الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

المعمرون الفرنسيون ، وحركة، الشباب التونسي، (1882- 1912)

Share

إن الفشل الذي منيت به جماعة " الشباب التونسي " (1) في محاولتهم التوفيق بين التعاون النزيه مع سلطات الحماية وتقديم

المطالب المشروعة يعد مثالا بليغا للصعوبات الكأداء التى كانت تعترض الاهالي ذوى العزائم الصادقة فى سعيهم إلى إنجاح سياسة إصلاحية

فى ظل نظام استعمارى . ولقد تمكن نظام الحماية طيلة ربع القرن الذي عقب احتلال البلاد التونسية سنة 1881 وعلى النحو

الذي ضبطه بول كمببون  ( Poul Cambon ) ( 1886-1882 ) من الحيلولة دون قيام الأهالي (1)  بأية معارضة . ذلك أن سكان البلاد علاوة على ما أحسوا به في أعماق أنفسهم من عنيف التغييرات سرعان ما أدركوا انهم فى قبضة سلطة منظمة وأنه أصبح عسيرا جدًا عليهم ان يتمردوا أو يتملصوا من واجباتهم كما كان شأنهم عندما كانت الإيالة مستقلة .

لقد استحكم أمر الدولة من دون أن يتغير جوهرها فى الظاهر . وتوطد نظام البايات واحتفظ بمشمولاته الاساسية : وإذا بقى الباي وهو الملك التيوقراطي (2) المسؤول عن أعماله أمام الله وحده ، يتمتع قانونيا بكامل السلطات التنفيذية والتشريعية فإن سلطة الحماية جردته منها فى الواقع بواسطة المعاهدات وخاصة بتأويلها لها فيما كانت تتخذه من " الاوامر اللاحقة " ( actes subequents ) فعندما منح رئيس الجمهورية ، من دون آستشارة الطرف المقابل ، المقيم الفرنسي حق اصدار " جميع اوامر العلية وتطبيقها ، فإنه فى الواقع حول لفائدة ممثله فى تونس سلطة عاهل البلاد التشريعية ( أمر العاشر من نوفمبر سنة 1884 ) . ومنذ ذلك الوقت لم يستطع الباى القيام بأية مبادرة بل انه تنازل عن سن القوانين لممثل فرنسا واقتصر دوره على ختم الاوامر من دون مجرد استشارته في صياغتها وأقام " كمبون " نظاما يخوله " حكم البلاد باسم الباى من أعلى مستوى إلى أدناه " (3) وتمسك خلفاؤه بهذا النظام وغالوا فيه

أحيانا ويتمثل (1) .ويتمثل " المستوى الاعلى " فى المقيم العام يساعده مديرون يمارسون الحكم وكاتب عام له اليد الطولى على الإدارة. أما " المستوى الادنى " فيتسم فى المراقبين المدنيين الذين كانوا يتمتعون بحرية كبرى فى التصرف خاصة وانه لم يوجد أى إجراء يسمح ، بالتظلم منهم عندما يتجاوزون سلطتهم . وقنع الباى ووزراؤه فى القمة و " الفياد " فى القاعدة بالادوار الصورية .

وكانت الحماية تحمل بحكم نشأتها ذاتها طابع الدبلوماسية التى ترفض كل تدخل أجنبيا كان أم برلمانيا وتتبجح بأنها سنت نظام مراقبة لا يخضع لاية مراقبة . وكان انصار الإدماج ورحال القانون المتحمسون للسيادة الفرنسية يدينون هذا النظام الذي وصفوه بأنه " قائم في جوهره على المغالطة " مع انهم سلموا من ادون صعوبة " ببراعة هذه الصيغة من اللامركزية الإدارية التى بلغت حدًا من التستر وضمنت لصاحبها الفضل الكامل فى النجاح مع القدر الادنى من المسؤولية فى حالة الفشل " (2) . وحرصا على اطراد النجاح وجب تحاشى إقحام أى تغيير في الهياكل القديمة من شأنه أن ينال من حسن سيرها . وكان هذا الموقف يتماشى مع روح المحافظة التى كانت تسود وزارة الخارجية الفرنسية ويسمح

كذلك للموظفين المحليين بشل كل بادرة يقوم بها المقيمون العامون ويمكن اخيرا رفض الإصلاحات التى يطالب بها التونسيون بدعوى احترام التقاليد العريقة .

