يُعرفْ *مفكرو ومؤلفو العلوم السياسية لفظة السياسة بأنها الفن الذي بمقتضاه تنظم الدول وتحكم الامم . وهي بعبارة آخرى فن القيادة والحكم .
والسياسة لها مساس بجميع نواحي الحياة . فهى التى تضبط حقوق الفرد وواجباته وكذلك حريته في العمل أو في القول وهي التى تضمن العدالة التى ينشدها ويحتمي بها كما تضمن الامن او تخل به وهي التى تفرض الضرائب وتوفر الخدمات الاجتماعية وتنظم الاقتصاد . كل ذلك في الميدان الداخلي.
اما في الميدان الخارجي فان استتباب السلم بين الشعوب واثارة الحروب وما ينشأ عنها من دمار وخراب للبلدان المتحاربة والتعاون بين البلدن المتقدمة والبلدان المتخلفة لتلتحق الثانية بركب الاولى ونجاح او فشل منظمة الامم المتحدة في تحقيق السلم بين الامم والتعاون الدولي وسياسة الكتل السياسية او الاقتصادية او العسكرية كل ذلك يتأثر بالسياسة تأثيرا مباشرا .
ولكل هذه الاسباب فان الاعتناء بالسياسة امر ضروري ولو ان الشخص لايهتم بها كما يعتقد ذلك - او كما يظهر له ذلك - فانها مفروضة عليه في حياته اليومية كما انها تتحكم فى مصيره .
ويحكى ان رجلا من رجال الثورة الفرنسية الكبرى فى سنة 1789 طرق يوما باب شقة فى منزل ليجرى عليها تفتيشا ، فأجابه صاحبها وكان من البورجوازيين : " لا شك انك غالط . فأنا لا اشتغل بالسياسة " فاجابه الثوري : "حقا ! هذا هو اسوء شىء !" وطعنه بخنجر فى بطنه .
ويقول الكاتب والمفكر الفرنسي جان ماري دوميناك الذي اورد في احدى مقالاته الصحافية ( مجلة " الاكسبريس " ) هذه الحادثة : " ان من يرفض السياسة يرفض ايضا التضامن الاجتماعي ويرفض مسؤوليته الشخصية كما انه ايضا يهمل نفسه ويسلم نفسه ويسلم الآخرين الى الاحتقار والظلم
والاضطهاد . فلاهروب من السياسة . وان شعبا من الشعوب ليس له الا الاختيار بين المشاركة عن وعي في السياسة التى يساهم في تسطيرها وبين المشاركة مكرها في السياسة التى تفرضها السلطة عليه."
ومنذ ان خلق الله البشر ظهر انفصال بين جماعة حاكمين وآخرين محكومين .
وفي المجتمعات الانسانية الاولى تسلط الانسان على اخيه الانسان و حكمه سواء بالقوة أو الجاه أو الثروة وسواء تجسمت هذه السلطة فى الكهنة أو السحرة او رؤساء العائلات او رؤساء القبائل أو الحكماء فان هنالك دائما فردا أو قلة من الناس قد حكمت المجموعة التى كانت تعيش بينها . والانظمة السياسية هي الاشكال التى يتخذها نظام الحكم عند الامم .
وقد تطوًر الحكم ومر بمراحل عديدة عبر التاريخ .
وكان الناس فى العصور الاولى يخلطون بين السلطة والالوهية . فالملك هو الاله عند قدماء المصريين الذين كانوا يحكمهم الفراعنة المعتبرون بمثابة الهة . وهو ابن الله او صفيهُ عند الاشوريين والبابليين وهو نبي الله او رسوله عند الساميين .
ثم وقع الفصل بين السلطان الاله والسلطان الانساني . وكانت للاديان الكتابية الثلاثة اي اليهودية ثم المسيحية ثم الاسلام ضلع كبير فى هذا التطور كما كانت هذه الاديان حجة لطلب الاصلاح والكف من طغيان الانسان على أخيه الانسان . والدين الاسلامي قد فصل مذهبه في الشورى والمساواة واحترام الاجماع وسؤال اهل الذكر تفصيلا يتناول أصول الحكومة ويوافق تطورها مع الزمان .
ولكن سرعان ما اُهملت هذه المبادىء السامية في القرون الوسطى وعصر الظلمات وتحول الحكم الى حكم مطلق على يد الملوك والامراء وما تبعه من قهر واضطهاد وعدم احترام للفرد .
وابتداء من القرن الثامن عشر وعلى أثر الثورة الامريكية والثورة الفرنسية اتضحت فكرة الديمقراطية اى " حكم الشعب بواسطة الشعب" .
ومع الملاحظة أن الديمقراطية المباشرة وجدت فى القرون الغابرة في المدن اليونانية كما توجد في يومنا هذا في بعض المقاطعات السويسرية حيث
ان جميع المتساكنين يجتمعون ويقررون فى ما بينهئم السياسة التى يختارونها فانه توجد في الواقع اقلية لممارسة الحكم وتنفيذ المقررات على بقية المجموعة.
