الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

المفتعل بين الدين والتاريخ

Share

لقد أثبتت فلسفة التاريخ التى تبحث عادة فى الوقائع التاريخية وعلم الحادثات من خلال النظر البعيد وسير تحركات الامم وطبائع الدول وسجاياها .. والتى تسعى على قمة من الخلاف والتباعد الى تحديد سلم التطورات التدريجية وابراز القوانين العامة التى تتطور بموجبها الامم والدول بتأثير جملة من العوامل الحياتية والانسانية وغيرها .. ان التاريخ يقع فى علاقة قوية مع الدين وأن ما بينهما تكامل لا يتجزأ .. باعتبار ان الدين هو أبرز مقومات الحياة البشرية .. واذا كانت قوى الانتاج لم يقدر لها العيش الا بين مجتمعات قليلة كالمجتمعات الغربية فان الدين قد عم البشر جميعهم ولم يعثر الى حد الآن عن قبيلة أو قوم مهما تغلغل عنصرهم فى القدم ومهما نأت بهم المسافة لا يعرفون الدين أو ليس لهم شكلا من الاشكال الدينية وطقس من طقوس العبادة استنادا الى الاعتقاد الفطرى فى القوة الخارقة للطبيعة والتى يسير الكون وفق سننها ومشيئتها مهما تكن معتقداتهم بدائية بسيطة فانه قد توفر فيها الاستعداد الفطرى ما لم يوفره الماديون للاعتقاد فى المادية التاريخة وفى الاقتصاد أقوى عوامل الحياة وأهمها فى التأثير فى سير الوقائع التاريخية وأقدرها على فرض قانونه العام فى حركة التاريخ ..

لكن المسألة .. هل أن تاريخ الرسالات السماوية هو تاريخ البشرية وأن الدين وحده الذى ينضوى الى سلطانه سر التطور وتكمن وراءه حقيقة التاريخ ؟

هل أن قانون التطور تجربة دينية وصبغة طبيعية ؟ أم أنه تفاعل مكتسب من قساوة الطبيعة وطبيعة الفكر ؟

لا بد بين الحقيقة والواقع من وشائج قربى .. ولا بد بين الدين والتاريخ من تكامل .. ولا شك ان الحقيقة لا تقبل التجزئة اذا كان هيكل الحياة يسير

وفق قوانين معينة بعيدة عن ادراك البشر .. وان الكون كل ما يحيط بناظريا وما استقصى مداه ... ما نعرفه وما لا نعرفه .. لا ريب فى صلة بين المنظور وغير المنظور منه .. والدين يقع حتما فى هذه العلاقة حتى يحول دون تردى البشرية فيما آلت اليه من سوء .. وليس أدل على ذلك من هذه الاضداد المتباينة والصراع الذى لا نهاية لشجونه .. لكن المادية وحدها لا تعنى الا ما ندرك ولا مكان للمطلق بين بنودها .. وان نحن حددنا للمطلق مفهوما فانه لم يعد مطلقا وسينضوى الماورائى فى عالم المادية ويصبح الفكر البشرى أسير المادية تحجب عنه ضياء الدين وتعوده على أن يدرك الا ما أدرك وأنه فى غير هذه الطريق سينطلق من اللاشىء وسرعان ما يعود ولا شئ معه .. وبذلك تقوم الفكرة الاساسية المجردة مقام المنطلق الاساسى الذى أرسى قواعده العامة على الحقيقة الازلية والأفق الواسع لتحرك الفكر البشرى وتحرره من رواسب المادية ومن المركبات ..

ان مفهوم التاريخ يقع حتما فى علاقة واضحة مع الماورائية الميتيافيزيقية اذا انتهت الاسباب الاولية للحادثات الى سبب أخير ومادى وتحدد مفهوم الوقائع تحديدا ميتيافيزيقيا فى الفلسفات المثالية فان التاريخ لم يعد لديها موضع اهتماماتها وستضع المادية التاريخية قوى الانتاج قانونا عاما وستصرف الية اهتماماتها ويصبح التاريخ ثانويا فى مقرراتها ..

