الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

المفكر ، اذ يفكر

Share

قصة بقلم : سمير العيادى

- 1 -

رقى فوق الجبل وقال : سأفكر سأقضى كامل يومي هذا فى التفكير . بأشرف على الكون من فوق الجبل - هذا الجبل - سأنظر الكون وأفكر ، من رق ق ق قمة هذا الجبل . تماما . كما يفكر المفكرون . نعم . لم لا ؟ كما يفكر الناس . الناس الاذكياء . الناس الحكماء . تماما . لم لا ؟

كان يرتدى سروالا ضيقا ، طويلا ، كالقارص . اسمه عبد الصمد . كان يرتدى قميصا حريريا ، لماعا ، كالفزدق لقبه بن جلول . كان على سبيل العادة ، حافى الرجلين ، اسمر الجبهة ، ناشط العينين ، طويل الانف ، عريض الفم ، رأسه كالدلاعة ، كالبطيخة ، كالقرعة ، صلعاء . رأسه صلعاء . له من العمر ما شاء الله . ومن القامة ما جعله لا ينام الا فى سرير أخيه الرضيع .

حدثته أرواح الكائنات التى استترت تتقى حر الشمس فى يوم من الايام ، قالت : الناس لا يفكرون . أعنى انهم لا يفكرون بشعرهم . الناس . الاذكباء الحكماء يفكرون بالدماغ . بدماغهم . بمادة شخصماء فى دماغهم . يعبدونها يعصرونها ويعبدونها ذلك ما يفعلون زمن العسر والدقعاء . فما عدا ذلك لهو ورجس . هكذا الناس . لا يحيرون دماغهم الا اذا مستهم ضراء . الا اذا طاح الليل الا اذا لفهم البرد الا اذا قرصهم الجوع . الا اذا .. لم لا ؟ نعم . اما انت يا عبد الصمد ( نعم ) انى لا اناديك . اني اتعجب ما الذى دهاك ؟ ما الذى دفعك ؟ ( ما الذى دفعني ؟ ) لو بقيت جالسا على ركبة أمك في ذلك الكوخ السعيد ...... ، منازعا أخاك الرضيع فى حق ضخ ثدى أمك الوحيد . آه يا عبد الصمد . تلك حكاية أخرى .

ثم قال : لا .

ثم قال : هذا خذلان ساذج ، اعتباطى . لا يمكنه ، بل لا يمكن ، بل لا يمكننى أن أقبله ، يا سيدى الكاتب بأية حال من الاحوال الجوية والصحية والنفسية . لا تعتقد أنك صاحب الامر المطاع فى كل صغيرة وكبيرة . انت

خلقتنى شخصية قصصية لتصف بها شؤون المفكرين ببلدك ، ولكن هذا لا يمنعك من ان تعطيني حريتى ، حرية تفكيرى . انا اطالبك من الآن بحرية التفكير . وإلا فسلاما . لا يمكن بتاتا ان أفكر ، اذا تحكمت فى تحكم الريح فى الناعورة . أليس هذا ما تقوله يوميا لأهل الدنيا ؟ أنا مثلك . فلا تدفعنى الى الثورة فى وجهك . لى شىء من عزة النفس - بسكون الفاء - تمنعني من إهانتى لك ، وعن إهانتك لى .

ثم قال : لا .

ثم قال : الافضل ان اواصل صعودى .

ثم واصل صعوده . واصل تسلقه الجبل هذا الجبل - ذاك الجبل - ذلك الجبل - واصل .......... ، فعلا .

كان ذلك فى أحد أصباح الربيع .

- 2 -

انبلج الصبح ...

انفتحت الابواب بتردد وتؤدة ، وغمرت كل سقيفة شبهة ضاء وقشعريرة نسيم . ثم خرجت العنزات والنعاج العجاف ، وسارت الواحدة وراء الاخرى ، وزرعت الازقة والشوارع بخيرات امعائها ، وبلغت الساحة الفسيحة ، فتجمعت فى حلقات ذكر حيوانى اللغة والاصوات ، قبل أن يسوقها الراعى الى المراعى ...

