الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

( المعادن )، - بقية الفصل السادس عشر -، ( من كتاب البلاد السعودية للمستر توتشل )

Share

قال المؤلف :

كان مشروع استخراج المعادن فى البلاد السعودية صنو مشروع الزيت وبقى المشروعان مندمجين مع بعض الى شهر ديسمبر سنة ١٩٣٣ م . ومن بعد هذا الشهر رأيت من المستحسن فصل المشروعين عن بعضهما ، وكرست كل جهودى لانهاء مشروع الزيت الذى تكلل بالنجاح سنة ١٩٣٣ م كما تقدم فى القسم الاول من هذا الفصل ثم توجهت لاتمام الجزء الثاني من المهمة المنوطة بى وهو البحث عن رأس مال قوي لاستثمار الثروة المعدنية فى البلاد .

ولم أشأ ان اقوم بأى نشاط عملي في الولايات المتحدة لان ما بذلته من جهود في أول الامر عند ما كان المشروعان متداخلين مع بعض قد باء بالفشل ولذلك يممت لندن حيث مكثت ثلاثة اشهر من يناير الى مارس سنة ١٩٣٤ م واتصلت بعدد كبير من مستشارى شركات التعدين ومديريها الذين لهم مكاتب رئيسية فى لندن .

ولم يكن من السهل الحصول على رأس مال كبير للعمل فى استخراج ثروة هذه البلاد التى لم يسبق لاحد الفنيين الدخول اليها او العمل فيها . والمهندسون الفنيون عادة لا يهمهم من الامر غير الارقام والحقائق الثابتة . اما الكلام في المشاريع التجارية الواسعة او عن الشخصيات فذلك أمر لا يهمهم

وكل من اتصلت بهم من الرجال الرسميين فى هذا الشأن كانوا يبدون اهتماما كبيرا لدراسة احوال البلاد وأخذ معلومات عامة عنها وعن حكومتها ووسائل النقل فيها وعن حركة العمال وحالة الطقس ولذلك تشعب المشروع وصار التفكير فيه من وجوه عدة لا من وجه واحد ، وكانت التقارير الفنية والصور الفوتوغرافية التى كنت احملها عن البلاد محل درس وفحص من قبل كل من ابدى رغبته فى المشروع

وفى ذات يوم كنت اتحدث مع بعض اصدقائى القدامى - ونحن على مائدة الغداء - وكان معنا روبرت اداورد مدير الشركة الشرقية الانكليزية المحدودة للصفيح ، ولم يخطر يبالي - وانا اتحدث عن مشاهداتي وتجاربى فى بلاد العرب - ان شركة من شركات الصفيح تهتم بمشروع كهذا . . ولم انته من محادثتى الا ورأيت المستر رويرت ادوارد يطلب منى ان احضر اليه فى مكتب الادارة وان آتيه بمعلومات مسهبة عن هذا المشروع وفى الوقت المحدد ذهبت الى مكتبه واجتمعت هناك بشخصية رسمية اخرى من شخصيات هذه الشركة وهو المستر جيرالد هوتن وهو اميريكى المولد نيوزلندى الاصل وقد وجهت الي اسئلة كثيرة عن تفاصيل المشروع ثم قال الرجلان : انهما سيبحثان الموضوع مع مدير الشركة العام المستر جون هوسن بحثا وافيا من سائر وجوهه

واخيرا اتفق رأى اصحاب هذه الشركة على تأسيس نقابة للقيام بهذا المشروع وطلبوا منى ان اتقدم بهذا العرض الى جميع الشركات التى يمكن ان تساهم فى الموضوع . واتفاقا وانقاذا لهذه الفكرة سارعت الى تقديم هذا العرض على شركات التعدين ، وكم كان سرورى عظما عندما وجدت لدى كل من تقدمت اليهم رغبة اكيدة فى المساهمة بشراء الاسهم لهذا المشروع . . وهناك شركة امريكية ابدت رغبتها فى الاشتراك ولكن على شرط ان تأخذ من الاسهم ما تشاء وانها اذا لم تعط من الاسهم ما تريد فهي تنسحب من هذه النقابة ، ولما كان الأمر فى اوله ولم تكن نتباحث فى مسألة ما يخص كلا من الشركات الانكليزية والامريكية لم نتمكن من قبول عرض هذه الشركة . . وعلى كل حال فالعلاقات الودية التى تمت المفاوضات فى جوها بين الشركات الانكليزية والامريكية فى هذا المشروع كانت تبشر بمستقبل حسن لنجاح الامر نجاحا موقفا .