لكن الطبيعة البشرية التى تنصهر تحت لوائها الاجناس بمختلف عناصرهم ومختلف بقاعهم وأزمنتهم انما هى طبيعة ذات صبغة دينية تجمع البشر كلهم فى صعيد واحد وهذا ما تجده فى الفلسفات المثالية وفى الفلسفات الدينية والوجود الانسانى كله يخضع لقيمة محددة وينطلق من منطلق معين الى ساحة الماورائية فبين الفكر الانسانى المتحرر وغرائزه المتحجرة جدار تكانفت صخوره وتحجرت على مر الايام وبين ماديته وروحه موقف .. وانه ان اطاع العقل والروح وهما العنصران القويان فى الكيان الانسانى فانه سينطلق لا محالة .. وان أطاع مادياته فتكبله بالاغلال والاصفاد ولن يجد له نصيرا .. وانة ان غلب الجزء الاقوى سيفقد جزأه الآخر .. وان فعل عكس ذلك وجد ما يرادف سلوكه .. وهكذا تنحصر كبنونة الانسان بين موقفين لابد من التوفيق بينهما .. وفى هذا الطريق وحده يمكننا أن ندمج التاريخ المتكامل العوامل ضمن كينونة الانسان وطبيعته البشرية ..

يقول جورج ج فزدورف فى كتابه ((مدخل الى العلوم الانسانية)):

(لقد قدمت الاديان نظرة شاملة للحياة والعدم، وهكذا أصبح العقل البشرى محجوب الافق .. فانعدمت بالتالى قيمة التاريخ) ..

مع المعلوم ان الدين هو ارقى شعور النفس الانسانية وانبل ميولها فهى تنزع نحوه بفطرتها لما تجد فيه من الارتياح العقلى والاستقرار النفسى ولا يمكن لها بأية حال من الأحوال الاستغناء عن الدين .. ولكن الدين إذا لم تتجاوز وظيفته هذه الطقوس والتعاليم التى يقوم بها الانسان يوميا فى المعبد فان الدين بهذه الطريقة لا يكفل نجاح رسالته وسر بقائه وسينتهى هذا التعبد الرتيب إلى قلق وملل وتحلل لفقدان الشعور بلذة الوصال وعذوبة المناجاة وحرارة التعبد للاله الذى تطالعنا آياته باستمرار ويدعونا من خلالها للتأمل فى قدرة مبدع الاكوان ومدبر أمرها والتفكر العلمى فى خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وغير ذلك من المجالات العلمية، بل ليجعل الانسان من نفسه أول موضوع علمى ريثما يجيب عن بعض تساؤلاته وحيرته بنفسه مما بدع بساط البحث ومجال العلم مفتوحا أمام البشر لان الدعوة الى العلم من أبرز قواعد الدعوة الالهية لكشف أسرار ومجاهيل هذا الكون .. وبما ان العقل البشرى مجبول على الجدل ورفض المسلمات فان الدين - فى نظره - من أهم نشاطات الحياة البشرية وأرقى شعورها فمنطقى جدا أن تتعدد صور ومفاهيم الدين من عقل الى عقل ومن مجموعة الى مجموعة ومن جيل الى حبل لانحراف مركبة التاريخ بسبب الجدل العقلى الذى أدى بكثير من الامم والاقوام الى أشكال من الانتكاس مما قوض البناء التاريخى السليم الذى نسقت لبناته الديانات السماوية بحركاتها الاصلاحية .. ولكن باعتبار ان الدين السماوى هو الحقيقة التى ما يفتأ العقل البشرى يبحث عن طريقها، يصعب - بالنسبة للعقل البشرى الجدلى - تصديق هذه الديانات الكتابية الا اذا وفرت الادلة الكافية بحساب الميزان العلمى لان وظيفتها لا تقتصر على التعبد والنسك والتعاليم وحدها بل ان قدرة الدين ونجاحه لا تظهر الا فيما يقدمه من شروح وافية وادلة علمية كافية تجيب ابعد مدى ممكن عن الحيرة الوجودية التى يتكبدها العقل البشرى .. وعلى هذا كان لا بد للدين من ((أطروحة علمية)) تفوق الفكر البشرى لاثبات الحقيقة الازلية التى يكمن وراءها سر التاريخ ونشأته وتطوراته وتتمثل هذه ((الاطروحة)) فيما يقدمه من الاعجاز الذى تكاملت فى نتائجه الحقيقة العلمية والتى لا عهد للبشر بها .. فليس أدل على صدق رسالة الاسلام وصحتها من معجزة القرآن الذى أعلن عدة حقائق منذ أربعة عشر قرنا لم يجلها العلم الحديث الا مؤخرا ولم يكتشفها القرن العشرون الا لما استمدوا من علومه وانتهلوا من مورده العذب .. وفيه من

