- 4 -
ترجمة : مصطفى القصرى
(( ... الارض بأيائلها السود تهبط الضفاف التى ينحسر
البحر بها عند الجزر . والبحر يبتعد عن الرمال حافى الاقدام .
القارات الموشاة بالذهب ظعائن في هالاتها . الجزر
المبسوطة تتخلى لسفر الانواط عن نقودها الكبيرة المستوية
نقود من الجلد أو لين الخشب . والخردل المتفتح على
صورة ما يغوص من السفين يفرغ حلقاته وصحيفاته
مظهراً حواشيها البيضاء على هيئة جدافين مصطفين .
الحبات العائمة تقبر نفسها بمهبطها ، ستخلق منها
أشجار لمهرة النجارين .
يا منزل ، يا خياشيم بيني وبين بحر الاشياء ... أى
بمعنى يعنيه كل هذا الكون الذى لن نطلع على سره ،
وتعرف الحب فى أحضانه بين هذه الغمرات المغمورة كقمم
الغابات الغارقة المزدهرة بعد حين ؟ النجم هذه الليلة
شفع لنا ، وهو ينتفخ على الاموه ؟ كواكب ذات أحجام
ضخمة سيالة تنسل من البحر كسيوف براقة لا قائم لها
ولا مقبض . والبحر يلقي إلينا بنصل المصارع . وها هي
كتائب عطل تنتشر فى رياض الاحجار كما لو خرج
الملأ في الاعياد الحافلة بأفواج الاجناس إلى حيث كان
الغزاة يتهللون لتأليفهم بين قلوب الشعوب على الرمال...
السماء ستمطر قبل الصباح . والليل يمزق سيور جلبابه .
لن يكشف أحد عم خط فى مكنون الرمل المنقوش.
صخرة العتبة ترتدى ما اساقط من تفل الشجر وما تنبأ به
العراف . الوحوش الاسطورية تستفيق في الأباريق من
نمومها . زاجرات الطير يكشفن الطالع . الصلح شملنا
والبحر ، انتصرت قضيتنا . أبخرة البحر تحاصر فوهات
الآبار ، وبرص الجذام الإلهى يتسع فى الخرائب المتصلة
برمل البحر ، ألسن المعزى تمر على حجارة عالية
متوطئة. العناء هرب مهاجراً . وأنا أحب ، وأنت هنا ،
لا أمن أعم من أمن يجرى بفلك الغرام .
... ها هو النسيم يبشر بالطل ! أنصت إلى جويزات
السعف تتساقط ، سنلتقطها من نؤينا لنزين بها كالعادة ،
وسأريك كيف نعممها على طريقة الهنود ، حيث نكور
رأسها بالعظم أو العاج ، ونجعلها فصوصاً للأظافر
والفلسات ، نسيم البحر يهب على ميناء الجزيرة . نبيذ
النخل في سعف النخل ، وهذا الصوت صوت المطر ...! ،
بل هو اصطكاك سيوف تحركت في مغامد السعف . أى
روح أخرى تصفق فجأة بالجناح ، تصفق سجينة بخيامنا
التبنية المقواة بالقصب ، الشبيهة بقلاع السفن ألا سيوية
العالية ؟
... المطر ينزل على السطوح والسقائف المجوفة:
قراميد لونها انذاك كلون العظم ولون جوز الطيب ، لون
الاحجار الرنانة لدق الطبول والدفوف . خابية الطين
تحت الإفريز ، وردفها سعيد . مزن البحر على البلاط
وعلى صخرة العتبة ، وفي جرات الهواء الطلق والشاصيات
المطلية بالقار متونها كنساء من السودان . لتتطهر
العاشقة فيها من جنابتها ، لتغسل فيها أردافها ثم
نمحرها ووجهها ، لتغسلن فيها فخذيها حتى العانة
وفلق العانة ، وليغتسل فيها النجم القابع الذي تأخر
بزوغه وفطم بعد لاى .
نزل المطر ولاح الصباح ، القمر يتلون بلون الشب ،
والسماء تصطبغ شرقاً بلون بط الماء . مرحى لكل
رقة مرحي ! ما فجر الصيف على البحر سوى أول خطوة
تخطوها العاشقة المنسلخة من سراويلاتها المداسة.