وكان برنار روا (Bernard Roy) الذي وفر لهذه السياسة أسباب النجاح عندما بقى طيلة عشرين سنة ( 1889-1910 ) كاتبا عاما للحكومة التونسية باشر قبل ذلك ولفترة طويلة خطة قابض بريد ثم مراقب مدنى بالكاف ( 1871-1889 ) واشتهر بأنه كان يمارس شؤون العرب بما يتماشى وعقليتهم وهم ليسوا بالضرورة " الصنايعية " والعملة والفلاحين . وكانت تعليماته للمراقبين المدنيين تعتمد على المبدأ الذى سنته الإقامة العامة والقائل بأن الحكمة تتمثل في إبقاء ما كان على ما كان الإدارة الاهلية تنطوى على جملة من النقائص لا يمكن أن ندعي القدرة على استئصالها لانها كامنة في عادات العرب عالقة بطبعهم . " (1)  . وكان من العسير تبين الحدود الفاصلة بين التسامح والاستغلال والتشجيع طالما أن الخط المميز بين الرقابة والإدارة المباشرة كان غير واضح واستنكر هذه النظرية النائب الراديكالي الثقة تلاماس (Thalamas) وكان مؤرخا حريصا على تدوين الاحداث المؤيدة بالبراهين ، واستغرب أمام البرلمان موقف أحد " الفياد " الذي ادعي أن يد القانون قاصرة دونه مبررا ذلك بقوله : " هل تظنون أننى أعمل لحسابي الخاص ؟ " (ضوضاءفي صفوف النواب ) كما استغرب أن يعين " روا " حاجبه القديم بالكاف عاملا على تبرسق ثم سوق الخميس وكان أميا اتهمه الاعيان بأنه اختلس 280.000 فرنك في ظرف ثلاث سنوات

فما كان من الإقامة العامة إلا أن ردت عليهم بقولها : " إنه عون ممتاز " (1) .

ولم تول الإدارة نفس العناية لا لحماية الصناعات التقليدية من مزاحمة المنتوجات المستوردة او المصنوعة فى البلاد نفسها (2) ولا لصيانة الملكية العقارية من تطبيق حق الملكية المطلقة المحظوظة ، ومضاربات الشركات الخفية الاسم وكبار الملاكين الذين وكلوا على أراضيهم إلى سنة 1892 ثم الاستعمار الرسمي مما أدى إلى إقصاء عدد

كبير من صغار الفلاحين والخماسية وجعلهم أجراء (1)  . ولقد لاحظ المؤرخ والاداري شارلتي (Charlety) سنة  1907 ، وكان ملاحظا بصيرا بالامور ، أن الحضور الفرنسى أطاح بالهياكل التقليدية للحياة الإقتصادية وأن ظروف عمل الاهالي كانت تقودهم حتما إلى الموت السريع وانه من الصعب جدا ، على ما يظهر التنبؤ بمآل السكان العاملين رغم انخفاض أجور اليد العاملة (2) .

واضطرت الإطارات القديمة للايالة ، كارهة أو راضية ، إلى الانسجام مع النظام الجديد . ولم يسع البايات ، المتحمسين للدفاع عن مرتباتهم أكثر من تحمسهم للذود عن مصالح شعبهم ، إلا الرضا ، فى غير تبرم ظاهر ، بعبودية حلوة . وكان نظام الخلافة عند البايات يقتضى أن يتولى الملك أكبر أفراد العائلة المالكة سنا . وكان همه عند اعتلائه العرش بعد طول انتظار ، التنعم بملك هانئ ليس إلا : فكان سن علي باي ( 1902-1882 ) عند توليه الملك أربعة وستين عاما وسن الهادي باي ( 1906-1902 ) سبعة وأربعين ومحمد الناصر باي ( 1906-1922 ) واحداً وخمسين عاما . أما أقرباؤهم الذين حتمت عليهم عظمتهم أن تكون حياتهم فراغا فكانوا يعيشون بفضل جرايات هات لا يتنازل عنها ولا تغتصب غير مضبوطة كانوا يعتبرونها دون حاجتهم . أما باي الامحال الخلف المعين فإنه كان يعتمد على سخاء الجمهورية التى لا تنسى ذلك بدورها عند جلوسه على كرسي الملك وقد سخر " كمبون " من الطيب باي الذي لم يخف فرحته عند مغادرة هذا المقيم العام البلاد فقال : " إن هذا الاحمق يعتقد أن خلفي سيسدد له