تمايلت القلال والجرار على ظهور الصبايا . وهمهمت تحت اقدامهن رمال خجولة ، ناعمة ، سرعان ما احرنجهت بهجتها ، اذ خرجت العحائ ، قاصدة لعيون ، فى أنين العجائز ، وتأوه العجائز ، وتمتمة العجائز ، وهمهمة ورمرمة وغمغمة ٠٠٠

وخرخرت المياه فى السواقى الاكف والشفاه ، الى أعمق ما يطئ الظمأ لكن الظمأ فى ذلك اليوم ، كان مقعورا . فقضت النسوة كامل نهارهن فى الغرف والجوع ، فى انتظار حدوث كارثة لن تخبر عنها الجريدة .

وسطعت الشمس فى نواصى الواحة الشمطاء . ثم سطعت الشمس فى ثقب الجدران . ثم سطعت الشمس فى ستائر النوافذ .

ثم سطعت نفس الشمس فى الرمال . فتحركت بعض همم الرجال . مع بعض الافاعى والحشرات .

وخرج العم موسى يتجول بالقرية . فلم يجد بها رجلا واحدا ، أو حتى نصف رجل .

لم يحيره الامر فلقد اعتاده ، كما اعتاد ان يكركر حذاء السودان أو مراكش ، ذلك الذى ورثه عن أبيه . ظل يسير ساكتا ، واجما ، كعادته ، وهام بين جذوع النخل وخرخرة السواقى ، الى أن انفلقت بطون النسوة ظمأ وكفرانا . فعزم على ان يخبر السلط بما حدث ويحدث ، فى بقعة نائية عن خيوط الهاتف ، او سكك الحديد ، او حتى ...

ثم اصطدم فى طريقه بصوت المؤدب ، يرتل القرآن ، ترتيل خلط وجلط ، فقال : لا حول ولا قوة ، انما الاعمال بالنيات .

وسكت فأدرك ان ملاحظته فى غير محلها . فواصل سكوته .

وسار ، حتى ابتعد عن الصحراء ، وصوت الديك يلاحقه . فقال بكل هدوء : سأفكر .

ملاحظة : قبل ان يقول : سأفكر لف رأسه فى حرام أبيض من الصوف القشيب . ثم أعمل رأيه قدر اربعة ثوان وقال : لا بد ان احد مكانا ، خاليا ، مطمئنا ، هانئا ، عندئذ سأفكر .

- 3 -

س - ماذا تفعل يا عبد الصمد ؟ ج - أتسلق الجبل الشامخ . س - هذا جبل ليس عاليا ! ج - بلى . هو جبل شاهق بالنسبة لى . س - والسبب ؟ ج - اجابهه فلا يرضخ . س - كم يبلغ ارتفاعه عن قدميك ؟ ج - ثلاثة امتار على الاقل ، او متران وتسعون سنتمترا .

س - ما هو نوع الحشائش التى تكسو جبلك هذا ، يا عبد الصمد ؟ ج - من فضلك . لا تكون لى عقدة نفسية اخرى لكأنى بك تحملق فى جمجمتى .

س - اود فقط ان اتعرف على جبلك . بل يجب ان اتعرف عليه حتى اصفه للناس . فأنا ككاتب ، يجب على ان اذكر جميع التفاصيل وكل الجزئيات ، والا ما فهم الناس شيئا . ج - قل لهم : ان التفاصيل والجزئيات يعرفها المرء حق المعرفة .. وما جهل بعضها الا كمال للذات .

س - كيف ذلك ؟ ج - الجهل مناعة .. كلنا كل الناس يعيشون فى بلد متخلف . لم لا ؟ عالم كهذا الجبل مستدير املس . ما يهمنى انا ؟ لست ادرى . يهمنى ربما ان استخرج من هذا الجبل ما يطعم اهل وأهلك . الجائعين . البائسين .