الاسرار والمجاهل ما لم يكشف العلم غطاءها وبذلك يحفظ قدرته على الاعجاز إلى آخر الدهر .. فلو انتهت أسراره ووقع بسط كل ما فيها لضعف بذلك أعجازه وليس أدل على حقيقة دعوة الاسلام من هذا الكتاب ..

ولكن إذا أعدنا النظر فى قول فزدورف: ((لقد قدمت الاديان نظرة شاملة للحياة والعدم، وهكذا اصبح العقل البشرى محجوب الافق فانعدمت بالتالى قيمة التاريخ)) .. فاننا تجاه موقفين: موقف من الدين .. وموقف من التاريخ ..

ان موقف فزدورف من الدين موقف اعتراضى سلبى كما هو الحال بالنسبة لانصارا الماركسية وما وجد عندهم من التناقضات فى شأنه - كما سنتبينه فيما يأتى - .. لا شك أن الدين ينزع من عالم المثل التى ينبنى عليها الخيال البشرى لاعتقاده فى القوة الماورائية التى جعلت كل شئ بقدر .. ولكن للمثالية قانون يختلف من فلسفة الى أخرى وتبقى الفلسفة متداولة للمثالية فكرة مجردة وتصورا شخصيا ينزع نحو المطلق فى حين ان المطلق مطلق رغم فكر العباد .. وقد اعتبرت مثالية ((هيجل)) من أبرز ما ظهر من المثاليات فى القرون الاخيرة ويمكن ان نعتبر هيجل منعرجا فى النظر الفلسفى للتاريخ، فهو يرى ان الواقع والمعقول يتكاملان لا سبيل الى الفصل بينهما .. فالانسان يشكل بلورة للعقل عبر الاحداث، والتطور البشرى هو فى نفس الوقت تقدم تجتاز فيه الانسان مراحل جدلية توفق أبعد ما يمكن بين الثنائى الواقع المعقول - ومن المعلوم - أن المثالية لا تتماشى مع المذهب المادى للتاريخ عند ماركس فاننا نرى انه أخذ عن هيجل التحليل الجدلى للتاريخ بعد ان جرده من كل نزعة مثالية .. وفى هذا الطريق وحده أقام ماركس ما أسماه بــ ((البنية التاريخية)) .. وبما أن المثالية تجمع الانسانية كلها فى صعيد واحد ... فماركس نجده يعتقد عكس ذلك ويرى ان كل اجتماع بشرى بنية تحلل تحليلا علميا .. وتتكون هذه البنية من قاعدتين: قاعدة سفلى وهى العروة الوثقى والحبل المتين فى المادية التاريخية وتشمل أدوات الانتاج وعلاقات الانتاج  قاعدة عليا تتولد عن القاعدة السفلى وتحتوى على عدة مظاهر انسانية منها: الدين والفلسفة والنظام السياسى والفن والادب .. وبذلك نجد أن فزدورف يتفق مبدئيا مع ماركس فى اخراج الدين عن اطاره الطبيعى فى ساحة التاريخ واعطائه صبغا ثانوية تخضع مباشرة لعلاقات الانتاج والقوى المنتجة .. لان محرك التاريخ يكمن فى المفارقات الموضوعية المتركزة فى علاقات الانتاج .. فهناك من جهة محرك موضوعى للتاريخ ويزيد هذا المحرك فاعلية الوعى البشرى