ديونه " ( 1 ) وكانت أرسقراطية المماليك هى التى تزود البلاد بوزراء وموظفين يعادل عجزهم مرض نفوسهم . وكان " الفياد " بواصلون داخل البلاد ما اعتادوه من أعمال تعسفية إذ وجدوا مساندة أقوى مما تسنى لهم فى دولة البابات . وكان السكان يعتبرون نظام الحماية مسؤولا لا عن قلب الاوضاع الإقتصادية والإجتماعية فقط بل عن غلاء المعيشة إذ تضاعفت الاسعار فى ظرف ربع قرن .

وكان حقد دفين يكمن وراء استسلام السكان الظاهرى . ولم ينخدع  "كمبون " من أول الامر بولاء الباي لفرنسا كما كان يتبجح بذلك الوزراء وقسم من الصحف الكبرى . فكتب بعد مقابلة مع محمد الصادق باي قائلا : " إن هذا الكلام الشرقى المعسول لا يدل على شئ إذ أن الباي لو تمكن من خنقنا جميعا لوجد متعة فى ذلك من دون شك " (2) . وكذلك كان الامر بالنسبة لارستقراطية المماليك التى لم يخف تماما حماسها الظاهرى ما كان يعتمل فى نفوسها من احترازات . واضطر " كمبون " إلى استعمال سلطته لترويض شيخ الإسلام وحمله على التعاون معه وذلك بعد " مفاوضات " متعددة لانه كان في حاجة إليه ليعينه على " استعمال ما لرجال الدين من تأثير لفائدة فرنسا " بحيث " يضمن الفرنسيون لانفسهم فى تونس الهدو الاكمل " ( ) . وفي سنة 1885 احتج عدد من أعيان تونس على إسناد لزمة تزويد العاصمة بالمياه لشركة فرنسيا كان من المساهمين فيها أخو جول فرى (Jules Ferry) نتج عنه فسخ لزمة تونسية كان من المفروض أن يجرى بها العمل لمدة

ثماني عشرة سنة أخرى . ورفض المستشارون البلديون المسلمون المشاركة في المناقشة وقدموا استقالتهم . واتجهت إلى المرسى جموع تتركب من ألفين إلى ثلاثة آلاف تونسي بقيادة الاعان لتقديم مطالبهم إلى الباي . وكان رد فعل "كمبون " جديرا بأمبراطور .

فنفي مدير الغابة إلى الكاف وسجن شيخين بقابس وعزل شيخ المدينة وعددا من سامي الموظفين بوصفهم " متعصبين ومناهضين للحماية ( 1 ) . إلا أن هذا لم يمنع المقيم من لفت نظر الوزارة ( الفرنسية ) إلى الاسباب العميقة لهذه الاضطرابات التى تحولت إلى " معارضة عامة لنظام الحماية رغم انها ظهرت متأخرة عن أوانها فى صفوف الاهالي " (2) .

وإن لدينا عددا قليلا من الوثائق يمكننا من ملاحظة مدى ما كان يضمره التونسيون من كراهية نحو المقيم ميي ( Millet ) رغم اتهام المعمرين إياه بمحبته للعرب وقد تجلى ذلك فى مناسبتين : أولاهما ما رواه قنصل أنقلترا آثمار (Haggard) عند

مرافقته له فى جولة سنة 1895 قائلا : إنه عندما ادلى المقيم وتصريحه العنف اللهجة حول نظام تجنيد التونسيين الذي اقر سنة 1892 واجهه السكان " بموجة عارمة من الصراخ والاحتجاج " وشيعوه بعبارات الشتم " . وثانيتهما عندما لاحظ هذا القنصل بعد سنتين ، لا مبالاة العرب يوم تدشين ميناء صفاقس قائلا : " أكد ضابط فرنسي سام فيما بعد ، أنه وجد مشقة كبرى فى إقناع الاهالي بالحضور وأنهم رفضوا رفضا باتا المشاركة في الحفل في أية بقعة كانت . وانهم يرضوا فى آخر الامر بالمرور ككتلة واحدة أمام المنصة حيث كان يوجد ممثلو الدولة المنتصرة عليهم ، إلا بعد أن ألح عليهم " فايدهم " وهددهم شر تهديد وهو الذي دفعته السلط لحملهم على الظهور " (1) .