س - هلا تزال كلمة " بائس " تؤدى معنى " بائس " و " بؤس " و ... ج - لست أدرى . لم لا ؟

س - هل تحمل الكلمة معني في بلد متخلف ؟ ج - البلد المتخلف كله معان وكلام ... انما لا ينطبق لفظ على مدلول ٠٠٠

س - ماذا ستستخرج من هذا الجبل ؟ ج - فكرة ما .

( ثم سكت ، ومد يديه متحسسا ، مستكشفا ، عل اصبعا من اصابعه العشر الرقيقة تعثر فى حفرة او ثقب او ثلمة . ولكن الجبل كان اصلع املس ، مصقولا ، مكورا . فتدحرج جسمه حتى الارض ثم نهض ماسكا وركه الايمن ، طالبا من ربه بعض الشعرات حتى ينتفها ويشوشطها ) .

مكان : صخرة ملساء .

زمان : شمس ساخرة بين الافق ووسط السماء .

تسمع دقة أولى ، ثم دقة ثانية ، ثم دقة ثالثة ، ثم دقة رابعة ، فخامسة ، فسادسة ، فسابعة ، وثامنة ، وتاسعة ، وعاشرة . . وهكذا دواليك ... وهلم جرا . . الخ . . الخ . . .

- 4 -

زعموا يا مولاى وما اكثر الزعم والقيل والقال والكذب والسفه والدجل والغش والخديعة فى أيامنا هذه التى طغى فيها الخيال نجانا الله واياكم من صدق نواياه زعموا يا مولاى ويا ليتهم ما زعموا ولا كانوا حتى ضجروا ولا ضجروا حتى فكروا فى الزعم ولا فكروا حتى تخيلوا ولا تخيلوا حتى شعروا ولا شعروا حتى عبروا ولا عبروا حتى قالوا ولا قالوا حتى أسمعوا ولا أسمعوا حتى حيروا ولا حيروا حتى أثروا ولا أثروا حتى قلبوا نظام الحياة المشوش ، فأصبحت الحكايات كلها من باب الزعم والزعامة ، ولعنة الله عليهم ، ( زعم ) يعجبك هذا يا مولاى ؟

( يتململ قرنيار فى حضن قرنزاد ، وقد قضم بين أسنانه العاجية ، حلمة نهدها العارئ شاخرا كعادته ، غير عابئ الا بما لا يسمع . ثم يقول لها بلهجة الضرغام :

- " لاخ يعجبني خ ح قصى خ ح على خ ماح خ زعموا اخ ح و خ سأرى خ ح خ ح " .

فيضحك الديك ضحكة ، يجب ألا تسمع ، كما يجب الا يراها احد ، وتستمر قرنزاد فى اللغو ، وهي عارية الجسد ، الا من بعض شعرات نبت فى يؤرات عفنة ) .

ولكنى يا مولاى - مشمئزة من أعمالهم الدنيئة هذه ، إنهم كذابون ، سفهاء دجالون هم كما يقول الشاعر الصالح مزيفون زائغون . لا يخدمون القضية الوطنية ولا يعرفون اصولهم . ألم يكن جديرا بهم ، وهم فتيان اليوم والغد ، ان يتركوا حلقات الزعم هذه ، ويتحدوا على عمل يبنون به مجد هذه الامة التى دعا عليها ربى ؟ لعنه عليهم من الله عز وجل سبحان ربك رب العزة عما يصفون والحمد لله رب العالمين .

( تتمدد قرنزاد لتنام . فيخزها قرنيار يشوكة اشتراها خصيصا لمثل هذه المناسبات المتكررة ، من بائع اللعب الاسود ، الذى امر بقتله ، عندما ضبطه فى فراشه مع زوجته السابقة ، يعرض عليها بعض النماذج من الدمى المتحركة ، ويزعم انها تتحرك اوتوماتيكيا ) .