  وبعد ان تم في مايو سنة ١٩٣٤ م تكوين شركة للقيام بمشروع التعدين فى البلاد السعودية باسم ) نقابة التعدين العربية المحدودة ( عدت الى جدة فى ٢٧ يونيو سنة ١٩٣٤ م ومن جدة توجهت الى الطائف حيث اقمت ما يقرب من اربعة اشهر من ) ٢٣ ( يوليو الى ( ٧ ) نوفمبر ، وقد تم التوقيع على اتفاقية الامتياز يوم ٢٤ ديسمبر سنة ١٩٣٤ م بجدة وكانت حدود الاتفاقية تشمل معظم اقليم الحجاز ما عدا حدود الحرم أى ما يقرب من ( ١١٠ ) آلاف ميل مربع أى ما يعادل مساحة الجزر البريطانية او ضعف مساحة ولاية نيويرك .

وكانت الهيئة السعودية التى اشتركت فى انجاز مفاوضات هذه الاتفاقية تتكون من وزير المالية الشيخ عبد الله السليمان والشيخ يوسف يس والشيخ خالد الفرقنى من

مستشارى جلالة الملك المعظم وبالرغم من انى كنت بالطائف وكنت اجد من رجال الحكومة وضيوفها انواعا من الترحيب والائتناس ، مع ذلك كنت اشعر بطول الوقت وبطء سيره وكنت غير مرتاح لطول الفترة بين اجتماع وآخر من اجتماعات المفاوضات . ومن الاسباب التى دعت الى ابطاء المفاوضات وعدم الوصول الى انجازها بسرعة ان اتفاقية التعدين لم تقرر دفع مبلغ معلوم فى اول الامر كما فعلت شركة ازيت كقسط اولى من اقساط الدفع ولم يكن من السهل اقناع المسؤولين ان اتفاقية التعدين لم تكن مثل اتفاقية الزيت ، واخيرا توصل الطرفان الى حل هذا الأمر حلا مرضيا بعد ان استغرق البحث والمفاوضات ستة اشهر .

وفي ) ٢٦ ( ديسمبر سافرت الى مصر والعراق والى دمشق فلندن . وفى مصر ابدى لى رجال ) شركة فورد ( استعدادهم التام لتأمين جميع التسهيلات اللازمة لنقابة التعدين من سيارات للنقل والحمل واجهزة اخر فاتفقت معهم فى بادىء الامر على تزويد النقابة بالسيارات وبعض آلات أخر ثم تقدمت من مصر الى العراق بناء على الاتفاق الذي صار بيني وبين المستر فلبى - على شرط نجاح المفاوضات لنقابة التعدين السعودية - للقيام بالتجارب فى منجم ذهب بالعراق كان المستر فلبى مهتما به ، ووصلت ) قعوة ( شمال آبار رطبة بالعراق وقمت هناك بالتحريات اللازمة فى منجم ذهبي ثم توجهت بعدها الى دمشق فوصلتها يوم ١١ يناير ١٩٣٥ م . حيث تلقيت برقية من لندن تفيد ان نقابة التعدين قد وافقت ووقعت على اتفاقية الامتياز

وتوجهت من دمشق الى لندن فوصلتها يوم ٢٥ يناير ١٩٣٥ م حيث شغلت كل واوقاتى فى الاجتماعات مع افراد النقابة لتحضير الفنيين واعداد الادوات اللازمة المشروع ويحب ان لا ننسى ان جميع الرجال الفنيين للعمل فى ارض لم يسبق لغير المسلمين الوصول اليها كان من الصعوبة بمكان عظيم

عدت الى جدة يوم ١٧ فبراير وبدىء فى اعمال التنقيب عن المناجم فى أول مارس ١٩٣٥ م . وكانت الهيئة العاملة التى قامت بهذه الاعمال تتكون من : هارى . سى . بالارد و دبيو . ١ . جورج وهو خبير بالمناجم الذهبية و بيرون شانكس وقد جاء من استراليا وله تجارب واسعة فى اختيار المواقع لاجراء عمليات النقب والحفر وقد قام فى الستة الاشهر الاول من بدء العمل بأعمال شاقة كابد فيها من صعوبة الحالة والجو والأهوال .