وكانت المظاهرات الشعبية التى تحولت إلى تمرد في مركزين بالتل الاعلى وهما القصرين وتالة سنة 1906 ، أشد خطورة

وظهرت حركة التمرد التى كان يقودها ولى شاب أول ما ظهرت بالقصرين فى 26 أفريل ثم امتدت إلى تالة بعد ثلاثة أيام . وقتل " معمر " ( colon ) وزوجته وأحد العملة بينما أجبر من بقوا على قيد الحياة على النطق بالشهادة ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) .

وكان مصدر الغضب أولا الخصاصة الناتجة عن الجفاف الذى عقب بدوره موجات من البرد القارس أتت على الماشية . وثانيا طبيعا العلاقات مع المعمرين الذين كانوا قلة . فأورثت العزلة فى قلوبهم غلظة . وآل الامر بالاهالى " في الظرف الحالي وفي أماكن كثيرة إلى أن يقتاتوا من الخبيزة و " الحماضة " مما يبرر سهولة وقوع هؤلاء الجياع المساكين فى مخالب مشوش  " كان يحمل

المحتل مسؤولية مصائبهم . وعلى كل فإن الإقامة لم تقم بنشاط كبير لتنظيم عمليات الإغاثة . " ففي أماكن كثيرة من الإيالة استشاط السكان غضبا لفرط ما قاسوه من آلام بينما هم لم يحركوا ساكنا منذ خمسة وعشرين عاما . وعلى الإدارة أن تتساءل هل هي قامت أم لم تقم بواجبها لتفادى الامر " .

وقد ادركت واضح الإدراك القصاصة " مريام هاري ( Wyriam Harry ) التى انتدبتها جريدة الزمان لحضور المحاكمة العلاقة بين ما كانت تقاسية هذه " الشراذم المضطهدة والجائعة " من تعاسة فظيعة وبين تمردهم لتحقيق ما كان " يدفعهم إليه حلمهم الجنوني لتجاوز فقرهم المدقع والظفر بحريتهم " . ومنحت هذه الكاتبة عطفها لهؤلاء المدفعين وضحايا المحاكمة السريعة الذين سقطوا أمام جدران تالة تحت رصاص بنادق فتاكة لم توجد بين وثائق الإثبات مثل هذه التوابع المستعملة فى المسرحيات الهزلية المتمثلة فى " الثياب " الرثة و (بلايز) الاعياد وبنادق الفتيلة والطبنجات وجزمات الجندرمة والحروز والمسدسات المتحفية وخاصة فى ملامح عمر بن عثمان المحتفظة بسرها وهو الولي الراعي في عزلة بلاد الفراشيش الذي كان جسمه النحيف ملقى على نقالة . " أيا جان دارك ، يا فتاة الصحراء التعسة ، أية شفقة توحين بها إلى ! "

وفى هذا اليوم يوم المواهجة اتضح للصحفية بعدما طرق سمعها من " الروايات الطافحة كراهية وحقدا ، المفعمة حسدا منشؤه الارض ، ما كان يباعد بكل أسف بين الجنسين" . وكانت الجالية الاوربية التى انتابها فزع شديد تطالب بقمع جنوني . و " كانت جماعات من المعمرين تتجمع فى حماس مفرط خارج المحكمة على قارعة الطريق وكنا نسمع كذلك عبارات الحقد والتعصب وكان القوم ينادون بضرورة الشدة القصوى ، ويستصدرون أحكاما تكون فيها العبرة الرهيبة ويعدون على الاصابع الرؤوس التى يريدون قطعها

بينما لم يمر وقت طويل على إلغاء حكم الإعدام بفرنسا وكانوا يوهمون الحكومة بتحد من هذا النوع : إذا حميت العرب فإنه لم يبق لنا إلا الرحيل !

وتقدم نحوى أحدهم قائلا : "قيل لي إنك صحفية . فأرجو أن تكون كتاباتك لفائدة المعمرين . لقد آن الاوان ! إننا نتساقط تحت ضرباتهم كالذباب !

