وكانت ردود فعل التونسيين إزاء الضغوط المسلطة عليهم مخالفة لما بدا من غلاة الفرنسيين . فانطوى أغلبهم على أنفسهم واكتفوا بالحنين لماضيهم القومى وتمسكوا بفهم للأسلام تسيطر عليه النزعة المحافظة . ووضع الاعيان بصفة عامة آمالهم في الخليفة عبد الحميد الثاني زعيم الوحدة الإسلامية . وكانت صحفهم المتعددة والمتجددة باطراد تعكس الصبغة الرجعية لنظرياتهم السياسية والاجتماعية والدينية (1) . وإذا استنينا " الرائد
التونسى " (1) الذي كان بمثابة الجريدة الرسمية فإن الصحافة العربية واليهودية كانت خاضعة لإجراءات الإيقاف والتحجير الإدارية مما كان يمنع عليها فرط الشجاعة والإقدام . ففي سنة 1896 صرح " روا " لشخصية إنقليزية : " لئن لم يكن للسلط نفوذ على الصحف الفرنسية فهى تراقب الصحافة التونسية مراقبة كلية " (2) غير أن البلاد لم تخل من شخصيات عرفت بروح التجديد حتى من بين خريجي جامع الزيتونة ، الجامعة الإسلامية الشهيرة الجليلة التى تأسست فى القرن الثامن . وكانوا يرجعون إلى إصلاحات أحمد باي
وخير الدين (١) ويقتبسون من دروس الشيخ محمود قابيادو (2 ) الذي درس فى أول أمره الفلسفة فى جامعة اسطنبول ثم اللغة والآداب العربية فى المدرسة الحربية بباردو ابتداء من 1841 . فأكد ضرورة لتتمتع على الثقافة الغربية وتعاون مع زملائه الفرنسيين على تأليف الكتب وتحرير الدروس بالعربية وكان من بين هؤلاء الزيتونيين التقدميين نخبة نذكر منهم الشيخ الطاهر بن عاشور والشيخ محمد النخلى وبعض قدماء الطلبة أمثال سالم بوحاجب ومحمد شاكر وبيرم الخامس والسنوسي .
وينحدر محمد بيرم من اسرة مشهورة بعلمائها الحنفية أثبتت على التوالي اربعة من المفاتي وكان من مريددى قايادو ومن أعضاء خير الدين . ونشر لاول مرة فى تاريخ البلاد التونسية مقالين سياسين بجريدة الرائد نادى فيهما بوجوب وضع حد للطغيان الاداري ، وسن قوانين تحررية وبعث مجالس نيابية . كما كان له شان كبير
فى تنظيم المدرسة الصادقية وقام بمهمات خطيرة فى الخارج وظل كذلك حتى سنة 1879 حيث غادر البلاد التونسية من دون رجعة (1) .
وشبيه به محمد السنوسى الشاعر الذى لم تمنعه غنائيته من وصف القطار الحديدى كما فعل فيني (vigny) فى قصيدته منزل الراعي ( la moison du berger ) والكاتب الذي كشف لقرائه عن عوالم جديدة فيما وصفه من رحلات والصحافى أيضا الذى كان أخصب الصحافيين واكبرهم صيتا والذى فرض نفسه بفضل مقالاته فى الرائد ثم في الحاضرة زعيما فكريا (2) .
ثم ظهر فى العقد الاخير من القرن التاسع عشر عدد من الشبان امتازوا بحظ آوفر من الجرأة . إنهم تأثروا بالثقافة الفرنسية التى كرعوا من ينابيعها فى جامعات " الوطن الام " وتحمسوا لا لتعاليم الشيخ عبده فحسب بل أيضا للكفاح الوطني الذي كان يتزعمه المناضل المصرى المندفع مصطفى كامل ثم لجمعية الاتحاد والتقدم التى أسسها جماعة الشباب التركي سنة 1894 (3 ) . ووضعت
النخبة التونسة أملها في تخليص الوطن على النهضة العربية كما كانت تصورها المنشورات وينادى بها الدعاة فى القاهرة او باريس وصادف أن وقع الإحتلال الفرنسي فى الفترة التى بعثت فيها حركة التجديد الإسلامى وبالرغم عن أن زعيمي النهضة جمال الدين الافغاني (1839-1897 ) والشيخ محمد عبده (1849-1905 ) كا - حينذاك منفيين فإن الدعاية كانت على أشدها . وكانت العرو الوثقى " المجلة التجديدية لسان حال الجمعية التى تحمل نفس الإسم وتروج من دون مضايقة بالإيالة وقد أصدر منها جمال الدين الافغاني ومحمد عبده رغم المنفي ثمانية عشر عددا بباريس سنة 1884 وكان عدد من كبار المهاجرين التونسيين المنضوين تحت لواء هذه الجمعية مثل المؤرخ والفقيه محمد بيرم (1) يعيشون بالقاهرة التى كانت حركة التجديد ناشطة فى ربوعها رغم إبعاد زعمائها عنها . وكان هؤلاء المهاجرون التونسيون يرحبون بالمسافرين الذين يقصدونهم للتزود منهم . وبعد أن أقام الشيخ محمد السنوسي بالعاصمة المصرية فيما بين 1882-1883 اسس بالعاصمة التونسية جمعية إنتمى إليها عدد من الانصار المتحسسين .