آي . ووه . أف . أحيت . اخيت عليك . آه عفوا يا مولاى معذرة وسماحا وصفحا وانشراحا . ( تحاول زعمة زعمة الابتسام ( . لقد زعموا - يا مولاى وكنت دائما أقول زعموا يا يا مولاى فاصبحت زعموا يا يا مولاى من العادات السيئة

لدى اذ قد شرب عليها الدهر ولم يمسح شفتيه . نعم أنا الليلة أريد أن اجدد . لاني فكرت . اريد ان اغير واطور فأقول ا .. يا مولاى .. زعموا انه كان . . ولكن قل لى بالاه أمك وأبيك ، لماذا تخزنى دائما بهذه الشوكة ؟ ألا يمكنك ان تتطور وتتعصر فتجد غيرها ؟ انظر حواليك ، لم يعد السلاطين والملوك أية شوكة فمالك تريد الاحتفاظ بشوكتك ؟ سينتزعها منك أحد ، فى يوم من الايام ، فى ليلة من الليالي ، فى ساعة من الساعات . ثم ... ألم تنبه عليك أمى وقالت لك : لا تمسها بسوء والا ... ( يخزها ) زعموا انه كان فى بلاد هبهببان بن بعبان رجل يدعى - لنقل عثمان - وزعموا ان عثمان هذا - اذا صدقنى ربى - كان له عينان وأذنان وحاجبان وخدان وشفتان وصدغان وأسنان - لا . هذا جمع أسنان جمع سن - لم يكن له اذن أسنان ، بل كان يدان وساقان ورجلان ... اعتركهم هكذا يزعمون ما لا يطبقه عقل ؟ الا تحاربهم بشوكتك ؟ يا لك من ضعيف جبان . لو كانت أمى لا تزال حية ترزق ( يخزها ) وكان له ايضا فم وبطن وقلب وابهام ، وكان يفطر فى شعبان ويصوم فى رمضان ، أما بقية السنة فانه لا يفكر فى الطعام ابدا ، الا اذا جاع فى الصباح والزوال والمساء ، مع ( تحريشة ) فى الضحى ، وأخرى فى العشية . كما زعموا انه كان .؟. اوه يالك من ضعيف جبان . عدت لعادتك الا تريد ان نسمع بقية الزعم ؟ عدت لشخيرك العميق يا ضحكة المكان والزمـــــ ..... ( تتثاءب ) ـــــــــا ا ا ا ا ن .

( يظهر من النافذة التى لم نشر اليها سابقا ، منقار ديك ، ثم ديك كامل ، وقد تطاير من عينيه شرر وهو يصيح :

ما هذا الخور ؟ البلد يموت جوعا ، والملك يشخر . لا حول ولا قوة . لقد فسد اجتماع قرنيار بقرنزاد ، وقد مر عليهما الآن ألف شهر وشهر . وهما لا يعرفان كيف يتخلصان من قصة عثمان الذى كان له عينان واذنان وصدغان ورجلان وشفتان ويدان ياللان ياللان .

يسمع ضجيج فيلتفت الديك الى الوراء ويحملق في نقطة سوداء ، ثم يصيح :

" بالشوية يا اولادى يهديكم . فى العقل . توا عندكم قداش وانتومة قاعدين تحت ها الشباك ، الوزن مطنشة ، واليد على القلب ، على حكايات قرنزاد متاع وذنى اللى لا ليها راس ولا ساس . اسكت خليني نتكلم . قلت تووا عند ثم سنين غارقين فى تبارك الله عليكم عيني ما تضركم ، وانتوما غارقين فى الشيخات والخلاعات من الهند للسند لما نعرفش وبن وكانكم خلقكم ربى

