الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

المعالم, المعالم - تابع -

Share

ترجمة : مصطفى القصرى

- 2 -

نشرت مجلة الفكر فى عددها السابق (*) القسم الاول من ترجمة قصيدة المعالم ( Amers ) للشاعر الفرنسي سان جون بيرس . وها هى تقدم للقراء القسم الثاني من هذه الترجمة آملة أن نستمر فى نشرها إلى النهاية لاهمية قيمتها الادبية .

وقصيدة المعالم اشادة بوحدة الوجود وحوار يجرى بين محبوبين يلعب فيه البحر دورا حاسما لما بين البحر والإنسان من اوجه الشبه كما نبه على ذلك الشاعر بودلير فى قصيدته " الانسان والبحر " وكذلك الشاعر فيكتور هيجو .

وليرجع القارئ إلى مقدمة العدد السابق من مجلتنا ليكون نظرة عن مغزى هذه القصيدة وأبعادها ومراميها ورموزها .

وقد حرص المترجم أول ما حرص فى عمله على تقديم نص مطابق للنص الفرنسي فى إيقاعاته وتفعيلاته واسترسالاته ونفسه الشعرى باحثا فى لغة العرب عن الوسائل البلاغية التى ستعملها الشاعر فى شعره .

فالمترجم لم يترجم مثلا أسماء بعض الزهور بمقابلها العربى ، لان غرض الشاعر على ما فهمه المترجم لم يكن هو سرد هذه الزهور لمعانيها فقط . ولكن خصوصا للرنة الغنائية

التى تحدثها فى النفس على إنفراد ومجتمعة ، ولذا قام المترجم بالبحث عن أسماء زهور لها رنتها العربية وغنائيتها لكثرة ما صقلتها الالسن عن طريق الشعر العربى والكنايات العربية .

" أكاليل زهور وحبق ، خزامي وأقاحي وبنفسج " ولناخذ كمثل آخر للطريقة التى استعملها المترجم فى ترجمته هذه الجملة كما صاغها الشاعر :

< Comme un ground destin en marche sur les eaux *

وأى مصير يكون اعظم من الصورة التالية لهذا المصير ؟ : كما لو نودى بنبى ان اركب وقومك متن الامواج " وهي سورة مقتبسة كما ترى من سورة نوح .

وانظر إلى هذه الجملة التى يخاطب الشاعر فيها عشيقته فيقول :

< Tu es nee marquee de I' etalon divin "

وجد المترجم نظيرها ملخصا في آية قرآنية ، وأصبحت ترجمة الجملة الشعرية كما يلى : " خلقك ربك فسواك " سورة سبح .

كما أن هذه الجملة الشعرية الاخرى

Rouge doursin , les chambres du plasir *

تحولت إلى العربية عن طريق إقتباس كلمة من حديث ينسب إلى الرسول جاء فيه :

" حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها " فجاءت الترجمة كما يلى :

" كالتوتيا حجرات العسيلة حمراء " وهكذا جرت الترجمة أو جرى التعريب من غير تقيد أحيانا بالمفردات نفسها .

وقد نجد المترجم يترجم الجناس الذي يستعمله الشاعر هى شعره بجناس عربى يناسبه ويطابقه دون اى إبتعاد عن المعنى المقصود مثلا " أفيونا فانيا : " pavot pale "

" فيض وتفويض : (Submersion soumission )

ولنضرب مثلا آخر لهذه الطريقة فى الترجمة : فكما ان المترجم إستعان فى عمله بأسلوب القرآن والحديث والشعر العربى القديم فقد إستعان كذلك بما استعان به الشاعر نفسه من اقتباسات ، فالشاعر أتى بهذه الجملة الشعرية :

(Mes dents sont duces sous ta langue )

ولا يعزب على كل لبيب ما لهذه الجملة من الشبه بجملة نشيد الانشاد التى تقول في نصها الفرنسي :

" Tes yeux sont deux Colombes sous ton voile "

فأخذ المترجم الجملة المقدسة فى نصها العربي وهي هكذا : عيناك يمامتان وراء نقابك وجعل منها :

" ثناياى غذاب تحت لسانك " ولنضرب أمثلة أخرى عن هذا الاسلوب من الترجمة سردا دون تعليق .

" La houle monte et se fait femme "

" الموجة تندفع صعدا فإذا هي مرأة تسعى " - قرآن : موسى -

" Licence alors aux jeux du corps "

" إذ ذاك نقول للجسد هيت لك " - قرآن : يوسف - .

"الصيف محرق الصمغ واللحاء ، الصيف يمزج عنبر

المرأة بعطر سود الصنوبر .