ولعل الشيخ محمد عبده استنبط مذهبه فى تونس العاصمة أثناء إقامته الاولى بها (6 ديسمبر 18884-4 جانفى 1885 ) بعد المحادثات التى آجراها مع الزيتونيين المتفتحين . فلقد كانت مبادى التجديد
تجاوب تجاوبا عميقا مع ميول النخبة فى تونس العاصمة . وكان المغرب ، بلاد الاولياء والطرق ، أرضا خصبة ، أكثر من أى قطر إسلامى آخر ، يظهر فيها التنكب عن الدين بالسحر والمعجزات .
وكان رجال الإصلاح يرون تحت تأثير المبادى الموروثة عن خير الدين وقابادو ، انه لا مناص من التفتح على الثقافة الغربية . ولم يفت الشيخ محمد عبده أن يستغرب من وجود جماعة آمنت بعد بالافكار التى كان يعمل جاهدا على نشرها ، كما استغرب أن تكون تونس قد سبقت في نقاط عدة القاهرة وأن تكون الزيتونة تقدمت فى هذا المجال الازهر . ولئن ساهمت النخبة التونسية فى دعم اتجاهات الشيخ محمد عبده فإن دورها في تكوين الحركة التجديدية غير ضئيل .
وقدم الشيخ محمد عبده من باريس بعد أن اعتزل شيخه الافغانى الداعى إلى كتلة عربية ذات نزعة سياسية . بينما اقتصر عبده من جهته على موقف اصلاحى أساسه الاندماج الإسلامي في العالم العصري . وكان يرى إحياء الدين بالرجوع إلى تقوى السلف الصالح والكرع . من مناهل القرآن والسنة التى لا ينصب معينها . وهو مما حمله على إستنكار بدع الاولياء والطرق . وانتهى من سعيه إلى التوفيق بين العقيدة والعقل إلى انه لا يوجد أى تناقض بين الحقيقة المقامة على البرهان العلمي وبين القرآن المحرض على التقدم . وكان يرى أن الاخذ بأسباب الحياة العصرية تتمثل في هضم العالم الإسلامي لمستحدثات الغرب التى لا تتنافى مع أصول الإسلام بل تعلي من شأنه . ولئن فرضت هذه النهضة على الفرد والجماعة مقتضيات أخلاقية وفكرية فهى تتطلب أيضا التحمس لفكرة الوطن والمناداة بحق الشعوب فى مطالبة حكوماتهم بإصلاحات ديمقراطية . والتصدى للتدخل الاوروبى فى الشؤون القومية (١) .
وحرص الشيخ محمد عبده فى تونس على الإتصال خاصة بالملك على باي وحاشيته وكذلك بالاعيان ومشايخ الجامع الاعظم . والقى محاضرات بالزيتونة من دون أن يتناول المواضيع التى كان يمكن أن تثير معارضة جدية كما اجتنب الظهور في الإحتفالات العامة اشفاقا على مضيفيه من المضاعفات الإدارية . ولما عاد إلى القاهرة بقى على احترازه فى مراسلاته مع بعض الشخصيات التونسية مثل النخلى وبوحاجب .
وأقام الشيخ عبده فى آخر حياته مرة ثانية بتونس (من 9 إلى 24 سبتمبر 1903 ) وكان سلوكه اثناءها اقل إحترازا . ذلك أن الوضع
تطور تطورا عميقا بعد مرور عشرين سنة . ففي سنة 1888 تكتل رجال الإصلاح فى صلب منظمة أطلقوا عليها اسم الحاضرة وأصدروا جريدة أسبوعية شبه رسمية (1) تحمل نفس الاسم إلا انهم تمكنوا من التعبير عن آرائهم بكل حرية بفضل نشاط الشاب على بوشوشة (2 ) وتفانيه . فلقنوا القراء التونسيين تاريخهم القومى واطلعوهم على انظمة البلدان الغربية . ولئن كان هذا العمل متواضعا فإنه لم يخل من النجاعة لان محررى " الحاضرة " كانوا أول من شهر بركود التونسيين وبإعجابهم السلبى بماضيهم المجيد وعدم اكتراثهم بالمشاكل الإجتماعية والسياسية المتولدة عن الحماية وجهلهم بمآتي العالم المعاصر . وظهر جيل جديد جمع بين العلم والعمل واهتدى بهدى أستاذ كان يعتبره " أب النهضة الثاني " ، ألا وهو البشير صفر (1865-1917). وكان تربي تربية صارمة تغلب عليها الروح العسكرية وبرز بروزا عندما كان تلميذا بالصادقية واستنجبه خير الدين مؤسس هذه المدرسة ثم واصل دراسته فى باريس بليسيه سان لويس (saint-Louis ) وعاشر بالحى اللاطينى طلبة الشرق الاوسط والمنفيين المتعصبين لحركة الإصلاح . ولما إسقدمته سلط الحماية عين على رأس مكتب الحسابيات بالحكومة التونسية ثم مديرا لجمعية الاوقاف وظل مع ذلك ينشر باللسان والقلم ثقافة لم ينفك يسهم فى إثرائها ( 3) .