ومن ضمن الهيئة العاملة بيثوب ومهمته القيام بشؤون مكتب التجارب والسهر على تنظيم الاعمال بمخيم الموظفين مع الاضطلاع بمهمة المحاسبة

ومن اعضاء الهيئة العاملة المساعد العام ارثر فاندر بول الهولاندى وقد أقام بالحاز بعد اعتناقه الديانة الاسلامية زمنا طويلا وهو يجيد التكلم بالعربية . وكان يدير وكالة لشركة من شركات البواخر الكبيرة ثم ترك العمل فيها . وبذل نشاطه فى اعمال هذه النقابة بتنظيم تموين المخيم واحضار عمال وموظفين ، كما كان نشيطا جدا فى استخراج الآلات والاجهزة الواردة لمخيم النقابة من ادارة جمرك جدة بعد انهاء الاجراءات المتبعة ثم ارسالها الى المخيم او الى أى بقعة يقرر وضعها فيها وبهذا كله أدى للنقابة خدمات كبيرة فى السنة الاولى من بدء هذا المشروع

وكان من أعضاء الهيئة العاملة كذلك الاستاذ احمد فخرى وكان مثالا للكفاءة والاخلاص في اداء مهمته وهى الترجمة ، وفي الوقت نفسه بقى مساعدا للمستر شانكس مدة ستة اشهر ثم انتقل الى وظائف اخر فى النقابة نفسها .

وقد سبق للاستاذ احمد فخرى ان قرأ فى كثير من الكتب العربية القديمة فى مكتبات مكة والمدينة ، كما قرأ فى رحلات انكليزية قديمة مثل رحلة ريتشارد بريتون وغيره من الاوربيين الذين قاموا برحلات فى بلاد العرب عن وجود كثير من المناجم القديمة فى هذه المنطقة . وقد أكدت لنا ذلك رحلتنا الجوية التى قطعنا فيها مسافة طولها ٤٠٠٠٠ ميل وما سجلناه من الصور الشمسية كان موضحا لتعيين مواقعها وقد لاحظنا فى سبعة من هذه المواقع وجود فتحات كفتحات العمل ، ولكن التجارب العملية اثبتت ان هذه السبعة المناجم القديمة - مع سوء الحظ لم يكن فيها غير منجم واحد يبدو صالحا وان كمية التبر الموجودة فيه كمية لا بأس بها وتشجع على فتح العمل وتنظيمه وهذا المنجم يعرف باسم ) مهد الذهب ( ولا ندرى هل هذه التسمية فى محلها أم لا وعلى العموم فهو اكبر منجم قديم رأيته فى بلاد العرب والسودان .

والحفريات التى اجريت لفحص طبقات هذا المنجم دلت على انه ازدهر العمل فيه فى عصرين مختلفين واحدهما يقع ما بين سنة ٧٥٠ م . و ١١٥٠ م . وعرف هذا من الكتابات الكوفية التى وجدت منقوشة على كثير من الصخور . . اما العصر الثاني فلا يوجد هناك شئ ثابت يمكن ان يحدد مبدأه او منتهاه كما لا يوجد أثر واضح يرشدنا الى طول هذا العصر الثاني . وليس بعيدا ان تكون هذه المناجم قد عمرت أكثر من مرتين ، ويقال ان المناجم التى تقع فى منطقة أم القريات على بعد ) ١٤ ( ميلا

من بلدة الوجه ان تاريخها يعود الى زمن النبي داود . لقد كان الذهب فى العصور الماضية اغلى ثمنا من وقتنا الحاضر لان استخراجه فى الماضي كان لا يتم الا بمنتهى الصعوبة ولم يكن هناك عمال يقومون باعمال المجم بل كان . اصحابها يشغلون عبيدهم كعمال ولقلة الآلات والأجهزة كان العمل لايدار فيها الا فى موسم الامطار .

وكان من ضمن شروط الاتفاقية ان تقوم النقابة بعمليات البحث والتحريات في جميع ارض الامتياز لمدة سنتين ، وبعد اجراء التجارب اللازمة قرو فتح العمل فى منجم واحد ، وخصصت بموجب العقد خمسة عشر سهما في المائة من قيمة اسهم هذه الشركة للحكومة السعودية كاجارة المنجم علاوة على رسم آخر قدره ) خمسة فى المائة من قيمة المواد المستخرجة يدفع للحكومة للسعودية ( كما طرحت ) ١٠ % ( من الاسهم على السعوديين وبذلك صار مجموع ما اخذه اهل البلاد السعودية والحكومة هو خمسة وعشرون فى المائة من مجموع اسهم الشركة

وجد فى منجم مهد الذهب الذى تقرر فتح العمل فيه ثلاثة انواع من التبر فى ثلاث طبقات فالطبقة الاولى هو كمعصوف الحبوب وتحتها الطبقة الثانية التى استخرج منها الذهب بالطرق الاولية الساذجة والطبقه الثالثة نقب عنها بحفر عدة آلاف من الاقدام وعمل ممرات ومناقب إلى عمق ثلاثمائة قدم تحت سطح الارض .