سمرة المرأة ونمش العنبر هما حقا لفح القيظ ولهيبه :

كذلك شأن الآلهية : أصابها داء نجهله ، فتحولت إلى لك

من التبر بمشدات خصر الغوانى . وانت التى كساك هذا اللحاء

لم تعودي عارية بعد : فخصرك محلى بالذهب ، وفخذاك

ملساوان كمن دجج بالسلاح ... حمدا لك حمدا أيها

الجسم الرفيع الذي ستره ضياؤه وضربت بدار الملك سكة ذهبه !

من منكم يا قوم لم يعلل نفسه بالكشف عن هذه

السبائك الذهبية السمراء ، المكسوة بجلد الايل اللدن ،

المختزنة في قعر السفن الراحلة بها نحو قصور الامراء ،

رباطها سيور القنب الخشن ، وثاقها حبال من مسد .

جسمك يا سنخ الملوك ينضح تباشير صيف البحر :

فهو بالاقمار منقوط وبدقاق الاقمار ، وبلون الوحش

مرقوط وبالكميت ، صفا كدقيق الذهب تخلل غرابيل

المصفين ، زين لجينا وقنص فى الشبكات العريضة الوضاءة

المسبكرة في الماء الوضيء .

سنخ ملوك طبع الله صنعه بخاتمه! ... ساكشف من

القفا إلى الإبط فمهبط الساقين ، ومن الخصر إلى الركبة

فموضع الخلخالين ، سأكشف منكب الجبين عن

ناموس عددك في جدول ميلادك من بين الرموز التى تجمعت

مشيئة لخلقك ، كما تتجمع نجوم الفلك المتصاعدة

من النجود البحرية ، لترنقي مساء كل يوم غربا إلى

السماء ، قريضا منتظما فى سلك قصيدة عـصماء .

آه ! كأنك أشربت دما من نسل الملوك ! فاقع لونك

كجساد الكاهنة ، أنت سمراء التورد كلون الشاصية الوردى .

خلقك ربك فسواك ، وعلى حبلات الكروم التى أنضجها

بسطوح الارض أعلاك ، شهادة منه علوية بفضلك !

لفح الحسب قفاك ، وسكن حر الص الصيف لبدة شعرك

وحم إبطك كما لو صبروا الورد بالملح في الجفان .

أنت خبز التقدمة في الهيكل ، وعليك فرجة الطقوس

الكهنوتية : فرجة أبرزوها بالخط الاحمر .

أنت المعبودة من النحاس البكر ، منحوتة فى صورة

حوت دهن بشهد الصخر والجرف .

أنت البحر نفسه في لمعانه ساعة انشقاق كبد السماء

المشتعلة بقوة ، وقد هريق زيت مصابيحها .

بلغت نفسك سن البلوغ : فجزعت إلى بلوغ القبس

الوردى الكامن في فوهة الرمال .

أنت دفء الرمل وأريجه ، وانت نعمته نفسها ونسيمه

في أعياد ظل الشواظ . فيك نسمة تلال البحر الأزلية

وكل الضفاف المشاعة التى يرعش فيها الحلم أفيونا

فانيا .

أنت صيحة الملح وعرافة الملح ، بعدما انسحب

البحر بعيدا عند سطوحه الرقطاء بالمسام .

أنت القشر واللهب الاخضر ، أنت ثعبان اللهيب الاخضر

باسفل الصفائح الصخرية المذهبة من حيث تهبط أغصان

وأوراق الرند والسنديان والغضاة إلى لظى البحر باحثة

عن نمش صهبتها .

أيتها المرأة ، أيها اللظى الذي قام على شكل

مرأة ، لا مست بالموت شفاه لمستك !

أنت الحياة ( وليس سواك ) تدل عليها نسمة الماء

الاخضر والصخر ، ورائحة البكر وغابة البحر .

أردافك تستحم فى نعمة عصرنا ، فيك رائحة اليرمع

اللامعة نجومه ، ونشق النحاس المتدفء في شبق

الامواه .

أنت الصخرة المتوجة بالطحلب عند تقلب الامواج .

لك علم بباطن أكبر النباتات البحرية المخلوقة

في صورة علقات ومضغ علقت بها حبات حجر الكلس .

أنت الجبين ظلل الظل شخصه ، وأنت نعمة المرو

الكلسى ، تتحركين مع الخرطال وذرة الرمل البيضاء ،

وثيل الحصا المغمورة ، وتختلط نكهتك بنسائم التبن

التى تهب على البحر ، فتهبين مع الرمال للهجرة نحو

البحار .

سكرت وانتشيت باحتضان كل هذه الامواج ! يا قلب

الملوك ويا إهابا من جفن العين أرق ! إنك تفعلين

فعل البحر الزاخر الذي لا محيد عنه ، وتشعرين بضمه

المهتاج ، متفتحة - سيدة أمة - لإنبساط الامواه .