وكان التونسيون المجددون يتممون تكوينهم بفضل ما يطالعونه من الكتب الكثيرة المستوردة من مصر ولبنان ، ومن الدوريات الصادرة باللغة العربية وخاصة منها مجلة " المنار " التى أسسها أحد مريدى
الشيخ محمد عبده سنة 1897 وهو رشيد رضا . وبلغ تعلق التونسيين بهذه المجلة انهم طلبوا من الشيخ تجنب مهاجمة الحماية خشية منعها من دخول تراب الإيالة (1). وقد آثار نشاطهم ردود فعل قوية فى اوساط المحافظين الذين كان يتزعمهم المفتى المالكى محمد النجار . فما كاد يعود الشيخ الثعالبي إلى تونس حتى أصدرت عليه محكمة الدريبة سنة 1903 حكما يقضي بسجنه مدة شهرين بتهمة مهاجمة الاولياء الصالحين . كما عزل الشيخ محمد شاكر من التدريس لتطاوله على الزوايا . وتولت مجلة المنار الدفاع عنهما .
وقد بلغت هيبة الشيخ عبده منذ أن عين مفتيا أكبر بالقاهرة . حمدا جعل أشد خصومه تعصبا يحيطونه بالإجلال إلا أن ذلك لم يمنعهم أثناء النقاش من التعبير عن عدم موافقتهم للشيخ فيما يتعلق خاصة بالبدع المكروهة وأكل لحوم الحيوانات غير المذاكاة . ولباس القبعة (2). ورغم ذلك أحرز الشيخ على نجاح منقطع النظير خاصة فى اوساط الشباب . وكان لمحاضررته حول " العلم ومناهج التعليم " صدى بعيد . وكان يدعو مستمعيه أثناء محادثاته معهم إلى إحلال الثقافة الدينية مكانة تماثل العلوم الصحيحة ، وإلى الوعى الذي لا يعرف لومة لاثم فى تشييد صرح الوطن ، كما كان يوصيهم بالجنوح إلى الطرق السلمية عند الدفاع عن مطالبهم . ولم تجد دعوته من الإدارة اية معارضة رغم أن خصومه فى القاهرة وشوا به إلى الحاكم العام بالجزائر واتهموه بأنه عنصر تشويش . غير أنه لم يخف على الإقامة العامة أنه كان أبعد عن أن يشر الاضطرابات بل كان ينادى بالتصالح . ولئن بدا رشيد رضا إلى سنة 1902 . شديد التصلب إزاء الحماية التى كانت تكبح جماح الثقافة العربية
وتعزل الإيالة عن سائر العالم الإسلامي فقد وجد عدة عوامل بعثته على التفاؤل قبيل رحلة الشيخ (1) لذلك كتب أثناء إقامة محمد عبده بتونس قائلا : " نحن نعتقد أن السبيل الوحيدة المفتوحة أمام فرنسا تتمثل فى حسن معاملة الاهالي وانه على التونسيين والجزائريين ان يتركوا السياسة جانبا ويولوا كل عنايتهم لتطور العلم (2) . " واتخذت حركة الشباب التونسي هذا المبدأ قاعدة لها .
وجعلت النخبة التونسية من التعليم أول مطلب لها . ولم يعد الجامع الاعظم الذى كان يجر وراءه أكثر من أحد عشر قرنا من المجد يستجيب رغم جلاله لمتطلبات العصر بطريقته المدرسية المتوسطية (3) . ولم يقدر خير الدين إلا على إدخال تغييرات بسيطة على برنامجه سنة 1876 . ووجه أنجع جهوده سنة 1875 إلى تأسيس مدرسة غايتها تهيئة الشبان التونسيين إلى المهن الحرة ألا وهى المدرسة الصادقية (4). وقد خصص لها ممتلكات عقارية ثرية وحبس عليها عمارات هكذا أمكن لمائة وخمسين من التلاميذ أن يتلقنوا علاوة على التعليم العربي التقليدى ، العلوم الرياضية والطبيعية ، والتاريخ والجغرافيا وكذلك اللغات الاجنبية كالفرنسية
أو الإيطالية او التركية . وكانت مدة الدراسة سبع سنوات . وكان فى مقدمة من رسم ابناءهم بها عدد من الشخصيات المؤمنة بضرورة الإصلاح مثل الشيخ بيرم . وكانت المدرسة قبيل الإحتلال ، ترسل عددا من خريجيها إلى باريس في ليسيه سان لويس قصد استكمال ثقافتهم . ومن بين هؤلاء انتدبت الحماية أول مترجميها ومهما كانت الاخطاء التى ارتكبت فى التصرف في شؤون الصادقية وتقلبات أحوالها فإن المدرسة كانت مؤسسة طريقة فى بابها متفتحة على المستقبل . وكان تلامذتها المتشبعين بتفكير خير الدين الرعيل الاول لقادة حركة التجديد القومى .