وقلت له مبتسمة وأنا أفكر فى الاسلحة الصبيانية التى يرخص فى حملها للأهالي : " حقا ألا تخشى على نفسك من البقاء فى هذه البلاد " فأجاب " أخاف أنا ؟ أبدا . أنا لا أخشى شيئا . إن لى مسدسا أطلق به الرصاص على أول " بيكو " . يتقدم نحوي فى الارياف . إنه يعتقد أن الله قدر عليه بذلك . واني لا استطيع أن أحسب كل الرصاصات التى رميتهم بها ! وإذا مال هؤلاء الاجلاف نحو اليسار فإن رصاص بندقيتى يقوم مقام السوط . إنى امدنهم بهذه الطريقة . ولتصدعى بهذه الحقيقة فى فرنسا . إنهم لا يفهمون إلا هذه اللغة . فأجبته : تستطيع يا سيدي أن تعتمد علي . سوف أتحدث عنك " .

وأحدثت المقالات التى نشرتها مريام هارى حول المحاكمة ضجة كبرى فى الجالية الفرنسية بتونس . لا بسبب ما وصفته من ردود فعل المعمرين بل لما أظهرته نحو الولي من عطف الامر الذي قد يعلل التمرد إن لم يبرره (1) . ويظهر أن الرأى العام في أوربا

كان يجهل أن وسائل التمدين التى ذكرها المعمر الريفي للصحفية لم تكن أنجع الوسائل المستعملة للتيقن من اعتراف الاهالي بالجميل . فاكتشف فجأة مجتمعا مناوئا كان يعتقد أن توطين الفرنسيين فى أرجائه من شأنه أن يضمن له السعادة . وظهرت علائم أخرى ققلت طمأنينته : فالمعركة التى نشبت بين التونسيين من جهة والطرابلسية والقبائل من جهة أخرى حيث تقابل ألفان من عملية الفسفاط بالمتلوى فى 5 ماي 1907 كادت أن تنقلب إلى مجزرة . وطالب المعمرون بتركيز حامية بالوسط وأخرى بالجنوب كما طالبوا بتسليط احكام الإعدام بكل حزم (2) . وكذلك آثار الإضراب العام الذي وقع سنة 1904 والمظاهرات التى شارك فيها التونسيون إلى جانب

العملة الاوروبيين مشاكل جديدة (1). وحل محل موجة الارتياح التي سادت ربع القرن الاول ( من الحماية ) تشويش زاد في تدهور علاقات المستعمرين بالمستعمرين .

ولم تلق الحكومة معارضة حقيقية من الاهالي الذين لم تتوفر لديهم الوسائل للقيام بها بل صدرت من الجالية الفرنسية التى كان فى امكانها الإصداع بمطالبها على صفحات جرائدها ومن على حجرها الإقتصادية (2) . وبطلب من " ريبو " (Ribot)  فى رسالته المؤرخة فى 24 أكتوبر 1890 وكان حينذاك وزيرا للخارجية فى حكومة " فريسيي (Freycinet) عاد المقيم " ماسيكو " إلى سنة القناصل السابقين الذين كانوا يلتمسون اراء ممثلى الامة الفرنسية (3) لتسجيل اقتراحاتهم حول الإجراءات المتعلقة بمصالحهم الفلاحية والتجارية . وفي سنة 1896 أضيف إلى ممثلي الفلاحة والتجارة ممثلون

