ترجمة : مصطفى القصرى
تقديم
الحب عمل كثيرا ما صبغته المجتمعات عبر العصور بطابع الاثم والذنب والرذيلة والفحش . اقتبل كالسرقة ، واعتبر أخطر من الكذب ، وعوقب عليه بالرجم والجلد والسجن والقتل ، وبوشر الى عصرنا الحديث كما يباشره الحيوان أو افظع .
والقصيدة التى تقدم ترجمة فصل منها تمجيد للاتصال بين الرجل والمرأة وتطهير وتقديس له عن الشوائب والادران التى علقتها به انسانية القرون الوسطى وعقيدة سكان الكهوف .
وما هو الفرق بين الانسان والحيوان وبين حياتهما لو لم يتدخل العقل عند الانسان ليرفعه من الحضيض وينزله مقاما سميا .
فكان التفكير والفلسفة ، وكان الدين والله ، وكان العلم والفن ، وكان الحب .
واصبح الحب فضيلة بعد ان كان رذيلة ، واعلن عن نفسه بعد ان كان يتملص كاللص عن الابصار .
أليست أمنا الارض نفسها تنفرج للبحر الاجاج ؟ ألا يسافد الصيف الخريف ؟ ألا تنزل الشمس بأشعتها الدافئة على الحقول فينبت الزرع وتنضج الفاكهة وتتفتح الزهور ؟
كل شئ فى الكون زوجان اثنان ولولا الحب لما كان الكون يكون ، وهناك من يقول بان للكون كونا آخر يماثله ويقابله ويطابقه .
واذن فلا أقدس ولا أطهر من هذا الاتصال ، واذا كانت هناك فضيلة فهى فى تجرد الانسان عن فكرة الاثم القديم والتحرر منها لتكون كلمة الله احقاقا للحق وازهاقا للباطل .
والشاعر كلمة الله كالنبئ يكسر الاصنام وينير السبيل ويبشر وينذر ، ينذر بنور الله فينطق لسانه بما تراه بصيرته .
وها هو الشاعر سان جون بيرس يحلق فوق العالم ويشاهده فى أعلى السموات ، يطل على البحر والمضجع فيرى ان هيكل السفينة كجسم المرأة حتى فى الفرجة التى تتوسطهما ، وان الفلك ضيقة كضيق المضجع ، وان ربان السفينة وربان المضجع واحد ، وان للبحر عضلات كعضلات الرجل ، وان البحر يغمر حجرة الغرام وان الغرام يشق غمرات البحر وان ما فى كيان المرأة من جوهر البحر واصله جعل للمرأة طعا يذكر بالملح ، وان الارض تتفتح للبحر مرتدية حليا من الفقاقيع كما تتزين المرأة للرجل فيصهل البحر وتسمع له جلبة وينفعل الرجل كانفعال البحر .
هى وحدة الوجود يتغنى بها الشاعر ابتداء من حبين امتزجا فى نفسه وقلبه : حب البحر وحب المرأة التى تفتح له ليلها القديم : " كناس كل حافظة " وهكذا يرتفع الشاعر بالحب - عن طريق الحب - الى أعلى عليين ويحوله عملا نبيلا يرفع الانسان الى درجة الانسان الحق ويسمو به عن الرذيلة والفحش والرجس والفجور ، ويكسوه كساء سنيا سداه الطهر ولحمته الفضيلة ، كساء مرصعا بجواهر ويواقيت استلهمت بريقها من نور الملكوت الاعلى .
وقد عنون هذا الفصل من القصيدة بعنوان " المعالم " جمع معلم وهو ما يستدل به على الطريق اذ لم نعثر على الاصطلاح البحرى فى العربية لكلمة ( Amers ) المأخوذة نفسها من اللغة النيرلاندية وهى تعنى المعالم التى تستدل بها السفينة فى طريقها البحرية والتى توجد قائمة قرب الشواطئ كالصخور أو البناءات أو الجبال أو المنارات أو غيرها .
كما اننا حرصنا على شكل هذه القطعة الشعرية لنسهل على القارئ قراءتها الاولى . وقد التزم المترجم ترجمتها باسلوب قد يبدو غير حديث ، وبلغة هى أقرب من لغة الكتب القديمة منها الى لغة الجرائد اليومية والصحف العصرية التى تتناولها اليوم ايدينا .
ذلك ان سان جون بيرس اقتبس اسلوبه من الملحمة اليونانية القديمة ومن الكتب المقدسة كنشيد الانشاد . فاصبح لزاما على المترجم ان يبحث هو ايضا فى العربية عن اسلوب يضاهيه ويماثله واين يجده اذا لم يبحث عنه فى لغة القرآن وشعر الاقدمين ؟
يا أيها العشاق وقد برزتم متأخرين بين تماثيل البرنز والرخام المنتصبة فى امتداد أولى نيران المساء .