البحر المجزور يباشر فيك خواتمه وحدقاته ، والنهار

يقبض والليل يبسط هذه المقلة العيناء التى تحوط بك .

حمدا لتواطؤ الامواه حمدا ! وقولي حمدا لا يدنس

بالعار نفسك . كيد الله المبسوطة تأخذ الرجل الذي

ستضعه المرأة من بطنها ، وتلقى بالنفساء على خرقها

وأغشيتها المجزأة .

آه ! كالبحر نفسه للاشنة والعلق أكال . كالبحر

بطرح أمام مجمع القضاة والامهات جيوبه المشيمية

الكبرى ، وأشنته الكبيرة السمراء ، ومآزره العريضة من جلد

ما يلتحف به القوابل ومقدمو القرابين .

ألحق اللهم الشهوة المقدسة بضحيتها ، ولتقدم

العاشقة المنكفئة على كمائم أغشيتها إلى ليل البحر

لحمها المرضرض المفتح كالاشداق ، فليس ثمة ما

يدنس بالعار نفسها .

فيض وتفويض ! لتعمك غمرة اللذة المقدسة ،

فأنت مأواها . تمكنت الغبطة من لحمك كتما تتمكن

حمة اللحم من النفس . لقد رأيت بين أسنانك أفيون

الإلهة يلمع أحمر قانيا .

الحب يحرق فلكه عرض البحار . وأنت جذلى في

الوطيس الربانى كالآلهة الرشيقة جذلي تحت الماء الوضيء ،

حيث تنساب الظلال فاتحة عرى أحزمتها اللينة .

حمدا للتنوع الإلهي حمدا ! إن نفس الموجة عبر

العالم هي نفس الموجة لسباقنا .

التفعلة ضيقة وضيق الوقف الذي يفصم جسم المرأة

في وسطه ، كما يقسم العروض البيت التفعيلي .

ستتضخم أيها الشبق . البحر الكلب يحفزنا وأريج

حياضه شارد فى فراشنا .

كالتوتيا حجرات العسيلة حمراء !

أنين المرأة على الرمل الدقيق ، وحشرجة المرأة

بالليل مثلهما كمثل زجل العاصفة الهاربة على الامواه .

يمام العصف والجرف ، وقلب ينكسر على الرمال ، حتى

أصبحت من بحر تلك العاشقة التى تنهمر بالدمع سعادتها .

أنت الرجل تضطهدني ، أنت الرجل تدوسني كسمان

حواضن وأسراب من الاجنحة رواحل . هل تنبؤنـي بمن

يسر جمعنا ؟

أيها البحر الممتزج بصوتى ، أيها البحر المختلط بنفسي

أبد الدهر ، يا أيها البحر الذي يعلن عن نفسه عبر الصخر

وعبر المرجان ، هل تسمحان لجسم العاشقة الولـهي

بأن يكتسي الرشاقة ويتحلى بالاعتدال ؟

هو أنين مرأة اعتصروها . إنه أنين مرأة لم تلوث

بالجراح . زد سيدي في نكالي ومدد مولاى لذتى .

أرايتم وحشا رشيقا أرق عشقا منها يعاقب عقابها ؟

امرأة أنا وهالكة في كل جسد لا يوجد العاشق به .

هاتونا العربة القاسية التى تركض ركضا على الامواه .

لتدسنا سنابكها ، ولتمزقنا دفتها ، ولتصدمنا

بيدها النحاسية المحدودبة . وها هي العاشقة تمسك

العاشق كشعب فظ غليظ ، وها هو العاشق يمسك العاشقة

كالكواكب انتثرت . وها هو جسدى ينفرج لا على

استحياء - لعمود القداس كالبحر نفسه إذ ينفرج

لنزو الصاعقة .

هيه أيها البحر الواقف في وجه الردى ! دنيا من الحب

تتردد عبر العالم لتواجه غوغاءك ! إنها نفس الموجة

على مصعدها ! وأنت أيها الامير الآمر ، إنك عليم

بما نصلت من سيوف . الحب وحده يوقف الموجة الطامية

المنحنية ، يوقفها على ساقها المتوعدة ، يوقف الموجة

الملساء ذات الصلب الارقط كالصل .

ليس في الشرق ناي مثلها ينفخ في قنينة دبائه ،

قادرا على تنويم الوحش المنتصب .

سوى أن التى تعترض وحدها لحدة الجدال . لسانا

بلسان ، وفحيحا بفحيح ، لاهثة متصببة ، وقد سجر

عينيها القذي ، العاشقة المنتفشة ، المتربصة القوساء

المنقضة ، يصدر عنها صفير العاشقة والكاهنة .