زايدين على الناس لخرين بوقية . خمسة وخميس . لا تفكروا باش تاكلوا لا تخمموا باش تشربوا كان شوية بوخة ساعة ساعة وكعبة زيتون خضرا نحوها من تحت سرير الملك . وانا ما نحبش نقود بيكم والا نفضحكم . ول بوا يفهموا ارواحهم لكن شى ، النسمة . حتى لبن والحمد لله ، حبدت  بيكم شهرزاد والا قرنزاد الحبل ، وقالت لكم : فيقوا يا ناس بزيوا من الدوخة . الخراف هدا ما يطير جوع ، وحكاية ( زعموا ) خليوها للتقازة ، وحلوا عينكم شوقوا آش داير بيكم . خليني نكمل كلامى . نكلم فيك . توا عاد ما عليكم كان تلفوا ارواحكم ، وتقشعوا من هنا ، لا نعمل لكم حابورة بلاش بندير . وادا فانحم رجال وكلوا على الله وعندكم تبارك الله هنشير الملك بكله ، تنجمو تخدموه ، وتعيشو من غلتو وخضرتو ، وريحة صنانكم مطبقة الدنيا ومدهون بيها التراب . واللى ما يحبش ، انا وراه وربى يراه بالحرام لا اني مسيكم الا ما تعرفوا الفرق بين الف شهر وشهر ، وبين يوم واحد ، تعرقوا فيه حتى تجوعوا .

ملاحظه : يوجد منظر ثان ، تتمة لهذا المنظر الاول ، ولكن الرقابة لم تفهم الامر جيدا ، وتعجبت من امر ديك يهتم بمشكل كهذا ، ويسرق شوكة الملك ليذهب باحثا عن مؤلف ( ألف شهر وشهر ) مضمرا حقدا ورغبة فى الانتقام . فلا يمكن اذن ومع كل اسف الا مشاهدة المنظر الثالث :

الديك يحاول تسلق الجبل ، ليفكر فى كيفية العمل وهو يشاهد ، فى الافق ، العم موسى وقد ضاع فى مفترق طرق .

- 5 -

نظر الى مليا . اخذ من طبقه وريقة دسها تحت صحن الفنجان . ثم اختفى بين الاعمدة والموائد ومختلف الحرفاء .

بردت القهوة ولم اذقها . يداى متشبثان بالورقة والقلم وعيني تروح وتجىء ، من هنا الى ما بعد هناك ، مع المتسكعين .

كان يبدولى دوما ان فى اعين الناس خاطرت ما . كان يبدوا لى انى اقرأ تلك الخاطرة .

كان يبدو لى ان معناها شئ من باب التفكير والعزيمة . كان يبدو لى فعلا ان اولئك الناس يعملون ، او يحملون بالعمل . كان يبدو لى .

كان عبد الصمد جالسا ، طول الوقت ، جالسا ، جانب العمود الثانى الايمن ، يحتسي قهوة سوداء من الصبح الى الثلث الثانى من الليل . كان بحدثك عن كل شئ . عن كل ما يقع فى بلاد العالم . كان يعلق على الاحداث باشارات يدين ، وقفزات رجلين ، وصيحات أسنان .

كان عبد الصمد واحدا واثنين وثلاثة واربعة وخمسة وستة وسبعة وثمانية وتسعة وعشرة وكان عبد الصمد هنا وهناك وهنالك .

كان عبد الصمد .. .

شربت قهوتى وقلت : ذاك بطل قصتى سألته فأجاب : حسنا . احب البطولات .

- 6 -

تقرير طبى ( فى كلمتين ) :