يا أيها العشاق وقد استمسكتم بالصمت بين أفواج الغرباء ، لتشهدن أنتم كذلك بآلاء البحر فى هذا المساء : ... الفلك ضيقة ، ضيق مضجعنا
إمتداد البحر ما أوسعه ، وكعرض السماوات والارض ملكنا فى حجرات الهوى المختومة . انفذ إلينا أيها الصيف الآتى من البحر ، فسنقص على البحر وحده قصة غربتنا فى أعياد المدينة ، وسنسامره عن النجم الطالع من الاعياد المنتظمة فى عمق البحار ، هذا النجم الذي هوى على مضجعنا ذات مساء ليتسم عبير الآلهة .
عبثا ترسم لنا الارض الغريبة تخومها . إنها نفس الموجة عبر العالم ، إنها نفس الموجة منذ طروادة ، تسحبب خصرها إلى أن تبلغ إلينا . هذا النفس طبع بعيدا عنا بأثباج البحار في سالف الدهور ...
وعظم الضجيج يوما فى الحجرات حتى لم يكد الردى - وصداه صدى المحار - ليست ضميره فيها :
يا أيها العشاق ، أحبوا الفلك وأحبوا غمرة البحر فى
الحجرات ! بكت الارض يوما آلهتها وبرز الإنسان لصيد الطريدة الصهباء . المدن يبلين ، والنسوة يحلمن ...
لينزل دائما بعتبتنا هذا الفجر العظيم الذي سميناه البحر - يقق أجنحة وشهر أسلحة - حب وبحر من مضجع واحد ، حب وبحر فى مضجع واحد .
وهذا الحوار أيضا فى الحجرات :
-" ... أيها الحب ، يا أيها الحب ، آت الذى رفعت صيحة ميلادى أعلى عليين . حتى أتيت بحرا يزحف نحو العاشقة ! أنت كرمة ديست على الحصباء ، ونغمة زبد أصبح لبابا كله ، ونعمة فقاقيع على الرمال ... حمدا للحميا الإلهية حمدا !
أنت الرجل تجردني أنت الرجل الشره : ربان أنت أربط جأشا من ربان الفلك في فلكه . وليست امرأة إلا وتروق إن فسخت عنها كل تلك البرود .
وعلى حصباء جسدى اضطجع الرجل الذى من البحر ولد. ليجعلن لنفسه موردا من العين الزلال تحت الرمال . وليستمتعن في ميداني كالإله الذي وشم ذاته بذكر السرخس.
أصاد أنت يا حبيبي ؟ إني لشفتيك مراة من الظمأ الجديد أحدث ، ووجهي بين يديك غريق بين يدي منقذه . هيه ! ليكن لك وجهي في حر الليل رطوبة لوز وطعم فجر . وليكن لك أول مذاق للبواكر على الضفة الغريبة عنك .
زارني أمس فى الكرى طيف جزائر جون أكثر اخضرارا من الحلم ، نزل النوتية إلى الساحل للسقاية من منابع زرقاء فشاهدوا - لدى الجزر - الرمال المتقاطرة وقد تجدد فراشها : خلف البحر المشجر فيها ذلك الوشم الصافي الدقيق كجريد نخل طوح به أو نائحات كالاعلام يمدن من النشوة وقد طرحهن البحر متلفعات بمآزرهن وذوائب نشرنها .
إن هى إلا أحلام تنبئنا بتأويلها . أما أنت أيها الرجل ذو الجبين المستقيم ، المستوى في حقيقة الحلم ، فإنك تكرع من لثة الفم المستدير . وتعرف قلب الشفاه القرطاجية التقاسيم : حب الرمان ولسب التمر الشوكي ، تين الزنج وثمر الصين ، لفواكه المرأة حبيبتاه من فواكه البحر أطيب . تقبلي مني متجردة من الحلي والاصباغ ، مني تقبلي عربون صيف البحر ...
هو الحرود في قلب الرجل . ما أعجب الرجل اللاساحلي قرب المرأة المتاخمة . لاسيرن بحرا نحو مشرقك ورملك المختلط بالذهب . لاسيرن على ساحالك أمام النشر البطيء الذي تحدثه حلقاتك - وهي من طين - وتعبر عن مرأة تتكون وتتفكك مع الموجة التى تتسلها ..."
- " ... وأنت التي كستك يداك وحدهما ، تتحلين بالعفة مقدر وأكثر مما من الحلل تنزعين . لست عذراء البحار السحيقة من تماثيل البرنز والرخام . لا ولا تمثال النصر الذي يرفعه الغواصون مع الإبريق الإغريقي في الشبكات العريضة المثقلة بالطحلب ، وإنما أتت لوجهي لحم مرأة ولتنسمي حرارة مرأة ، إنما أنت مرأة يثيرها عبيرها كقبس وردى بين أصابع تكاد تشتبك .