من البحر انبعث وعن الإناث صدر هذا الجسد المؤنث
الذي ولدته الانثى . وتلك التى احتفظت بلآلئها المولودة
فى البحر ، لن تفتأ تنتسب إلى عصر المرجان ... ولربما
لم ينزل المطر : إذ ما كان ألين قربك يا مطر !ومن
لا يشك في نزولك لولا هذا الرسم النضو من الخطوط على
الرمال ، كالرضوض الرقيقة ببطون الامهات الناعمات .
صباح مغسول كالعروس ، وها قد أعيد على العالم
لونه ، عاهر وسوادة.! البحر حقا هنا ولم يعد طيف
كرى. فلنمجده تمجيداً ! وليمجد بحر الزوال نفسه
الذي يغسل أشباله وراء شجر الفلفل المزهر . أعلم أن
شعباً من الرويئات البحرية فى صورة بويضات وأرحام
بدأ يملأ ليل الخليج المضاء . عنب البحر تزوره
دويبات ليلية قاضمة .
أشجار سامقة عطرة تحول وجهها شطر البحار
مياسة . وكل الدواب تتدرى من طفيلاتها بألسن الاحواض.
والبحر يكور نحونا دماه المرجانية المكورة البيضاء
إلى أن تبلغ إلينا . تجار العنبر على خيلهم السائرة
الهملجي يجوبون وحدهم الضفاف الممتدة المتجددة ،
وطالبو السلوى ينحنون على كهوف ومغارات الساحل .
كما يلتقط ذلك الطحلب الصغير اليابس
لتاثيث
الملاجيء وجوانب المعابد . فارزات العدس يتربعن
أمام المصاطب وعلى منضدات الصخر ، مظللات جباههن
بورق الشجر . خطاف البحر يؤالف القعقع بأسنان
الجزيرة . بوصلة السعادة تمسك نبلها الثقيل المسبوك
من شذور الذهب ، تمسكه على الرمال التى عمها الماء .
سمكة زرقاء بزرقة الصياغ زرقة مشوبة بخضرة
الدهنج الذى يقتنيه الاعراب الرحل - تعبر الماء
كسفينة القرابين...
آدخلوها بسلام يا كل ضيوفنا ، يا إخواننا في
الدم . لتبسط الرحمة عليكم جناحها ! وأنت الذي
أهوى أنت هنا . فلتشملنا الامواه بأمنها وليعمنا
النوم الذي ينفتح من أجل العاشقة بموقف اليوم العظيم.
لا أمن أعظم من أمن بنوم العاشقة..."
-"... هو الحرود يا قلب الرجل ! التى ترقد على
كتفي اليسرى ، هل تدرى كل عمق الرؤيا ؟ الحرود
والظلمات فى ظهر الرجل ... ولكنه نبع لا تسبر العاشقة
غوره ، كالعين النابعة تحت البحر حيث يتحرك ذلك
النزر من الرمل والذهب .
لتبتعدن أيها النزوع ، لاطلع أيضاً على هذا الجبين
من المرأة الذي رفع عنه القناع.
ما ألين المراة حين يتشممها الرجل وتمسكها
مخالب فكره !.... يا طعم الروح الظاعنة كل الظعن ،
هل تنبؤنا بالضفة التى تسلكها وهل لابد لك من هذا
العنق اللدن الذي تعنق به المرأة إلينا نعمة منها علينا .
التي تفوح فى نفسى وتصفر فى وجهى هذا الصغير
الصفي كل الصفاء ، الصافي كل الصفاوة ، تفتح لى عن
مخر رقتها . ومن شفتها الطيعة إلى جبينها المعبود
- وقد تعترت أكثر من مرأة عارية - ها هي تكشف لي
عن سر وجهها المكنون كظهر الاقمار السيارة.
يا ألطف محيا يرقب من بين ألطف ما يرى من
البشرات ... بالنظر إلى دائرة اللطف الصافية حيث تعقد
كل هذه الرقة مجلس وجهها ، أى رقة أخرى أبعد
منها تنبؤنا عن المرأة أكثر من مراة ؟ ومن أى آخر
شملنا عطفه ،نتسلم من المرأة هذه النعمة من الحب ؟
نفحة البكر في العاشقة ، نعمة العاشقة في المرأة ،
وأنت يا عطر العروس بميلاد الجبين ، يا مرأة سجنت في
أريجها ويا مرأة سجنت في جوهرها ، لامس الموت
شفاها لمستك !...طاهرة أنت أيتها الرقة ، أطهر من
الوردة السجينة فى المصباح . بفضلك يشتعل الذهب في
الفاكهة ، وينبؤنا اللباب الخالد عن لون لبه الشبيه
بوردى الزعفران . وبفضلك ، يحتفظ ماء الليل بوجوده
ونسمة روحه ، كماء اللفائف البيضاء الملساء التي تكسو
البمردي الفرعوني الكبير فى أصفى وألين نقطة لإقتلاعها.