وبينما كان يتسلق الصخرة الملساء ، بلغت الشمس وسط السماء ، وارسلت اشعتها عمودية على سطح صلعته ، فزاد ذلك فى حماسه وغيضه وسبب له ما سبب من ولا شك أن حرارة الطقس فى البلدان المتخلفة كالهند أو السند ينجم عنها بكل تأكيد ولا ريب نزيف فى الكبد ونزيف فى القلب ونزيف فى الدماغ مما جعل ولذلك فان التفكير خطير والتفكير فى مشكل كذلك كان حتما ولا بد ان يقع مع حوار فى صلب الموضوع بعيدا عن المهاترات العاطفية خاصة وأن حتى أن الصخرة احمرت والتهبت وهذا ما يحدث فى غالب الاحيان وأكثر الاوقات اذا ما صاح الديك مؤخرا بحيث مع العلم أن هذه الصخرة التى شبهها أحد العلماء بوجه القمر لا حشيش فوقها ولا حشيش تحتها ولا حشيش وراءها ولا حشيش امامها ولا حشيش قدامها ولا حشيش في دماغها اذ أن وقد أظهر الفحص بالمجهر أنها صخرة عظيمة هائلة تحوى فى داخلها مادة الصخر التى ولم نتبين غير ذلك لأنه فى تلك اللحظة بالذات ، مرت مظاهرة أمام المستشفى تطالب قرنزاد بالتخلى عن منصبها كمخرفة السلطان لانها ونادى المتظاهرون بحياة عيسى بن هشام ، وهم فارون من ديك عظيم يلاحقهم بشوكة سوداء ، لاجؤون الى احدى الثكنات العسكرية متسلحون بما هذا وإن الرجل المسكين عندما صعد صخرته شاهد السطوح تتطاير والغبار بثور من أفواه المفجوعين والابواب والنوافذ ترقص بدون نغم وتضحك من غباوة أيامها الماضية ورأى ألفا من الفرسان السود يقتلون الأزقة والأنهج وعلى رأسهم راية حمراء ملطخة بالدماء المكبوتة وسمع صيحات وصيحات حتى هاله الامر وقال :

- كيف يمكن ، لى انا ، ان احل هذا المشكل ؟ !

ويظهر انه خاف فاراد النزول بسرعة وفي لكنه تدحرج ومات وهو ضحية من ضحايا الزعم ، لانه لا يزال حيا يرزق أو لا يرزق هذا من علم ربي اذ كيف

ولقد وصلنا الآن خبر يقول ان المتظاهرين طلبوا من الديك وقف القتال ورفعوا راية بيضاء كتبوا عليها :

ليسكت الشعراء اولا .

ووعدوا بالانشغال عن الخرافات اذا لم يعد الشعراء يزيفون لهم الدنيا والآخرة بحيث فقال لهم الديك :

- اما الشعراء الدجالون فهم حقا اخوان الشياطين .

وهنا قام نزاع حول كلمة ( دجل ) ولا تزال اللجنة مجتمعة للبحث في مشكل تعريف الشاعر الدجال ، والشاعر المخلص وبذلك فان الصخرة قد تفقد معنى من معانيها اذا استتب الامر للصدق والاخلاص وتحدث كل شاعر عن الحقيقة بكلمات مليئة جريئة دون استجداء او تملق ودون القاب او عناوين والآن اطلب المعذرة لان سيارة الاسعاف قد اتت بجمع من النسوة شرين كثيرا من الماء فانفلقن .

حرر بالمستشفى بغياب الطبيب الذى يهمه الامر فى الساعة الواحدة بعد الزوال زوال البشرية

- 7 -

( فى فترة الاستراحة ، بعض أعضاء لجنة المراقبة مع بعض الجمهور بالاضافة الى غياب كل الصحافيين ) .

- انا نرى اللي هذا تخلويض . - علاش تخلويض .. ما دام ثمة شئ .. - آش ثمة ؟ ما ثمة كان القباحة وصحة الراس ...

- علاش تقول قباحة وصحة راس ؟ ما دام الامر بسيط . المشكل بكله واضح مفهوم . سردوك فد ، حب يعمل ثورة ويقلب الاوضاع . ناس كانوا عايشين تحت حيط ، يستناوا فى لقمة من عند ...

- فين ريتهم ها الناس .. يلزم ترى الشئ باش تحكم عليه .. احنا مارينا كان جماعة فروخ يهرجوا عاملين شوكة ودمى متحركة ورويق متاع هبهببال ، وزايدين من فوق هذا الكل سردوك حليلتو قايم يسب ويشتم .