وكما يكمن الملح فى القمح ، فإن ما في كيانك من جوهر البحر وأصله . فإن ما في كيانك وكان من بحر . جعل يكمن فيك ذلك الطعم ، طعم المرأة المستبشرة التى تدنو منها ...
ورأسك منكفىء وفمك ثمرة تلتهم ليلا بسرعة الجوارى المنشآت . ليجر نفسي طليقا على تحرك . ولتصعدن أحواض النزوع إليك من كل مأتى كفعل امتلاء القمر بالامواه عندما تنفرج الارض الانثى للبحر المرن الاجاج . مرتدية من الفقاقيع حليا تكللها حتى في أقصى بركها ومغايضها . فتسمع للبحر العالي فى الاعشاب جلبة كجلبة الناعور . وتتفتح براعيم الليل الولود ...
ايه غرامي . وطعم البحر طعمك . ليرع غيرنا بمنأى عن البحر أناشيد الرعاة ببطن العقيق المختوم وقد عبق نوره الدافئ : أكاليل ملوك وحبق ، خزامي وأقاحي وبنفسج . ليتسامروا بينهم عما أوحي للنحل
وما شأن الخراف ، ولتقبل الثرى صوفاء النعاج بحاشية حقول الزهور الجون ....
ولينعقد حشو الرطب ولتفرز العرى لحبلات الكروم . أما أنا فقد قسمت عروة الاشطان التى تمسك هيكل السفين عند مهده الخشبى ، فبرز حبي على البحار ، والتهبت حرقتي على البحار !..
الفلك ضيقة ، ضيق ميثاقنا ، وأشد من ذلك اعتدالك يا جسم العاشقة المتمسك بالحفاظ ، وأي صورة وأي هيأة لهذا الجسم نفسه غير صورة السفينة وهيأتها ؟ قارب وسفين ، وشراع يوفى بالنذر . حتى في الفرجة التي تتوسطه ، جسم في صورة ما يغوص من السفين . عولج في انحناءاته ليثني رقبة القوس العاجي المثنى لصولة الغمرات .
كانت لصناع الهياكل الشراعية في كل زمان هذه الغاية من ربط القسم الغائص من السفن بأدوات التوثيق .
أناديك سفينتي ، أيا سفينتي الحسناء . المثقل بطنها بالطيبات . شحنتك رجل بالدجنة مشحون . أنت لى حمالة الورود . على الماء تنثرين عقدا من القرابين . وها نحن ننتصب أمام الموت منتصرين في مسالك جون كشوك اليهود تشق عباب البحر القرمزي .
هذا الفجر العظيم - البحر سميناه . امتداد البحر ما أوسعه . وعلى الارض التي انتصبت حلما قائما عند تخومنا لبنفسجية ، شاهد عباب البحر يرفع عن بعد هبوته ويتتوج كشعب من العشاق بإكليل من السوسن الريحان .
لا اغتصاب أقوى من اغتصاب يجرى بفلك الغرام . "
-" ... ثنايا يا عذاب تحت لسانك ، صدري يحس بثقلك وعضلاتي بأنك لها ربان .
أنت اشتيان المضجع يا حبيبي كما للفلك اشتيان . ما اعذب المردى يسوسه الربان ، والموج في قوته ما ألينه ، وها ذاك موج آخر يصدع بالانين في أعماقي ويتوجع مع عتاد السفين ...
إن نفس الموجة عبر العالم ، إن نفس الموجة ترتفع منذ القدم إلى أن تبلغ إلينا . ترتفع وتشق سبيلها منذ بداية الكون وميلاد الكون ومن كل مسالك الكون . آه : لا تكن سيدا قاسيا علي بالصمت والذهول ، أيها الربان الدرب . والعاشق الارب - خذ . خذ مني أكثر من نفسك لو أنت أعطيتها .
أيها العاشق المحب . ألا تتمنى أن تصبح الحبيب المعشوق ؟ الخوف داخلني والقلق ألم بصدري . فيقلب الرجل قيد يتيه فى مفازات . فترى تحت قوس عينه - كما ترى تحت الاسقف النائية الكبرى - هذه الشقة العظمى من البحر . المنتصبة عند ثغور الصحراء .
يا من علق كالبحر شغافه بأمور بعيدة المنال ، عالية المثال - رأيت حاجبيك يلتقيان ويرنوان إلى أبعد من المرأة وأنأي .