وهذا النظام - نظام الديمقراطية غير المباشرة اى النيابية - هو الذي انتشر فى العالم ولو انتشارا نظريا إذ ان تطبيقه ما زال يلاقي صعوبات هي محل عناية واهتمام المفكرين السياسيين .
والمهم في الامر هو تمييز الحاكمين من المحكومين ولا يمكن نفي الصلة التى يجب ان تربط بين الفرد والدولة اي السلطة . وفي القرن التاسع عشر تطورت فكرة الديمقراطية من الديمقراطية السياسية وشملت الديمقراطية الاجتماعية . وأصبحت الديمقراطية ترمي لا الى "حكم الشعب بواسطة الشعب" فحسب بل : " لفائدة الشعب ايضا" فاصبحت الديمقراطية هي الحكومة التى تقوم على سيادة الشعب وتكفل الحرية والمساواة بين الناس . وتخضع فيها السلطة لرقابة رأى عام حر له من الوسائل القانونية ما يكفل رعاية حقوقه وتنفيذ أغراضه - واغراض الديمقراطية الاصلية هى حقوق الافراد والحرية والمساواة ، وسيادة الشعب تتحقق باشتراك ممثلى أغلبيته فى الحكم وبإدارة شؤون البلاد . ولا يقصد من المساواة اليوم في الديمقراطية المساواة في الحقوق المدنية فقط بل المساواة في الحقوق الاجتماعية ايضا . اى ان المواطن ليس له حق الانتخاب والتقاضي والامن فحسب بل من حقه مع ذلك المطالبة بالعلم والعمل والصحة اى بكلمة موجزة له ان ينشد العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والامكانيات .
ومن هنا جاء انتشار المذهب الاشتراكي الرامي الى تحقيق العدالة الاجتماعية .
يستنتج مما سبق بيانه عدد من المفاهيم الاساسية في الحكم :
اولا : السياسة تطور لا جمود وذلك ان مفهوم الحكم قد تطور من المطلق إلى المقيد بالحكم الشعبي الى الاشتراكية وذلك حسب الظروف التاريخية والمشاكل والنظرة الى الحياة والتضامن بين المواطنين .
ثانيا : السياسة توافق لاتعصب اي انها لايمكن ان تعمل الا في حد من التوافق عل الآراء والرًضى بالحد من الحرًية الفردية لفائدة مصلحة الجماعة و باعتبار الفرد عضوا من هذه الجماعة والاآلت الحرية الى التطاحن بسبب التعصب .
ثالثا : السياسة محاولة وتجربة وذلك قصد البلوغ إلى الموازنة بين حرية الفرد وبين حرية المجتمع حينما نعلم ان الانسان من ناحية هو مدني بطبعه
واجتماعي يميل الى الاجتماع بالآخرين ولكنه من ناحية اخرى انسان فردي ويريد ان يرى حدوده واضحة وبكلمة موجزة يحب التوفيق بين الحقوق الفردية والواجبات الاجتماعية .
واما اولو الامر وخاصة منهم رجال الدولة فيجب ان يتوفر فيهم عدد من المواهب والمميزات وهي :
أولا : البراعة السياسية وتجسيم الامكان الافضل فيما يتخذونه من مقررات وكما يقول المجاهد الاكبر الرئيس الجليل الحبيب بورقيبة يجب : " تغليب العقل على العاطفة" و "تفضيل الاهم على المهم " و " الصدق في القول والاخلاص في العمل " ... ولايتسنى ذلك الا بالموهبة والثقافة الواسعة وارتفاع المستوى العام .
ثانيا : الاستشارة وأخذ الرأي مع بقية المواطنين او ممثليهم والاتفاق معهم فى ما فيه المصلحة العامة والخير المشترك .
ثالثا : تحقيق العدالة المدنية والاجتماعية فى آن واحد . وهذه أهم مميزات الحكم في العصر الحديث ومن أحدث ما أطلق من تعريفات للسياسة هو أنها فنً رفع مستوى حياة المواطن .
وخلاصة القول فان كل نظام سياسي وخاصة الانظمة العصرية وما ترمي اليه من اهداف اقتصادية واجتماعية من تحقيق الاشتراكية والعدالة الاجتماعية والنهوض بالبلاد والعباد في شتى الميادين - كل ذلك متوقف على قيمة الاشخاص الذين يهمهم الامر حاكمين كانوا او محكومين والتجاوب الذى يجب ان يسود بينهم وتفهمهم للمشاكل التي تعترضهم وتعاونهم جميعا على حلها باعتبار الامة أمة واحدة افرادها متضامنون فى وطن واحد يسعون مع بعضهم بعض الى مصلحة وخير الجميع .