... يا من تمشى فى النوم مطلقة نصيبها الهالك ، أنت
لي في الشرق عهد بالبحر سيوفى به ، أنت لى الغرابة فى
الشراع والحرير في قرطاس الحلم . تتأرجحين مع العارضة
على قوس السماء الكبير ، سماء لونها لون البريوني
الوردى . بل أحسن مما قيل ، أنت الشراع نفسه وقداس
الشراع ، وصورته في الخاطر- رؤية طاهرة للعقل بمساحة -
الشراع وبمسح القلاع .
أنت لى الصباح المطل واليوم الجديد . أنت لى رطوبة
بحر وطراوة بحر ، تحت برج الدلو ساكب دره ساعة تطل
السحابة الوردية الاولى على ماوية الرمال ، وتنزل نجمة
الصباح الخضراء - هذه الاميرة التى اقتطعت النهار لنفسها-
حافية الاقدام ، تنزل مراقي السماء الخضر لتستجدي الصدقة
من جبين المياه ذى الشعر الجعد.
أنت شفوف زبرجد الإفاقة ، وتأويل الرؤيا الصادقة ،
أنت مكنون المنهل نفسه بموضع نبعه ، كمكنون
الشواظ نفسه ، كجوهرة بالموضع الصافي العاري من
العار ، حيث قلب الشواظ النضو يتماثل خاتماً من حنان .
أنت أكالة للكمائم ولباب سوسن الفلاة ، ذقت
الملح بكف العاشق وأطعمته من أرز مزارعك ، أنت براءة
الفا كهة فى الأرض الاجنبية ، والسنبلة التى اقتطفت عند
الهمج الهمل ، والبذرة المبذورة على الشاطيء المنسي
لاجتنائها عند الصدر .
يا مرآة سجنت في مجراها ، سيالة بين ذراعي كليل
المنابع . من في يا ترى ينزل نهر ضعفك ؟
أنت لى النهر ؟ أنت لى البحر ؟ أم النهر في البحر ؟ أم
أنت لي البحر نفسه مسافرا حيث أي أحد ممتزح بنفسه لم
يمتزج في البحر مرتين ؟
يا لسعادة الخط المنحني المرسوم بعذوبة العاشقة
التى تنحني على كتفي اليسرى وتملأ عروة ذراعي باقة
عطرة رخوة غير محكمة ( وكانت قصة هذه الاصداغ قصة
حريرية لنفسي).
التي تتكئ على ردفها الايمن ، وجبينها المغلق
يستند إلى ( وهكذا ترحل أوان ضخمة على أجهزة حملها
المصنوعة من خشب لدن ، وعلى سرجها الملبدة بالجلال
البيض ) ،
التى تقف في الحلم لتصد الاخيلة (وقد بسطت المضرب
لصد ضباب البحر وندى الليل ، وجرت الرياح بالشراع إلى
أصفى بقعة على الامواه ) هاته التي هي أرق من الرقة بقلب
الرجل المتخلص من العهود . إنها لى ، أيتها المرأة
شحنة أخف من حمولة الاطياب والافاويه ، والتوابل
والابزار - إنها بذر نفيس وشحن طاهر بسفينة ذراعي .
أمشين الهوينا يا خطى الساعات على سقفي ، لطف
مشي آمرأة حافية القدمين تعبر الجسر .
السماء تدر في البحر درها وهي ليونة فجر جديد
تحت در برج الدلو . أسهر وحدى أتدبر حالي : حمالاً
للمرأة ولشهد المرأة ، كسفينة حمالة لقمح إفريقيا وخمر
الاندلس ، وها هي الساعة ذات المسام فى انتظارنا شرقاً
ترصد ليلة العيد.
أرضة الموت بخشب السرير ، وهي بحيزوم السفين
غير أن ضربة الحب أقوى بسياج ألواح الحلم . وأنا أنصت
إلى الليل يتمزق بمقدم الجؤجؤ .