لقد عرف التونسيون بشغفهم بالتعلم . فأقبل عدد عديد من الاطفال فى المدن الكبيرة وخاصة تونس العاصمة على القراءة والكتابة غير أن تكوينهم كان من السقم بحيث لم ينتفعوا منه لا فكريا ولا عمليا . وكان " الكتاب " الذي يؤمه الاطفال من الخامسة إلى السادسة عشرة من عمرهم طريفا فى نوعه يثير فضول الفنانين بموقعه " على جزء ناتئ من دار تعلو نهجا " ويأطفاله اللابسين صدرات صغيرة وردية اللون أو صفراء فاقعة والمرتدين " جبابا " فى لون الزهور " واخيرا المربى المتجهم الوجه او المؤدب وسلاحه الوحيد عصاه القاسية (1) . وشهرت حركة الشباب التونسي في غير هوادة بخلو الكتاب من أسباب الصحة وعجز المؤدب الذي كان يجهل العناية بالصحة وأصول التربية . " فالمحل الذى ينقصه غالبا الهواء والنور وتعم فيه الرطوبة " لا يقع تنظيفه إلا بصفة إستثنائية فتتراكم الكناسة وتترك على حالها فى زاوية أياما طويلة" . ويبقى الاولاد محبوسين بين جدرانه من دون راحة ولا ألعاب من مطلع الشمس إلى الساعة الحادية عشرة وابتداء من الثانية والنصف أو الثالثة حسب الفصول . وكان المؤدب الذي " يحفظ القرآن عن ظهر قلب
وقد تعلمه من دون أن يفهمه فأصبح يلقنه من دون أن يقدر على تفسيره " يتلو بصوت مرتفع الايات القرآنية فيكررها التلامذة وقد " احتقنت وجوههم دما ، وغلظت أصواتهم . لقد كان جميع هؤلاء الاطفال رغم تباعد السن بينهم وبالتالي تفاوت قواهم ، يصرخون صراخا ويحنون ظهورهم جيئة وذهابا فيعضهم يحفظ حروف الهجاء والبعض الآخر يتدرب على سورة مكتوبة على لوحة طليت طينا " (1) وبعد أن ينتهى التلاميذ من تمارينهم الكتابية التى يخطونها بقصبة مبرية على شكل رأس قلم ، يمحون اللوحات فى محبس ماؤه " يعتبر مقدسسا لانه يحتوى على كلام الله . ولا يمكن اراقته إلا بمكان يكون فى مأمن من النجاسة (2 ). وكان المؤدب يلجأ بموافقة الاولياء إلى العقاب البدني الذي يصل إلى حد ضرب المعاقب على قدميه المشدودتين إلى فوق بواسطة الفلقة التى يمسك بطرفيها تلميذان مسنان " (3) .
ونتيجة لهذا النظام الذى لا يعتمد إلا على الذاكرة وخشية الضرب يتعود الطفل المداراة ويتبلد ذهنه . وإذا صادف أن حفظ عن ظهر قلب ، نتفا من النحو أو الفقه فإنه لا يتعلم شيئا من الحساب ولا الجغرافيا أو التاريخ ولا يفقه حتى مدلول الآيات التى تهجاها .
وإن أغلب التلامذة الا أقلية ضئيلة تواصل تعلمها بالزيتونة . يبقون ، بعد إنتهائهم من دراستهم بالكتاب ، عاجزين عن تحرير رسالة بالعربية وفهم معنى جملة من أى نص كان . ورغم ذلك فإن الكثيرين من الشبان التونسيين كانوا محرومين حتى من هذا القدر من الثقافة . ففي سنة 1904 كان 35.377 من بين 60.000 من الذكور يتراوح سنهم بين ست سنوات واثنتى عشرة سنة لا يتلقون أى نوع من التعليم .
غير أنه أحدثت فى المدن مدارس خاصة فرنسية أو إيطالية فتحت ابوابها لابناء الطبقة البرجوازية فأسست راهبات القديس يوسف سنة 1843 اول مدرسة للفتيات ، أما أول مدرسة للذكور فقد اسسها الاب بورقاد (Boursode ) سنة 1845 . ولما أحصت إدارة التعليم المدارس الخاصة سنة 1883 سجلت 23 معهدا كانت تدرس خاصة الفرنسية منها 20 مدرسة مسيحية و 3 مدارس تابعة للرابطة الإسرائيلية . وفى سنة 1880 أى بعد بضعة أشهر فقط من توقيع معاهدة قصر السعيد فتح الكردنال لافيجري ( Lavigerie ) معهدا ثانويا بقرطاج سماه مدرسة القديس لويس ونقل إلى تونس
سنة 1882 تحت إسم مدرسة القديس شارل (Saint Chorles ) ثم ألحق بالمعاهد الدولية سنة 1889 وتسمى بليسه كارنو (Lycee cornol ) بعد إغتيال رئيس الجمهورية سنة 1894 .