لهذه المفارقات .. والبنيات المتعددة التى تكون مجموعات بشرية متعددة هى التى تغير تاريخها ولكن بصفة علمية انطلاقا من المفارقات الموضوعية المتقدمة وهكذا يرى ماركس أن كل بنية اجتماعية تحمل فى ذاتها القوى التى تقضى عليها بمختلف اشكال الانتاج .. ولكن فى هذا التقسيم البنيوى خطورة تفطن اليها بعض الفلاسفة كفلدمان وهنرى لوفيفر ولو كاتش وغيرهم من الذين لم يعترضوا على البنية التاريخية ولكنهم أضافوا وجود ((بعد تجاوزى)) للانسان يتحرر فيه من قيود هذه البنى ليست بالتالى التطورات الطارئة على المجتمع .. وقد أكد لوفيفر فى كتابه ((الايديلوجية البنيوية)) على خطورة الفكرة البنيويه لان الانسان يصبح مجرد عنصر فى البنية .. وأن هذا التجميد للانسان يفتح المجال لكل الحركات التى تعامل الانسان كأداة لا عنصر تغيير .. وهكذا نلمس فى قولة فزدورف السابقة انه يلح أيضا على وجود بعد تجاوزى للانسان فى بنيته التاريخية بعيدا عن الافتراضات الدينية الثانوية عله يحقق أمله المنشود ((التحكم فى ذاته)) وبذلك يصنع تاريخه بنفسه ويفهم الحياة والعدم بمفهومه الخاص من خلال تأثيراته العلمية على مستوى التاريخ ..

لقد رأى هيجل فى نظام نابليون مثلا مرحلة هامة من التقدم فى أفق المعقول .. باعتبار أن هيجل يرى ان الانسان يشكل بلورة للعقل عبر الاحداث التطور البشرى فى الآن الواحد تقدم يجتاز فيه الانسان عدة مراحل جدلية تنظم أبعد ما يمكن علاقة الواقع بالمعقول لالتقائهما فى صعيد واحد .. ويتمثل نظام نابليون فى الاصلاحات التى أدخلها على اوروبا فى أول القرن التاسع عشر وأبرز اصلاحاته مصالحة الكنيسة الكاثوليكية بعد أن ساءت العلاقات من الكنيسة والحكومة فى عهد الثورة وأبعد رجال الدين ووقعت مناهضة للمسيحية الا ان نابليون ادرك انه لا يمكن اخضاع الكنيسة لا بالسيف ولا بالفكر ولا بالمنطق بل يجب التعايش معها بسلام .. الا ان موقفه الديني لم يكن واضحا فقد قال: ((كنت مسلما بين الاتراك وسأصبح الآن كاثوليكيا)) .. بالرغم من اخضاعه المسيحية لظروفه السياسية فقد أثارت مصالحته غضب وسخرية أوساط الملحدين من رؤساء الجيش ورجال الفكر والسياسة واعتبروا ذلك تنازلا عن قيم ومكاسب حضارية ورجوعا الى القرون الوسطى المظلمة اذ سيتمكن رجال الدين من السيطرة مرة أخرى على العقل الانسانى .. ولكن نابليون أدرك أن الشعب الفرنسى لم تؤثر فيه المذاهب الجديدة ولم يحد عن كاثوليكيته .. فأقام نظاما كنسيا غير الذى كان وأخضع كبار رجال الدين لسلطة الحكومة ودقت الاجراس من جديد تدعو المؤمنين للصلاة .. وهكذا نرى أن الدين فى نظر نابليون مجرد فكرة فى النظام السياسي وليس مبدأ

فى الشعور الانسانى النبيل .. فهو يهادن الواقع الكاثوليكى للتحصل على سند فى الاقطار الاوروبية الكاثوليكية فى مخططه التوسعى بعد صلح ((أميان)) .. وذلك ما يشكل ((البعد التجاوزى)) فى الايديلوجية البنيوية الذى ينزع نحو الامل الوحيد ((التحكم فى الذات)) بتوحيد الواقع والمعقول ولو أدى ذلك الى تجريد القيم العليا من معنوياتها بما فى ذلك الدين والاخلاق فى نظام المجتمع المادى لاقامة بنية تاريخية جديدة .. وعلى هذا الاساس يمكن اعتبار نابليون بونابرت من رجال الفكر والسياسة تبعا للحركة الفكرية فى القرن الثامن عشر وقد تتابعت سلسلة الثورة الفكرية وفى هذه الفترة ولد كارل هنرغ ماركس (1818-1883) وولد ارنيست هيجل (1834-1919) وولدت حركة علمية جديدة تألفت من عدد كبير من العلماء تعاونوا على بناء صرح المادية بمختلف مقوماتها ولم يكن للدين من حظ فيها سوى العداء الناتجا غالبا عن فترات الاضطهاد الكنسى فى عهود الاقطاع والرأسمالية والنظم البورجوازية .. والواضح أمامنا أن ترافق الجهود المادية وتضافرها كان على حساب الدين وحده ..