- ما قالش العيب .. - ما قالش العيب ربما ، لكن اشكون قال اللى ما قالش العيب .. اشكون قال اللى كلامو مافيهوش الغاز ورموز واشارات ودغدغات ، لو أن الواحد جاء يفكر مليح ربما ..

- آش معناها يفكر مليح ؟ - معناها يؤول الكلام متاع ها المهبلة .. - وعلاش سيادة اللى يفكر مليح ما يقتنعش بالكلام الواضح ؟

- موش معقول . احنا مثلا كلجنة مراقبة مفروض علينا اننا نؤولو كل ما نسمعو ... احنا نفهمو كل شىء .. اما الجمهور البسيط ..

- علاش الجمهور البسيط ما يفهمش الكلام البسيط ؟ - انت توا باش تعلمنا . احنا نعرفو خدمتنا . . موش معقول مسرحية كيف ما هذى تتعدى حتى لوكان ما فيها شئ . . . ولو ان البنية اللى تمثل فيها تحفونة . . لكن الله غالب .

- اش دخل البنية . علاش ترفضو شئ انتم ما كمش فاهمينو . شئ جديد ربما انتم ما تعرفو هوش . لكن هذا ما يعنيش انه غير صالح . انه غير مناسب انه هبال - موش تقولوا اللى يلزم التجديد ؟

- هذا تخريب . عاد الحكاية تخريب ولات ؟ - علاش تخريب . ما دام ثمة دعوة للبناء والاصلاح وكل شعارات النهضة الجديدة ؟

- انا ماريتش ماريت كان السبان والشتم ، وزيد من فوق سردوك هو اللى عامل البطيط .

- سردوك والا حاجة اخرى . على الركح كل شئ كيف . المهم الفعل موش الفاعل . المهم الناس تفهم .

- موش بالتخلويض . انا نعمل خير من هكة . - علاش تقول تخلويض وانت ما فهمت شئ هذهكم ناس مستانسين بحكايات قرنزاد ما فيهم كان الهوايش والآفات والسحر والهموم الزرقاء .. ما يفهموا كان بكلام الهوايش . هذيكة عادتهم . وعلى كل حال هي طريقة تعبير .

- ما تحبش تفهم . - قيد ما نحبش نفهم . موش بالسيف تقبلها . خلي بالمخلى لواش ها الشقلالة . شوفوا حكاية اخرى فرهدوا بيها على الناس .

- يظهر اللى ثمة بعض خوف فى موقفكم . - يا اخي انا نخاف . نصحح لك اللى انا خايف . اللي خاف نجا .  ما نحبش ندخل ها البنق . هذى امور ما يتفاهموا فيها كان رجال السياسة الكبار .

- واحنا لا ؟ - آش لزكم ؟ اش مدخلكم ؟ - امالة اشنوة دورنا ؟

- ها الكلوف . اذا تحبو تتبلعطوا ما عليكم كان تتكلموا طول ، لواش قرنزاد وقرنيار وسردوك ...

- ثمة جوانب فنية تفرض ... - هيا يعيش ولدى ما تخلينيش نغضب عليك . راك ولد عايلة محترمة وناس بقدرهم .

انا نكلم فيك موش عايلتى . - اخرج على من هونى . - امالة مرفوض المنظر الثاني ؟ - على الاقل المنظر الثاني . البقية فيها وعليها والاحسن اخطاكم وفك عليكم .

- حتى هذا كلام . الواحد يندب وينحى جد بوه تسعة شهور باش يبنى شي يساهم بيه فى تحرك الضمير نحو اليقظة ، ويجيبوه جماعة من عام ككح ، بخافوا لا يقولولهم شنوة هذا ، يطزولو عينيه . طز .