وشجعت الحماية على نمو التعليم نموا سريعا (1 ). فقد طالب التونسيون بنشر " التعليم بشدة قد تحمر منها وجوه كثير من فلاحينا الذين مازالوا لا يعرفون فضل القراءة والكتابة " (2 ) . وتقبل التونسيون بارتياح ظاهر نشر المدارس العربية الفرنسية حيث كان التلامذة يتلقون تكوينا مزدوجا بفضل المعلمين الذين كانوا يلقنون اللغة الفرنسية بواسطة تمارين لغوية حسب الطريقة المباشرة والمؤدبين الذين كانوا يعلمون الكتابة باللغة العربية وحفظ القرآن . وفي سنة 1889 كان بالبلاد التونسية 67 معهدا دراسيا ، منها ستون مدرسة عمومية ، تنقسم إلى 43 لائكية و 17 مسيحية و 7 مدارس خاصة تنقسم إلى 4 لائكية و 3 مسيحية وكان يؤم هذه المدارس كلها 1064 فرنس و 1496 إيطاليا و 1172 و 3074 إسرائيليا و 1765 مسلما . وفي سنة 1897 تجاوز عدد المسلمين (4656 ) عدد الإسرائيليين (4241) ، والإيطاليين (2832 ) والفرنسيين (2683) . وقد أثار " تهالك
التونسيين على التعليم " (1) حفيظة ممثلى المجموعة الفرنسية عليهم وظهرت معارضتها رسميا سنة 1899 في إحدى مداولات الحجرة الفلاحية برئاسة " كرنيار " وإننا نجد صدى " لصيحة الإستنكار الشاملة الموجهة " ضد تعليم الاهليين بالجزائر والتى صدمت شعور " جول فرى " سنة 1892 فى اوساط المهيمنين بالبلاد التونسية وأنصارهم البارسيين وقد رد دوا نفس الحجج (2 ) وكان آشد المعمرين تعصبا أكثرهم جهلا وكانوا فى اعتدادهم بثروتهم لا يتصورون أن يحصل الاهليون الذين يحتقرونهم على قدر من العلم حرموا منه . وغصت الصحافة بالمقالات المنددة بضرر مدرسة أخرجت " جيلا هجينا يرطن لنا بفرنسية ممسوخة ويعتقد أنه شارف المدنية " (3) وكان مقررو ميزانية البلاد التونسية بمجلس النواب يتبنون الحجج التى طرقت
اسماعهم بلا انقطاع اثناء تحقيقاتهم . فتلامذة المدارس الفرنسية العربية " يطمحون إلى ان يصبحوا مترجمين وشواشا " أما ذرية الطبقات الموسرة فقد اصبحت " جماعة من الفاشلين يجرون أذيال الفراغ فى شوارع تونس ، وينتظرون من الحماية المناصب التى هيئوا لها ويظنون انفسهم قادرين على الإضطلاع بها . فتعليمهم لم يكن نعمة بل وبالا عليهم " (1) .
ولئن ترددت عبارة الفاشلين كأنها علة العلل . فظهرت " بروليتاريا متعلمة من بين الاهالي وهي برليتاريا إبتدائية لا امل لها " ( 2 ) . ولم يجد المثقفون عملا إلا فى المهن الحرة ، أليس سبب ذلك ان الوظيفة العمومية كانت حبسا على الموظفين الفرنسين ؟ لكن ذلك لم يشغل بال المعمرين البتة . والواقع أنهم ردوا الفعل حالما توقعوا إمكانية المنافسة وظهور معارضة سياسية . وكانوا يرون انه إذا ما تعلم التونسيون " تاريخ الشعوب المتمدنة وتمكنوا بواسطة لغتنا ، من قراءة ما ينشر بالفرنسية سرعان ما تنبعث في نفوسهم معاني الحرية والمساواة من غير ان يكونوا مهيئين لتقبلها بحكم تربيتهم العائلية وتقاليد بيئتهم . فعندما تتفجر هذه المعاني بغتة في أدمغتهم غير المراضة عليها تتجسم في مضاعفة كبريائهم وتوقهم إلى مثل اعلى غامض لم يكن آباؤم ليشعروا قط بالحاجة إليه " (3) . وإذا كان " ما توارثه العربى أحقايا طويلة من طاعة سلبية وعبودية " يمنعه من سرعة إدراك معاني الحرية والمساواة الغريبة
عن دينه (1) ، فإن المبادى السامية ليست غير صالحة للتصدير فحسب بل يجب نبذها نظرا لضررها السياسي . وقد لاحظ كرنيار انه كلما تعلم الاهلي إزداد حقدا علينا . وإن ألد أعدائنا هم هؤلاء الشبان المنحدرين من عائلات برجوازية الذين ربتهم إدارة التعليم على النمط الفرنسي ... وإذا ما اندلعت ثورة يوما ما في البلاد التونسية فإن هؤلاء هم الذين سنجدهم على رأس المتمردين " (2)
وكان لهذه الحملة تأثيرها المؤكد على إدارة التعليم التى يراسها بيار مشوال (Pierre Mochuel ) صاحب التآليف التطبيقية فى تعليم اللغة العربية . ويبدو أن الإذن بوضع حد " لتهالك التونسيين على التعليم " صدر عن باريس . فأخذ عدد التلاميذ يتناقص واستمر هذا الحال ، أثناء المدة الطويلة ، التى تولى فيها دلكى (Delcasse) وزارة الشؤون الخارجية . ولم يكن في وسع " مشوال" ان يثبت امام ضغط المعمرين الذين كان يساندهم " الكي دورسي" .
فقد بقى رغم خطته شخصا باهتآ لم ينفك المهيمنون يذكرونه بانه مجرد " أستاذ بسيط فى اللغة العربية بوهران ليس له من زاد جامعى سوى شهادة الباكالوريا ."(3) . ولا شك انه كان تحت باتير " روا " الذى كان يعتبر من الخطر قلب الاوضاع الموروثة حتى الثقافية منها . ومهما يكن فإن إدارة التعليم لم تمنع الاهالى من دخول المدارس العمومية ، ولكنها عرفت كيف تستغل الحيل الإدارية لصرفهم عنها وبعد أن كان عدد التلاميذ المسلمين 4656 سنة 1897 تضاءل هذا العدد تدريجيا حتى أصبح 2927 سنة 1903 (4)
وفى سنة 1901 أغلقت عشر مدارس (1) .