وكما أن بحر حزيران يتنفس فى الحجرات - والعاشقة
تحرك جفنيها تحت وبال الحلم - فها هو البحر نفسه
مزهرا تحت الوبل الأول للنهار.
أنا أعلم ، لقد رأيت : امتزجت الحشائش بالزيوت
المقدسة ، بين نورس البحر العريض الاسود المنبسط
والتصاقات البحر بهاوية سحيقة لامعة تهدهد وتعصر
مادة أوراق خلنجها السعيدة.
وفي ثبج واحد عارم كضجة رجل عاصرة العنب ،
هنا هو معظم البحر الذى ديس قبل الأوان يداس بلا
جدوى ، وهو ينخفض ويرتفع درا بطيئا فى ضرع النفس
نفسها ، مأوى الدر المكين.
النسيم شرقاً يهب على الماء الجديد ، كتغضن بشرة
الوليد ؛ القمر المنحني على كثبان الرمل يطارد عن
بعد كلاب ماء الطفولة . والليل امرأة يضع يديه في أيدينا .
النؤوم وقد طلع النهار ، ليل البحر يغطى جبينها :
مساوية فنجر بلا وجه . وأنا أسهر على ضفتها وقد ازدردني
نجم من الحنان . سأقول للتي لا تسمع ، كلمات لم يأت
إنسان بمثلها .
يا ظاعنة إلى حتى تبلغينى خارج ليلك ، ليل المرأة ،
ويا من تنهضين من نومك بين أيد بشرية كبنت الآلهة
الخرافية رفعت من إبطيها خارج الزبد الام ، أيا أخر أنت
لي في اليوم وفي كل هذا القشر الاحم من الإنسان.
كنت تولدين ، كنت أترصد... أنت النؤوم المتمددة
تحت كدس ذراعيك وتحت درع النهدين ، كنت تبسمين
محروسة من الشر ، مسلمة نفسك ليدي كفتاة من فرع
كريم تعبر بها البحار ؛ وها أنت تفيقين من نومك ،
وجبينك مطبوع بالتقطيب المقدس ، وها هو هذا الطالع
السعيد يسلك طريق سرنجانه إلى أن يبلغ إليك ؟
آسكن أيها القلب المضطرب ، لا حذر ولا خطر . على
ضعفك أسست ، وعلى رقتك ألفت . قضى الحب أن يباشر
سلطانه ضد الشك وزيف البرهان . أو لست من اللوائي
أسمعهن البحر قوله؟ " لا ترينني أنثى خوفها بماوية
الامواه ! "
السماء وخياشيمها الملحية تروح نفسها ، ليلل الصيف
يثني قلاعه ويثنى فلكه المشحونة بالاجنحة ، القمر
بثوب إلى نفسه فى خمرة النورس . والخادمة المنبطحة
على حصيرها القصبى تؤوى بقعر الخليج الاطياف السماوية
الكبيرة السائرة إلى عمق البحار.
الفجر بباب الحداد . المدينة بعيداً ومحاجر كل أهلها
زرقاء كالموتى ، المراكب تتحول شطر مراسيها وقد
أطلق الحراس سلاسل مقدم المرفأ ، مصابيح العظم تنطفي
فى الاكواخ.
على الرحب أيها الموج الأول الذي يزورنا ، أيها الموج
الذي يؤرجح هيا كل السفن فى أحواض المرافئ . الصوارى
فى المرفأ كالسهام فى الكنانة ، الموتى بالموت الاسود
يتدحرجون مع سوسن الماء إلى حوض مصب الانهار .
الطفولة وجراؤها الصفر تفر من أهلها ، وبحر الاساطير
يغذى عن بعد نباتاته المفترسة.
-
أيها الحب ، ايتها الرقة المسترجعة تحت سيف
اليوم العظيم ، لا تحرمني أيها الضياء من هذه النعمة في
كل شئ بالحب ، نعمة كالرياح تهب على الشراع . الفلك
ضيقة ، ضيق مضجعنا ، ها وقد لوينا منذ زمان في الليل
عنان الخنان ، فهل نحتفظ في وجه النهار ، بهذا الانحناء
فى الجسم والكتف ، انحناء يبطئ فى امحائه كما
يحدث للذين مكثوا طويلاً بقعر هيكل السفين؟"