( يرن الجرس ، معلنا ان الجلسة العادية ستدرس مشروع بعث فرق جديدة . فيلتحق المتفرجون بمقاعدهم ، ويشاهد المنظر الثالث بكل قلق وانبساط . لكن لجنة المراقبة ، عملا بتوصيات الماضي ، تضيف مشهدا رابعا ، هذا ملخصه :

توردت السماء . وحلق الخفاش عاليا . ثم حلق على رؤوس الناس ، قد اجتمعوا حول عيسى بن هشام ، وهو يحدث ويقول :

كنت ببلاد كذا ، وكان واليا عليها كذا ابن كذا ، فخرجت يوم كذا ،

وسمعت كذا ، وشاهدت كذا ، واستنشقت عبير كذا ، ومسكت كذا ، وقلت كذا ، وفعلت كذا الى آخر كذا ، حتى التقيت بأبى كذا فى مسجد كذا ، ينشد كذا :

كذا كذا كذاء       كذا كذا كذاء

كذا كذا كذاء       كذا كذا كذاء

انسج على هذا المنوال

- 8 -

عندما تمكن الرجل من ارتقاء الصخرة ، بحبلة ما ، لا يعلمها الا الله ، اخذ يفكر .

فقال :

- قضيت نصف يوم فى تسلق هذه الصخرة . فلا بد ان النزول من فوقها بتطلب ايضا نصف يوم . فاذا لم ارغب فى ان يطيح على الليل وانا بعيد عن أمي ، فلا بد من الشروع حالا في التدحرج . وليعلم الله ان قضية التفكير فى بلادى قضية عظمى .

ثم اضاف وكأنه فى حاجة الى تعلات اخرى تشجعه على الهروب العادى :

- ما الذى يعنينى ؟ هذه اشياء لا يفهمها الا اصحابها . هذه مشاكل لا نخص غير رجل السياسة ، فهو المكلف بوصفه رجل عمل بايجاد الحل القويم . الثورة فى بلادى . اصلاح الاوضاع . انا مجرد انسان بسيط . اهوى الفك والتفكير . انا احب لحظة وحبدة فى حياتى . لحظة العزم على التفكير . العزم على التفكير .

لم لا ؟ أليس فى ذلك كفاية ؟ اني اترك العمل لاصحاب الامر . اما انا . . لو انى دخلت غمار " هذا الشئ " ، ربما اصابنى مكروه . . ربما فقدت حياتى . . لو انى فقدت حياتى ما الذى يقع بعد ذلك ؟ . . هل يمكن ان اعزم على التفكير بعد الموت ؟ العقل يقتل الفكرة لذا وجب على الفكرة ان تبقى فى حدودها . كذلك قالت لى الكائنات . انا خائف . حسنا انا خائف ، انا خائف ، انا خائف ، ككل الناس في بلادى .

وتدحرج فعلا . واخذ يهرول تحت شمس الزوال ، ولحق على آخر لقمات

الكسكسى الشهى الذى طبخته له امه ، غذاء ذلك اليوم . فحمد الله على نعمته إذ انه لم يجعله يفرط فى مثل تلك الاكلة الشهية .

ووعد نفسه ان يفكر فى يوم من الايام ، عندما تكون المشاكل اقل خطورة ، وعندما يتم اصلاح الاوضاع ، وعندما ..

وشرع يطالع الجريدة .

- 9-

اعلان :

الديك يقول : لا يكفى ان يفكر القائد وحده .

يجب على الشعب باكمله ان يفكر معه .

الديك يقول : لا احب الدجل ولا الشعراء الدجالين .

الديك يقول : احب فقط من لا يكتفى بوصف الاشياء ، بل يحللها تحليلا موضوعيا دقيقا .

الديك يقول : الخائف كا الخائن ، كلاهما عدو .

- 10 -

ثم القى بالجريدة جانبا ، وتمدد متمتما :

- لماذا حكمت المحكمة على عيسى بن هشام بالاعدام رميا بالرصاص ؟

اشترك في نشرتنا البريدية