واتحدث وجهتا نظر إدارة التعليم والمعمرين الذين كانت عايتهم القصوى تتمثل فى إعادة منزلة الكتاب إلى ما كانت عليه كانت تعتبره جريدة تونس الفرنسية يلائم الاهليين تمام الملاءمة
وذهب الامر بمدير المدرسة العلوية ، وهو الرجل الذى أهلته كفاءته ونظرياته التربوية إلى تحمل مسؤولية إدارة التعليم الأبتدائي ، إلى التنويه بالمدارس القرآية والتأكيد على مزايا الأعتماد على الحافظة دون سواها مذكرا بإقبال الناس على أشعار هوميروس وفرجيل ملاحظا إستظهار تلامذة المدارس الإنقليزية لاناشيد هوراس من دون فقه لمعانيها . فما من طريقة إذن مهما خلت من روح بيداغوجية إلا وجدت ما يبررها . فالطفل يتمابل جسمه أثناء الإستظهار " يتعود على المجهود الشخصى الجبار المستمر ليركز اهتمامه ويحفظ بالإعتماد على نفسه ." فلا ضير إذا هو استظهر بدون فهم إذ " جواب علم التربية العربية أن غايته الاولى هي تنمية الحافظة وحشوها إستعدادا للمستقبل ونؤكد مرة أخرى أنها أيدتها العصور الماضية . أما الثمار فتجنى بعد لاى عندما يتفتح الفكر فى عهد الكهولة . وكان يقال لنا : " إن كل هذه السور القرآنية هى مصدر الفقه والالوهية وحضارة القوم . وإن العرب الشبان الذين يحفظونها اليوم بصورة آلية كالببغاوات سوف يدركون معانيها بعد عشر سنوات ويغتبطون بأنهم اكتنزوها بفضل صرامة المؤدب فى سن تكون فيه الحافظة طيعة وقوية " (2) . ورد خير الله على
هذا التنويه بحشو الادمغة ملاحظا : اولا : إفلاس انتاجية الكتاب إذ تمكن 900 تلميذ فقط من بين عشرين الف من الإلتحاق بالزيتونة بينما ظلت البقية منغمسة فى أدران جهلها . ومذكرا ثانيا بقاعدتين لمونتاني (Montaigne) من الغريب أن ينساها مرب فرنسي فى تونس بالرغم عن انه تعلمهما ولا شك فى عهد شبابه بفرنسا (1) .
واثباتا لجدوى الكتاب تاسست مدرسة للترشيح سنة 1895 وهي المدرسة التأديبية التى كانت تنتدب كل سنة 5 تلامذة معلمين على الاقل عن طريق مناظرة تحتوى على مادتى القرآن والنحو . ولا يتردد الممتحنون قط إذا ما وقف أمامهم مترشحان إمكانيات الاول الذهنية محدودة ولكنه قادر على استظهار القرآن من دون تمثر و لثاني ذكي ومثقف ولكنه عاجز عن استحضار كتاب الله من دون سهو ، ان يقبلوا الاول ويسقطوا الثاني " وكان التعليم بهذه المدرسة فرنسيا وعربيا مع
تفوق واضح للغة العربية التى إنفردت بثلثي الساعات تقريبا . ويكاد يعتمد على الحافظة فقط . فإذا اعتبرنا أن برنامج التعليم يقتصر على النحو وعلى علوم القرآن يحق لنا أن نتساءل عن قيمة هذا التعليم الذى قضى من أجله التلميذ المعلم خمس سنوات بالمدرسة وعن مدى إعداده للقيام بدوره كمؤدب " (1) وإن وضع البرامج واختيار المعلمين لم يكونا ليسمحا بتحقيق أى تقدم ( 2 ) . وقد تساءل " الشباب التونسي " هل أن ذلك هو بالضط الهدف الذي كانت ترمي إليه سلط الحماية .
وتقرر توجيه العناية إلى تنظيم تعليم فنى بسيط خاص بالاطفال الاهليين لصرفهم عن المدارس العمومية . "ففي بلاد مثل الإيالة محتاجة قبل كل شئ إلى يد عاملة كثيرة ، يجب أن يكون للتعليم العام والتعليم الإبتدائى بالخصوص صبغة عملية حتى يجد رجال الصناعة والمعمرون ما يكفيهم من عملية متعلمين وذوي خبرة . واتجهت جهود إدارة التعليم هذا الإتجاه ولا تزال (3) " . وقد أريد بالطفل التونسى ان يكون آلة الإستعمار الطيعة فلم يسمح له بأن ينظر إلى أبعد من " حافره " . ولم يستطع مشوال أبدا رغم إعترافه بخطاء آن يكفر عما اقترفه من ذنب بفتحه باب التعليم الفرنسى فى وجه التونسيين . وأدرك شارليتى حقيقة الوضع فما أن عين على
رأس إدارة التعليم سنة 1908 حتى أصبح داعية للتعليم المهنى وهتف له المشاركون في مؤتمر إفريقيا الشمالية عندما طرق هذا الموضوع واتحد فى ذلك معمرو البلاد التونسية مثل كارنيار وكذلك معمرو الجزائر فصاح أشدهم بأسا وهو النائب القديم مارشال قائلا فى اندفاع عاطفي مستوحى من عبارة لاطينية (felix qui potuit) (السعيد من يقرر ) " كم كانت تكون الجزائر سعيدة لو كان على راسها منذ البداية موظفون نظروا إلى الامور نظرة السيد المتفقد شارليتى إن نظرته لعمري سديدة " ولم يجد شارليتى آية صعوبة للحصول على إعتمادات من المجلس الشورى (1) .
