد الا الاحتراز من مثل هذه المؤلفات التى قد لا تعرض النحو الكوفى على حقيقته .
وهكذا يمكننا مع بعض التحرى استقاء نزعة الكوفة فى النحو من بين هذه المؤلفات القليلة واستخلاص أهم مظاهره مع محاولة منا تقييم هذا النحو .
لعل أهم مظهر ايجابى فى هذا النحو أنه نحو عملى يعتمد كثيرا على ما ينطق به المتكلمون باللغة ، فاذا هو تصوير صادق للغة ، اذ ترى الكوفيين لا يقررون شيئا الا أوردوا الشواهد المتنوعة عليه : شواهد من كلام العرب والشعر والقرآن واذا هم فى نحوهم يصفون ما يجدون فى اللغة فلا يقررون شيئا او قاعدة ثم ينحتون امثلة توافق رأيهم وتدعم ما قرروه ولا يخضعون ما يجدونه فى اللغة لهذه القوعد كما يفعل البصريون عندما يقولون مثلا ان الفاعل " القاضى " فى عبارة " جاء القاضى " مرفوع بالضمة المقدرة . . .
ونزعة الكوفيين هذه توافق كثيرا الدراسة الحديثة للغات ، وهى لا تقرر شيئا الا بالدليل الظاهر من عبارات اللغة دون التجاء الى " التقدير " او افتراض أشياء لا وجود لها فى الواقع .
ولعل أحسن مثال فى هذا المجال قول الكوفيين فى اعراب " يغفر " فى الآية القرآنية : " لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا . . . " ( 2 ) انه فعل منصوب ب " أن " مضمرة وجوبا بعد لام الحجود . . . وذلك لانهم حددوا مسبقا النواصب وحصرورها فى ادوات معينة .
ثم ان النحو الكوفى مجرد من الصبغة الفلسفية التى اصطبغ بها النحو البصرى فأصبح بها معقدا ذلك ان البصريين حاولوا اخضاع اللغة لمبادئ عقلية منطقية . . . وما كانت اللغة مبنية على اسس عقلية وانما هى وسيلة للتخاطب والتفاهم بين البشر اقتضتها الحاجة منذ القديم . . وقد كان الانسان العربى بدائيا ونشأت اللغة العربية فى وسط بدوى بسيط بعيد عن كل فلسفة او تعقد منطق .
اذن لم يخضع الكوفيون اللغة للمبادئ العقلية فلم يقولوا مثلا ما قاله البصريون ان أصل الكلمة هو " المصدر " وان أصل الاشتقاق منه وحجتهم فى ذلك ان المصدر يقوم بذاته ولا يقوم الفعل بذاته والذى يقوم بذاته ويستغنى عن غيره يكون هو الاصل ( 3 ) .
كذلك فى تعليل الاعراب وضبط الحركات وتبنى نظرية العامل . . يقبل الكوفيين ان يوجد عامل من العوامل دون ان يكون له معمول فى حين يرفض البصريون هذا تطبيقا منهم للنظرية الفلسفية القائلة : " لا بد لكل عامل من معمول " وما أبعدهم هنا عن النحو وواقع اللغة !
ومن المظاهر الايجابية فى نحو الكوفة انه أحيانا يختصر المسائل بعدا عن التعقيد ويضرب صفحا عن ذكر فوارق واختلافات لا طائل من ورائها ، فنحاة الكوفة لا يخصون الرفع والنصب والجر بالاسماء المعربة ولا الضم والفتح والكسر بالاسماء المبنية وانما الرفع فى نظرهم يكون للمبنى والمعرب على السواء وكذلك النصب والجر وهذا " يجرنا " الى الاشارة الى بعض المصطلحات التى اتى بها النحو الكوفى وهى لا تخلو من قيمة ولذلك نعدها من المظاهر الايجابية فيه ، " فالنصب على الخلاف " مثلا فى قولهم " لا تأكل السمك وتشرب اللبن " يدلنا على اعتنائهم بالناحية المعنوية وهو مصطلح جدير بان يؤخذ بعين الاعتبار .
ونظرة النحو الكوفى الى بنية الكلمة العربية هى ايضا من الجوانب الواقعية التى يقترب فيها هذا النحو من المفاهيم المعاصرة للالسنية ، فنجاة الكوفية يثبتون ان بعض الكلمات العربية مركبة من لفظتين او من كلمة وحرف ثم اتحدت اللفظتان فى كلمة واحدة بعد ان وقع بعض الحذف من كثرة الاستعمال وتطبيقا للقاعدة بذل المجهود الادنى وهم يرون مثلا ان " كم " مركبة من " الكاف " ومن " ما " و " لم " مركبة من حرف الجر اللام ومن " ماذا " ثم وقع حذف ، فنظرية الكوفة صحيحة وتطابق نظرية علماء اللغة المحدثين اذ ان بعض الكلمات قد تكون مركبة من لفظتين ثم يقع الحذف واختصار العبارة لكثرة الاستعمال وتجنبا للثقل وحرصا على المجهود الادنى .