عن الاصناف الاخرى من الفرنسيين القاطنين بالإيالة فتكونت منهم هيئة انتخابية ثالثة . ومنذ ذلك الوقت تكون المجلس الشورى الذي أصبحت له هياكل شرعية من أعضاء يمثلون الحجرة التجارية والحجرة الفلاحية وممثلين منتخبين عن الدائرة الثالثة ومن نواب عن البلديات ومن رؤساء المصالح الفرنسيين العاملين فى الحكومة التونسية وعددهم ستة . ولاقي بول بورد ( Pol Bourde ) منذ توليه إدارة الفلاحة وقيامه بمبادرات جزئية ، معارضة هوجاء وجد صعوبة كبرى في مواجهتها (1) . وكانت الرغبة شديدة لتحويل الندوة من هيئة استشارية إلى مجلس استعمارى يمارس فعلا مراقبة أعمال الإدارة . إلا أن ميي رغم تسليمه بضرورة استشارة " المحكومين " كان يأبى التنازل عن مشمولات السلطة التنفيذية وأشعر أعضاء الندوة بأن تغيبهم أثناء الدورتين السنويتين اللتين كانتا تدومان من ثمانية إلى عشرة أيام من شأنه أن يحول دون أى عمل جدى . " فمنذ الجلسة الرابعة تبدأ التغيبات فهذا مشغول بحراثة أرضه والآخر منصرف إلى مراقبة معمله " بحيث يتحتم الالتجاء إلى لجان مختصة للنظر في المسائل البالغة الخطورة . وإذا تمثلت أول بادرة يقوم بها النواب في الاحتجاج على اقتضاب جدول الاعمال فإن " البادرة الثانية تنحصر فى تملصهم من الاجتماع فى أسرع الاوقات " وبذلك أصبح من المستحيل عرض الميزانية بتفاصيلها على أنظار المجلس (2) . وبقيت مشمولات المجلس الشوري على حالتها حتى سنة 1907 . وفي هذه السنة زادت صلاحياته فى باب الميزانية إلا أن قرار المقيم المؤرخ في 2

جانفي 1905 كان استجاب لرغبة اعضائه فى الانتخاب العام والمباشر بحساب 12 نائبا عن كل هيئة انتخابية .

ولم يشارك في هذه المجالس سوى الفرنسيين . وكان المعمرون يستدرجون زملاءهم لتبنى قضيتهم مذكرين إياهم دائما بدورهم الريادى فى نشر المدنية . وكانوا واثقين من حقوقهم لا يتطرف إليهم الشك (1)  في شرعيتها . فينجحون فى فرض مطالبهم على الإدارة التى كانت تخشى رعونة هجوماتهم . وكتب " فيكتور دى كرنيار زعيم الجالية الفرنسية الحقيقي في رد على النائب شايي ( Chaiiey) قائلا : " إن المعمرين ليسوا فرنسا . ولكنهم جزء من فرنسا واستطيع أن أقول إنه الجزء الوحيد من فرنسا الذي يعرف المستعمرات والاهالي. فمن واجبهم أن يفيدوا رجال السياسة بتجربتهم وان يجاهروا الوطن الام فى صراحة بما يعتقدونه الحقيقة " (2) . وبناء على ذلك كانوا يصمون بالجهل كل من لا يتبنى نظرتهم إذا كان مقيما بالتراب الفرنسي وبالخيانة إذا وجد بالإيالة التونسية . وكانوا على حال دائمة من الحدة فى اللهجة والتطرف فى المطالبة حتى بلغ بهم الامر حد الاعلان عن انحطاط البلاد التونسية منذ الاحتلال والكشف عن نزعة مؤسسة لتشويه كل شئ تشويها مطلقا" (3) على حد تعبير

أحد أنصارهم البارزين . وكانت صحافتهم تنفث سمومها فى عنف استعمارى صميم فتشهر بعجز وزارة الخارجية الفرنسية (Quai d,orsay)  وميوعة الإقامة العامة اللتين تمنعانهم من الظفر بنظام تجارى وجبائي وعقاري من شأنه أن يستجيب لمطامعهم التى كانوا لا يتورعون في التأكيد بأنها ترمي إلى التخلص من المزاحمة الاجنبية وتجاوز العقبات القانونية الحائلة دون التحصيل على أراضي الاهالي .