ولنعد الآن ونسأل: ما الدين ؟ لماذا يأخذ تفكير الناس ؟ وما هى علاقته بالتاريخ ؟

لماذا يقول ماركس: ((بالنسبة للدين فان السؤال هو : لماذا يبدو تاريخ الشرق العربى وكأنه تاريخ الدين ؟)) !! .

لا شك أن أهم مراحل التاريخ البشرى تاريخ الاديان التى سجلت اعظم فترات التحولات الاجتماعية التى طرأت على العالم كله .. وأن الدين أهم ضرورات الانسانية والمؤسسة الاجتماعية التى انطلقت أساسا من الفطرة البشرية المنغرسة فيها غريزة التدين والتعبد الى حد لا يمكن معه الاستغناء عن الدين .. فبلوتارك المؤرخ الرومانى يقول:

((من الممكن أن تجد مدنا بلا أسوار وبلا ملوك وبلا ثروة وبلا آداب وبلا مسارح. ولكن لم ير انسان قط مدينة بلا دين أو لا تمارس العبادة .. فالدين طابع الانسان)) ..

ولو أننا تتبعنا مختلف الآراء والاحكام والاقوال لدى المؤرخين والعلماء والفلاسفة لوحدنا أغلبهم متفقا على ضرورة الدين فى الحياة الانسانية وقوته لا تضاهيها قوة فى الايديولوجيات الحديثة .

لكن الدين على مستوى المادية التاريخية هو بناء فوقى فى الصرح الماركسى قاعدته وأصله الاقتصاد وقوى الانتاج وهو يتفرع عنها كما يتفرع أى ميدان آخر من الميادين الحياتية كالفنون والمعرفة والاجتماع والسياسة .. وقد كانت ولادة الدين - فى نظر الماركسية نتيجة شعور الانسان البدائى القديم بالضعف ازاء القوى الطبيعية القاسية حتى يمكنه كشف بعض اسرار ومجاهيل هذا الكون وضبط بعض القوانين التى يجهلها .. وانطلقت الماركسية من هذا المفهوم لايجاد العلاقة التى لابد من وجودها لتفسير التاريخ تفسيرا ماديا تحت ضوء الاقتصاد .. وهى علاقة الانسان القديم بقوى الانتاج والعلاقات الانتاجية ونفى مقومات الدين الاولى لاثبات حقيقتها الاولى المادية التاريخية وهذه المقومات هى: النبوة، الوحى والاختلاق - وهو أن تصبغ على الفكرة الدينية صبغة مادية تؤهلها لبقاء - وقد كانت سيطرة الحكومة على الوضع الكنيسى الدينى غنما حضاريا فى نظر رواد الحركة الفكرية فى عهد الثورة .. وعلى هذا الاساس لم يكتف ماركس بالنظرية السابقة بل اختلق الادلة لاثبات مذهبه المادى للتاريخ وسنتبين فيما بعد انه لا يبالى فى انتهاج أى طريق لربط الوقائع والحادثات بأسبابها التاريخية الاقتصادية .. والايمان بالحقيقة الموضوعية لاحداث التاريخ والاعتقاد بأنها تسير وفقا لمبدإ العلية .. وحدد الخطوط العامة التى سار فيها الاقتصاد تاريخيا فحاول على اثر ذلك تحديد الخط الذى يجب أن تسير عليه فى هذه المرحلة بالذات طبقا لمقتضيات ظروفه المادية .. وهكذا التجأ الى نظرية ((العامل الواحد)) وأقام عليها بنيانه المادى تحت عنوان الاقتصاد ..

اشترك في نشرتنا البريدية