وإن ما يعلل حدة المهيمنين بروز جيل جديد من الشبان تخرجوا من المدارس الفرنسية وتمكن بعضهم من مواصلة دراسته فى كليات فرنسا . فهاجمت الصحافة الفرنسية الصادرة بتونس منذ أواخر القرن التاسع عشر فى عنف هؤلاء المثقيفن الغاضبين ونعتتهم بالشباب التونسى (2) على غرار " الشبان الاتراك " . وبقى هذا الإسم عالقا بهم وتبنوه . واكدوا منذ البدء أن غايتهم هي تجديد التعليم
بتطعيمه بالعلوم الغربية حسب توجيهات الشيخ عبده وبوحى من الإصلاحات التى ادخلها على التعليم في الازهر . لذلك أنشأ جماعة الحاضرة سنة 1896 بإيعاز من البشير صفر جمعية الخلدونية (1) نسبة إلى ابن خلدون المؤرخ التونسي الكبير الذي عاش فى القرن الرابع عشر . وكانوا مدركين لمواطن النقص فى التعليم الزيتونى . فلم يتصدوا إليه بالنقد مباشرة لما كانوا يكونه من احترام نحو مقام الجامع الاعظم وخشية ردود فعل علمائه الذين كان فى مقدورهم أن يتأبوا على هذا المشروع ويقتلوه فى المهد . بل إنهم جعلوا من هذه المؤسسة الجديدة جمعية (2) ترمي إلى نشر ثقافة تعتمد على معرفة " التاريخ والجغرافيا واللغة الفرنسية والإقتصاد السياسي والعناية بالصحة والفيزياء والكيمياء إلخ ..." و" التسهيل على من يستحقون طرق إستكمال تعليمهم " و " تشجيع بعث المكتبات ونشر مجلة بالعربية والفرنسية غايتها الاساسية تعريف الفرنسيين بالحضارة العربية وتعريف المسلمين بالحضارة الفرنسية " وكان هذا العمل الثقافي موجها للأ وساط العربية وخاصة لطلبة الجامع الاعظم . ولم يكن مقر الجمعية الخلدونية فى مبنى جامع الزيتونة الذي
ظل محتفظا بخصائصه بل في مدرسة قديمة قريبة منه وجدت بها قاعات للدروس حضرها 156 مستمعا سنة 1905-1906 ومكتبة سرعان ما تضخم عدد كتبها بفضل الهبات وقصدها فى نفس السنة 4896 من القراء . وقد وجب طمأنة " جيل المسلمين القدامي " الذين كانوا يعتبرون المؤسسة " عملا مضرا بالدين ومنافسة وخيمة العواقب تهدد الجامعة الزيتونية فى تعليمها العربي الصرف " (1) واسندت المسؤولية إلى محمد الاصرم (2) وهو من قدماء تلامذة المدرسة الصادقية تحصل على شهادة المؤهل العالي (Brevet Superieur ) بعد قضاء ثلاث سنوات بمدرسة الترشيح بفرساى (Versailles ) ثم عين آستاذ بالمدرسة العلوية ومنها كلف بإدارة الغابة وهي مصلحة هامة تعنى بزياتين شمال البلاد . فلما تولى رئاسة الخلدونية تعاون مع جلة مشايخ الجامع الاعظم . وكان النجاح الاوفر من نصيب المواد الجديدة وخاصة التاريخ والجغرافيا اللذين كانا يدرسهما البشير صفر (3) واكتشف الجيل الصاعد الفيزياء والكيماء والعلوم الطبيعية التى كانت مفقودة تماما فى التعليم التقليدى بل إنه إستطاع ان يمارس اعمالا تطبيقية في مخبر متواضع . وتحمس الطلبة لدراسة اللغة الفرنسية " إلى حد إهمال لغتهم في بعض الاحيان " وفعلا فإن دروس الإنشاء العربية التى كانت تعنى بتعليم أساليب الكتابة لم يحضرها اكبر عدد من الطلبة . وسعبا إلى أن تفتح تعليم الخلدونية أبواب الشغل فى وجه خريجيها قضى الامر المؤررخ
فى 12 نوفمبر 1898 بإنشاء شهادة في المعارف التطبيقية " تمنح حامليها الاسبقية فى إسناد بعض الوظائف الخاصة بالاهليين المسلمين " مثل امناد لمعاش والخبراء والنقباء . وفي سنة 1906 بلغ عدد الشهائد للممنوحة 113 منها 32 في السنة الإخيرة . ولاول مرة وضعت بين أيدى الطلبة كتب مدرسية ألفها أساتذتهم في لغتهم .