ومدرسه الكوفة ليست مدرسة نحوية فقط بل لغوية بصفة عامة ففى هذه المدرسة نجد عالم النحو لغويا أيضا : انظر كتاب " المجالس " لثعلب ( 4 ) تجد المسائل اللغوية والصرفية والنحوية متداخلة . . .
كان " الكوفى " بحاثة يجمع الاشعار والروايات ويفسر كل ظاهرة لغوية فكانت كثرة الشواهد التى جمعها الكوفيون والتى لا توافق النحو البصرى تعين اليوم على معرفة ما كانت عليه اللغة فى الماضى من ذلك انها لم تكن مقيدة تمام التقيد بالقواعد المتصلبة التى وضعها النحو البصرى .
وان هذه المظاهر الايجابية فى النحو الكوفى لتوحى بكثير من الافكار لمن يريد اصلاح النحو العربى وتطويره تطويرا يناسب العصر ويتماشى مع عقلية شباب المتكلمين بالعربية .
وهكذا فان النحو الكوفى الذى أكثر المؤلفين من ذمه وقالوا عنه : إنه لا يعتنى الا بالشواذ وان الكسائى زعيم هذا النحو واصحابه أفسدوا النحو وأستهتروا بقواعده ، ان هذا النحو المغبون لا يخلو من قيمة وان الباحث الموضوعى ليجد فيه الكثير من المظاهر الايجابية . . .
على ان هذا كله يجب ان لا ينسينا الكثير من مظاهره السلبية ذلك ان اعتناء النحو الكوفى يجمع كل ما قيل من الكلام الشاذ والاشعار والروايات ويفسر كل ظاهرة لغوية على حدة فتعددت الابواب فى النحو الكوفى بتعدد الظواهر لان اصحاب هذه المدرسة لم تكن لهم اصول ثابتة بل كان يهون عليهم نقض اصل من اصولهم اذا ما توفرت ظاهرة مخالفة ولذلك افتقروا الى وحدة مبدئية فى حين يبنى نحاة البصرة مبادئ واصولا ويعتمدون طريقة ثابتة فيرتبون مختلف الصيغ والابنية التى يرونها تشترك فى ظاهرة واحدة ويجمعون ما تشابه منها فى اطار واحد حتى يسهل القياس واذا ما اعتبرنا الغاية التى نشأ من اجلها النحو وهى تبسيط حفظ اللغة على من هم فى حاجة الى الالمام بها من عرب وغير عرب رأينا ان الدارس يفضل بصفة طبيعية الدراسة البصرية لانها اجتهدت وحاولت ان تفرغ اللغة فى قوالب ثابتة وقواعد مضبوطة فمال الدارسون الى نحوهم وساروا على منهجهم ولم يقبلوا على النحو الكوفى لسعة روايته وكثرة لهجاته لان المقبل على تعلم اللغة لا يعنيه من ذلك كله الا ما ييسر له التكلم باللغة العربية بأيسر مجهود .
ولنا ان نتساءل بعد كل هذا الى اى حد وفق هذا النحو فى ضبط اللغة وتحديد قواعد لها وهو الذى يعتمد على كل ما يصدر عن العرب من كلام دون التفريط فى اى شىء منه ؟ .
فى هذا المجال ايضا لا يمكننا ضبط حدود هذا النحو لقلة المصادر اذ تعوزنا النظرة الشاملة ولكننا يمكن ان نقول انه لم يبلغ من الصيت ما بلغه نحو البصرة ولم يتعمق فى المسائل التعمق الكافى وهو بذلك لم يكن نحوا شاملا او صرحا قائما متماسك الاجزاء وانما بقى نظريات فى بعض المسائل مما حدا ببعضهم الى انكار وجود نحو كوفى ولعل هذا ناتج عن عدم الشمول فيه وربما يعود ذلك الى عدم توفر مؤلفات ضخمة فيه تشبه كتاب زعيم نحو البصرة " سيبويه "
ويمكن القول أخيرا : إن النحو الكوفى مهما اختلفت نزعته يرمى الى ضبط اللغة ومساعدة متعلميها على التمكن منها وهو بخصائصه الواقعية يعدل كفة نحاة البصرة ويحد من نزعة التعميم عندهم ونزعة التصلب فى نحت القواعد واذا هو يشبه بحزب آخر فى دولة ديمقراطية يمكن ان يوحى لحزب حاكم باتجاه قد يكون مفيدا للجميع وقد تجد فى النهر ما لا تجد فى البحر . . ( 5 ) . .