ألم يئن لك أيها الرمح المقدس أن ترسل ضربتك ؟

إنما النسي نعمة من الوحش أنعم على بها ! فليكن

الجزع صرصرا وليزد ! .. الموت ذو الرأس المنحرف الحاد

الموت ذو الرأس الشبيه بهيكل السفين ، يفح فحيحا بلسانه .

كنيته متوال ، موعده براءة . أنصت إلى الموت يعيش

واصغ إليه يئز كالزيز ...

أيها العهد ، إضرب ضربتك ! وليكن ردك على

مولاى أسرع رد وأمرك أبلغ أمر ، فقد بلغت الشهوة منتهاها !

إبحث أبعد من دلوك أيها الانكليس الملكى ، كالبرق

يبحث عن قراب السفين .

لقد ضربت ضربتك أيتها الصاعقة المقدسة ! من

يرسل من أعماقي هذه الصيحة المدوية ، صيحة مرأة

لم تفطم .

يا للروعة ويا للحزن ! ويا لمشط الإلهة الرفيع ينضد

زبد البحر المستبشر ! ويا لكل النعم عمت وانتثرت

نورجا من ذهب ! كدت أحسب أننى لابواب الغيب طارقة ،

وحول حرم المحال حائمة .

أيها الاله الذي نزل برحبنا ضيفا علينا ، أدم

فينا دوامتك الثاقبة .

الموت الباهر الباطل يمشى مشى الهرولى إلى فرش

أخرى لينزل برحبها ، والبحر الغريب الوجه ، الذى بذروا

الزبد فى بطنه يلد خيله المطهمة بضفاف نائية أخرى .

إن هذه الدموع يا حبيبـى لم تكن دموع هالكة :

يا للسفينة المتفتحة على حيزومها ، اللامعة بأوار

الجمر والذهب ، المشتعلة سلة غرقها .

يا للروعة ويا للحزن !

حم حول الكائن الأوحد باسرع من البرق وأكثر

فالبحر ليس بأجشع منا فى التهام ربه .

حمدا للتي كانت هنا ومرت كلمح بالبصر . آه !

كالتى كرعت الدم من طاسات الملوك ، فنسيت جنسها

ومقامها ، ولكن حلمها لا يزال عالقا بذكراه :

" لزمت الموت الباهر الباطل ، وخاطبت وجهها لوجه الصاعقة

التى لا وجه لها ، وأنا التى أعلم من البحر أكثر مما يعلمه

الاحياء ، إنى لعليمة بالالم القديم الكامن فى مغانيه

المشتعلة الصفراء . إن من يحلم بالسيف المجرد الملقي

فى الأمواه الوضيئة لكفيل بألا يجرد الاسطورة من المشاعل

والدموع ..."

العاشق ليس مصدر دموع العاشقة أيتها المحبوبة

التى تهضم حبنا . التبار للاله الغيور الذي اقتطفك من

بين ذراعي ! اليد التى تعتصر العنقود بين جبهتينا يد

غريبة عنا . أنت المشاعة كنت تغدرين ، خيانة للعهد

وأي خيانة واحرباه ! إعتقاد باطل أننا للكائن الأوحد

طارقون . هل تكلم أحد بكلام ؟ لن يسمعه أحد .

اللاسكني مغنانا والنقب لا عاقبة له . لكن الاعتزاز

بالحياة هو فى البلوغ ، لا في الاستعمال والامتلاك .

ستخلقين أيتها الشهوة خلقا جديدا وتتسمين أمامنا

باسمك الاخر . يا عشق يا مسلك ملوك ينهض منه

الملك المنتشي مخفورا بصاحب العصا !

أيتها الشهوة ، يا أيتها الشهوة السباقة التى تمدنا

بعونها ! هل هذا هو اسمك وحده ؟ أم لك اسم غيره ؟

يا من يبعث صيحة الرمل بعيدا بأعتاب لا ترى

ويجعل الرسول يرى عن كثب على الامواه ! يا أيها

المبشر ، سؤالك الشيء أوسع وطرايفك قدد . إنك تنتعش

من جديد أمامى ولا تفتأ تمد إلى سلاحك مدا ، فهلا

تـمد إلى المرأة على قوسها مدا بعد مد ؟

أعاصير الشهوة مرسلات ، والبرق من كل فج يرسل

طيور سعده ! امتصاص الإله الجبار يقع على سطح الامواه

المتورم . البحر في صورة حوت لم يمتزج بقلب الاشياء

الكسير . أيتها الرغبة المسيطرة ، تقمصى صنع يدك ،

بحر الاحلام المتجوف يسلم للازميل كعوبه وثلاثياته

المقسمة ، فيشتتها شظايا زجاج أسيود كسيل بركان بلوروه .

اشترك في نشرتنا البريدية