والطبقة الاولى مختلطة بكبريتور النجاس ، والرصاص والزنك والحديد وبما كان يسقط من الآف السنين من اوساخ الابل والماشية والناس ومن ذرات الفحم والرماد المختلفة من قطان تلك الجهات ، وقد كون كل هذه المواد المتنوعة طبقة غير معلومة الحجم ، ولذلك كان من الصعب جدا عزل التبر وذراته من هذا الخليط المتماسك بعضه . مع بعض . وقد ذلل رجال الشركة الفنيون هذه المشكلة باستعمال احدث الآلات وأقوى المراوح والاستنارة بآراء بعض الشركات الاميركية المشهورة فى صهر المعادن ثم عمدت الى تصفية هذا الخليط المعدني بان اكتفت بتعويمه فى كميات من الزيت وارسال الرواسب المعذنية الى مصاهر المعادن العظيمة فى ولاية نيوجرمي . .

والبوادر تدل ان البلاد السعودية سوف تربح من هذا الشروع فوائد شتى من حيث المادة والثقافة . ومن الفوائد الثقافية ان كثيرا من البدو الاميين اصبحوا بجيدون التكلم بالانكليزية وتدربوا على ادارة كثير من الآلات والاجهزة الفنية الحديثة ، وعلى العموم فالمهارة والقوة التى يمتاز بها العرب فى ادارة ما يناط بهم من

الاعمال تستحق الاعجاب كما يجب الاشارة الى حذاقة السواقين العرب الذين يقومون بسياقة السيارات الضخمة التى تحمل ١٥ طنا فى المناقب الطرق الجبلية التى ترتفع عن سطح البحر ٣٧٠٠٠ قدم فى مسافات دائريه يقدر طولها ب ٥٠٠ ميل ولم يحدث لهم فيها من الحوادث الا النزر الذى لا يذكر .

وفي سنة ١٩٤٠ م قمت بزيارة ميناء عسير الرئيسية " جازان " ورأيت هناك منجما للملح الصخرى الذى يستخرج منه بطرق عتيقة ، وقد رسمت للاستفادة من هذا المنجم استفادة واسعة خطة شرحت فيها الطريقة الحديثة والآلات الجديدة التى لو نظم العمل بها وبموجبها لوجد هذا الملح اسواقا ورواجا كبيرا فى العالم لانه مرغوب جدا فى العالم لصناعة دبغ الجلود وكانت الهند فى الازمنه الماضية تشترى كميات كبيرة من الملح الصخرى لهذا الغرض من من منجم الصيف باليمن

وفي غربى الحبشة يندر وجود الملح ولذلك يعتبر هناك من السلع الغالية . وقد شاهدت بنفسي في تلك الجهات ان الناس يتعاملون بالملح في المقايضه به كنقود . ومن السهل تصدير الملح الجازاني - اذا نظم استخراجه . الى هذه الجهات من الحبشة .

وفي منطقه رابغ توجد رواسب نقية من المادة ( بارت ) وهذه المادة لها قيمة كبيرة لدى شركات تستعملها فى عمليات النقب

وفي ( الوجه ) توجد بعض آثار دالة على وجود مناجم قديمة وعلى وجود رواسب مبعثرة من الرصاص فى كميات صغيرة كما توجد رواسب حديدية فى اما كن شتى بالقرب من منطقة مهد الذهب ولكن الكمية الظاهرة في كل هذه المحلات ليست بذات قيمة تجارية كبيرة تشجع على فتح اعمال لتنظيم استخراجها .

وشاهدت فى منطقة ( برم ) جنوبي الطائف وفي ( نفى ) شمال الدوادمى مناجم قديمة غريبة الوضع وفى كلا المحلين آثار تدل على وجود نشاط عملي في الازمنة القديمة كما توجد اكوام ترابية كثيرة وقد ورد فى الكتب القديمة ما يدل على وجود مناجم للفضة فى منطقة برم ولكن التحريات الاخيرة لم تثبت ذلك . وقد عثر اثناء البحث فى الاكوام الترابية على بعض آثار قديمة كصحون ومسارج . .

تم الفصل

اشترك في نشرتنا البريدية