وعلاوة على التعليم ، فإن الخلدونية أمها خلق كبير بما نظمته من محاضرات لوحظ أنها تجلب " جماعة من الجبل القديم ....كانوا يأتون لتلقى الحقيقة الكبرى من أفواه الشباب ." . ولقى نشاط الجمعية استحسان الإقامة العامة إذ ترجع فكرة تأسيسها إلى روبييى (Rebillet ) وضبط قانونها الاساسي في مكاتب مشوال . وحرص المقيم مبييى (millet ) الذي كان يكن للأسلام عطفا حقيقيا " باتفاق مع المؤسسين على أن يدير شؤونها المسلمون دون سواهم لإقامة الدليل على قدرتهم فى تبليغ عليهم إلى مواطنيهم " (1) . وكانت الإدارة راضية عن هذه المؤسسة التى قدمت " خدمة لا تحصى فوائدها لا فقط للطلبة المسلمين إذ مكنتهم من الاتصال المباشر بالحضارة الاوروبية وخاصة الحضارة الفرنسية بل كذلك للمستعربين الفرنسيين إذ وضعت بين أيديهم مكتبة خاصة . " (2) إلا أن هذه المؤسسة آثارت فى أوساط المعمرين " تخوفات شرعية " إذ راوا فيها مركزا للدعوة الإسلامية . وكتب كرنيار فى هذا الصدد قائلا : " إذا ما قدر أن تندلع ثورة فى البلاد التونسية فإن هيئة أركان ثوارها تكون قد تخرجت من الخلدونية (3) .
وفي 23 ديسمبر 1905 تأسست جمعية قدماء تلامذة المدرسة الصادقية (1) بفضل حماس محام شاب كان بارعا في الجدل ، مقتدرا على التفكير المنهجى ومناضلا جمع بين الشجاعة والثبات على المبدأ وهو على باش حامية (2 ) الذي كان حينذاك مديرا لجمعية الاوقاف وكان أول من ترأسها خير الله بن مصطفى وهو رجل علم ذو نفوذ أدبى كبير . وكانت هذه الجمعية إلى جانب غايتها التعاونية ترمي إلى " نشر وتبسيط مبادئ العلوم العصرية الضرورية فى الاوساط التونسية " .
وتمثل نشاطها بالخصوص فى تنظيم محاضرات أسبوعية متبوعة بمناقشات بلغ عددها سبعا وعشرين فى سنة واحدة ( من أفريل 1906 إلى افريل 1907 ) وكانت فرصة بروز مواهب ثقافية كثيرة . وكان المحاضرون ينتخبون من بين مشايخ الزيتونة وكذلك من بين الكتاب او الجامعيين القادمين من فرنسا . ومن أكثرهم مواظبة كاتب كان يتمتع حينذاك بشهرة واسعة فى فن الفقه والمحاولة الادبية وهو شارل جينيو ( Ch. Geniaux ) (3) . وكان يحن إلى بلاد المغرب منذ عهد طفولته بالجزائر فلما زار تونس سنة 1900 تعلق بها ولم ينصرف فحسب إلى الحديث عن مفاتنها بل اهتم بقضاياها الإجتماعية مثل مقتضيات حياة المعمر ، والتنافر
بين الاجناس ، وعبودية المسلمات ومطامحهن وقد قامت زوجته التى كانت مساعدة له فى نفس الوقت بتحقيقات لديهن ، واهتم أيضا بمطالب حركة الشباب التونسي التى ظل متصلا بها اتصالا متينا طيلة ثلاث سنوات مدة فصل الشتاء منها والتي ساند مطالبها فى المجلات الباريسية . وكان يماثله حماسا في الدفاع عن التونسيين جول بوا (jules Bois ) المغرق في شطحاته الروحانية وماك سانيى (marc sangnier ) مؤسس مجلة سيون (sillon ) . وكان القوم يفضلون الخوض فى المواضيع المتعلقة بالإسلام وعلم الإجتماع ولكنهم كانوا يحتفلون كذلك بالممثلين الباريسيين الذين يقومون بادوار فى قرطاج وينوهون " بالصديق جينيو الذي مكنهم من السفر إلى تونس " وأتاح لهم قضاء ممتعة لن تنسى " .
واتجه جماعة قدماء الصادقية نحو الشعب فنظموا محاضرات باللغة العربية فى مختلف أحياء العاصمة على غرار الجامعات الشعبية التى كان بعثها فى باريس ديهارم (G . Deherme ) والتي يعتقد أن الطلبة التونسيين كانوا على علم بوجودها . وهكذا تمكن جمهور كبير من معرفة مسائل تطبيقية تتعلق بجسم الإنسان عواقب الإدمان على الخمر والمنتوجات الفلاحية والصناعية . وشمل نشاط قدماء الصادقية الرياضة والتمثيل وخاصة الموسيقى (1) . وحرصت الناصرية على جمع الرقصات الغنائية وتسجيلها وكذلك الموشحات الاندلسية . واشتهر المعنى بوغريبة بغزارة أغانيه (2) . واهتمت
جمعية قدماء الصادقية بأولى مدارس الفتيات المسلمات (1) وكانت إبنة البشير صفر أنجب تلميذاها سنة 1909 .
- يتبع -