ألم يثن لليلة التى تمخر عبابها أن تشرف على جزيريتها وتهبط إلى شاطئها ؟ قل لى بربك قل لي من في
نفسك يستعصى وبالجحود يستعصم ؟
ها أنت مين جديد ، وها ثغرك قد افتر عن بسمة تنبئ بأنك أنت أنت ، وها أنت تقبل على محياي بهذا الضياء المنسل من الظلال ، كما لو نودي بنبي أن اركب وقومك خيل الامواج ، فباشرتك سنابكهم بغتة أيها البحر ، وشقك البرق فانشقت حقولك العظمى عن سنابل الغرين الصفراء والخضراء .
وسمعت أنا . مضطجعة على ذات الايمن منى . سمعت انا المرأة العارية دمك المنتجع يدق على نحري دقا .
أنت بالقرب منى يا حبيبي ولا وجود لى إلا فيك . سأرفع إليك مصدر كينونتي وأكشف لك أنا المرأة عن ليل من ليلك ايها الرجل أضوأ . وقد يلقنك ما في كياني من عظمة العشق كيف تتلطف فتعشق . إذ ذاك نقول للجسد هبت لك : هدايا وقرابين ونعمة وجود !
الليل يفتح لك مرأة على مصراعي جسدها ومراسيها وشاطئها ، يفتح لك على مصراعي ليلها القديم : كناس كل حافظة . ليجعلن الحب منه عرين !
رأسي ضيق بين يديك ، وضيق جبيني المصفد بالحديد . وها هو وجهي ارتشفه فاكهات من وراء البحر آتيات . وجهي العناب بيضوي الشكل فاقع اللون ناري التورد . إنه العناب يضعه السباقون الصفر قبل منتصف الليل بين أقدام العرش الرهيب .
لسانك فى مراشفى كالبحر يزيد ويزمجر ، وبفمي طعم نحاس ، وليس طعامنا في الليل طعام الظلمات . ولا شرابنا فى الليل من حميم .
أمسكن بمعصمي أنا العاشقة واشدد عليهما ، وسيكون معصماي بين يديك رسغي المصارع تحت سيرهما .
احملن عروة ذراعي إلى ما فوق جبيني ، ولنصلن جبينينا كما لو أزمعنا أعمالا جليلة على شرف البحر . ولاكن بنفسي جمهورك أمام اليم وسط آلهتك المفترسة .
لاجعلن ساعدي يتخلصان من مشيئتى ، ويدي تسرحان منطلقتين في نير عضلاتك ، زاحفتين من تقاسيم ظهرك البارزة إلى تلك العروة من حقويك : عربة لقوتك تركض ركضا . وصورة لعضائل الامواه .
لامجدنك أيتها القدرة باليدين ، ولاثنين بهما على كرم محتدك يا منكب الرجل ، يا ركن العزة والشهامة الذي يحتفظ إذ يتحرك بما يشبه درعا من زرد .
صقر الهوى يلوي إليه عنان سيره . والحب ينقض على فريسته مقطب الجبين . إنني رأيت ملامحك تتغير أيها المفترس كملامح مغتصب القرابين فى الهياكيل ، إذ يصب عليهم ربهم جام غضبه .
وانت يا ربنا وضيفنا العابر ، ويا انقليس البحر الاجاج ، اصعد عبرنا مجرى الامواه صدرا . "
-" ... أصاب لساني مس من المس واشتعل البحر في الهياكل وزمجر الحب في المحار زمجرة الامير في مجلس الرأي .
أيها الحب يا أيها الحب . أيها المحيا الغريب عنا . من فتح لك فينا مسالكه البحرية ومن أمسك الدفة وممن امسكها ؟ هلموا إلى المقانع بخجل أيها الآلهة المستضعفون ، واستروا بها هجرة الاساطير الكبرى . "
- " ... سافد الصيف الخريف فشقق في الرمال المتأججة بيضه النحاسي المرخم باللجين . الذي ينجل السعالي وينجب الابطال . فعبقت أثباط البحر بالنحاس والجسد الفحل .
من بحر ميثاق حبنا الذي يصعد إلى أعتاب الملح الاحمر ليجثو ببابه .
لن أشيد أنا العاشق سقائف للعاشقة تظللها . فلقد برز الصيف للصيد بالحراب في حقول البحر الخصبة . وولول الهوى في ميدانه . أما أنا فقد غطيت بظلي سنى جسمك كله كباز الفلا إذ ينقض على فريسته .
أمر صدر من السماء بأن نستمسك بميثاقه . قضت ساعة رفع يدي بقداس نهديك أيها الجسم المقدم ، فغمرنا ببهائه غمر بالذهب وصاعق البرق مغمور ، واستأجرنا بالجمر لا بالورود .
أرايتم ولاية فى البحر مثلها مكتظة بالزهر رباها افتن الفاتحون في استيلاب خيراتها ، كلا لم تروها . "