ولم يكن المقيمون فى مأمن من شكاياتهم التى تتبع عنترياتهم الاولى . فكانوا يتبجحون ، وحق لهم ذلك ، بأن مصير هؤلاء المقيمين بأيديهم . ففي عهد " كمبون ، انحازت أغلبية الجالية الفرنسية إلى جانب ال الجنرال " بولنجي " ( Boulanger ) ورئيس محكمة " بونتوا " ( Pontois ) ضد المقيم العام . فغذت صحافة المعارضة الباريسية  بما كانت تتهم به السلطة من تجاوز للنفوذ . وأرادت ان تعبر عن إرادة الفرنسيين المقيمين فى تونس الحاضرين " بتمامهم وكمالهم " في اجتماع عام فوجهت " لائحة لوم " يوم 28 جوان 1885 كان لها تأثير فى إعفاء " كمبون " من مهامه ولما كان الغد صدعت جريدة اليقظة التونسية ( Reveil Tunisien Le) وهي " الجريدة المستقلة الوحيدة والمتحمسة دون غيرها للمصالح الفرنسية " (1) برأيها فى دون التباس فقالت : " لقد عيل صبرنا ، لم نعد نطيق هذا الطاغية ، هذا الجمهورى الدعي ، من اتباع " ليولا " (Loyola) . كفى عبثا ! إن المواطنين الفرنسيين عازمون على أن يبقوا فرنسيين أى أحرارا . كفاكم فوضى ! لقد أتخمتكم الدعارة وأشبعكم المال هل تريدون أن تعرفوا مدى ما يحيط بكم من الاستنكار . هل ترتدون أن تسلط عليكم لعنات السكن أجمعين وأن تغمركم أمواج سخطهم ! إنكم تريدون ذلك . وسيكون ما أردتم ، سيكون !

أما " ماسيكو " (Massicault) فقد حظي فى أول الامر باستقبال حسن إلا أنه أبى أن يخضع لمطالب المعمرين المجحفة وأسعفه الموت قيل أن يشوهوا مجده . وأثارت سياسة " مييي " العامة والمالية " هى الاخرى معارضة الجميع فقامت في وجهه الهيئات الموجودة الواحدة تلو الاخرى " . ووجهت جريدة تونس الفرنسية فى أوائل جانفى 1897 نداء لعقد اجتماع احتجاجى جاء فيه : " انه من حق الجالية ( الفرنسية ) أمام الإجراءات الجبائية والسياسية الجديدة التى ذهبت ضحيتها أن تعبر عن رأيها وتبحث عن الوسائل الكفيلة بتنظيم مقاومة شرعية فى وجه نزوات الدكتاتورية " وذهب الامر بإحدى صحف المعارضة الاستعمارية إلى اتهام المقيم بأنه هيأ بعد محاولتين سابقتين فاشلتين الكمين الذي ذهب ضحيته المركيز دى موراس (Mores) في اللواتية (1) . وتواصلت الهجومات ضد البروقنصل " مييي " رغم ما استهدف له الصحفيون من قضايا عدلية وكانوا يتهمونه فيما يتهمونه به بسياسة المسالمة نحو الإيطاليين وخاصة بمحبته للعرب . وطالبت جريدة " الاستعمارى الصغير " ( Le Pelit Colonial ) " مييي " بعدما أرجئ هذا القرار أكثر مما يجب " وتنازل " دلكسي " ( Delcasse ) في آخر الامر (2)

بعد أن أثخنته الهجومات الصحفية المتواصلة وبعد أن هدده مقرر ميزانية البلاد التونسية النائب " برتولو " ( Berthelot ) بسؤاله فى المجلس حول " الخلاف المستمر القائم بين السكان الفرنسيين والمقيم العام " . وما كاد المقيم ألابوتيت  ( Apapetite ) يصل إلى تونس حتى صرح المعمرون بأنهم مستعدون " لطرده إلى فرنسا مثل السيد " روني مييي " إذا هو لم يطع أوامرهم " (1) . ولم يخف المقيم أمام المجلس انه كان فى إمكانه أن يظفر " بشعبية صاخبة " لو صرح فى " كل اجتماعات الفرنسيين " بقوله : " إن لكم كل الحقوق وإن على الاهالي كل الواجبات " ولكنه لم يفهم رسالته على هذا النحو (2).

وكانت الصحافة الفرنسية بالبلاد التونسية نضالية قبل كل شئ . وكان على الصحفيين أن يحسنوا استعمال السيف مثلما يحسنون استعمال القلم . وكانت جريدة " لادبيش " هى الجريدة اليومية الإخبارية الوحيدة ذات المستوى المحترم وقد صدر عددها الاول يوم 25 ديسمبر 1889 . وصرح " مسيكو " وهو الصحفى القديم عندما أشار ببعث هذه الصحيفة قائلا : " ابعثوا للوجود جريدة لا يقشعر من قراءتها لا الفرنسيون ولا الاجانب ، لا العرب ولا اليهود ، لا الماسونيون ولا الكاثوليك . لتكن جريدة باهتة لا تصدم معتقدات أى كان . إن فى ذلك ضمانا لمطالعة كل الناس لها " (3) . وكان الامر كذلك . فعهد بهذه المهمة للكوكربنتي  ( Lecore - Carpentier ) وهو بروتستاني متحرر اشتغل فى أول أمره كاتب وكيل ثم مارس الصحافة في عنابة فاكتفى بالسير على

هدى الاقامة العامة وكانت " لاديبيش " لسان الحكومة وصوت رجال الاعمال فبلغت من المكانة ما استحال معه على أية جريدة صباحية أخرى أن تفرض نفسها حين ذاك في تونس . واغدقت الاقامة على مديرها المخلص من المنح ما جعله يلقب بمدلل الصحافة كما خصته بلزمة حمامات ومياه قريص مما اقتضى فتح طريق باهضة الثمن على حافة البحر طولها 18 كيلو مترا (1) .

وتسابقت جريدتا المعارضة " تونس الفرنسية " وهي جريدة يومية مسائة و " المعمر الفرنسي " وهي أسبوعية فى شدة اللهجة عند تقديم المطالب والعنف في مهاجمة التونسيين . وبرز فيها رجلان كانا يريان ، بدافع الإيمان لا المصلحة ، ضرورة الصرامة فى نظام الحماية . فالاول " ه. تريدون ( Henr Tridon ) ترأس تحرير " تونس الفرنسية " سنة 1904 وهو ضابط خيالة متفرع ومبارز ممتاز . ولم يكن لروحه العسكرية العارمة التى تتعادل فيها الاستقامة مع التعصب ، من قاعدة سوى ويل للمغلوبين (vae victis) المحكوم عليهم بالكد والجهل كما كانت روح المحافظة الاجتماعية المسيطرة عليه تفرض على الموظفين والعملة الفرنسيين ان يعملوا بدون أى تذمر . أما الثاني ف . دى كرنيار فهو اشد تطرفا من الاول ( 18845-1917 ) وكان محررا في جريدة (l,Autorite) لصاحبها بول دي كسنياك (P. de cassagnac) وترأس الحجرة

الفلاحية للشمال من سنة 1896 إلى آخر حياته كما كان المتكلم الاول باسم المعمرين الفرنسيين الذين أطلقوا اسمه على مركز لهم قرب العاصمة . ولقد كان في حد ذاته رمزا فهو معمر متوسط الثروة لا تعرف الإنتفاعية إليه سبيلا وهو فوق ذلك مجادل ممتاز لا تتغذى نزعته الاستعمارية المطلقة إلا من الكراهية . فكان يقول عن العملة : " العدو هو الإيطالي والصقلي نصف المتوحش الذي يشتغل بثمن بخس " مما حمله من باب العطف على هؤلاء العمال الفرنسيين الطيبين على الاضطلاع برئاسة اتحاد العملة الفرنسيين سنة 1894 ، وهي المنظمة التى كانت توصي بانتداب العملة من بين المغاربة وأهل فزان (1) وكان يصف اليهود بأنهم قوم جديرون بالاحتقار ، محتالون ، لا يؤمن جانبهم ويشهر بمنافستهم ( غير الشريفة ) فأصبح بذلك كله يجسم فى نظر الشعب العنصرية ضد الساميين : وكان يرى فى الشركات الكبيرة ورجال الصناعة والتجار عبيدا للمال ، جاهلين لحاجات الفلاحين . وكان ينعت المقيمين العامين بأنهم تعوزهم رباطة الجأش ، ويخطئهم التوفيق وتفسدهم دعاية الاهالي. وكانت الإدارة في نظره عاجزة بسبب تمسكها المفرط السخيف والعقيم بالقانون وأخيرا كان يعتبر الاهالي مصابين بالعجز لا يرجى لهم شفاء من نقائصهم . وكانت الإقامة العامة تعرف مزاجه حق المعرفة ولكنها كانت تخشى لسانه وقلمه ، وتميل غالبا إلى تلبية طلباته الملحة . لذلك نجد سنة 1905 في أطروحة فى الحقوق هذا القول : " إن حزب الفلاحين كان السيد المطاع فى تونس وكان فوق رؤساء المصالح وفوق المقيم العام نفسه " (2).

- يتبع -

اشترك في نشرتنا البريدية