(( صحف مختارة ))
نشر المقال فى جريدة (( لسان الشعب )) يوم 2 نوفمبر 1927
(( قد رأينا الصديق سعيدا أبا بكر يهتز فى جريدتكم الغراء اهتزازا عنيفا حسبما عبر عن نفسه فى العدد قبل الماضى . وما كان ليهمنا اهتزازه ذاك إلا أننا رأيناه هناك يتهمنا جهارا بأننا أنقصناه وأسقطنا من سمعته الذائعة ومرتبته العالية بما أثبتناه فى كتابنا أعلاه . ولا غرو فقد علل هزاته تلك قائلا : (( أحد كلامى مبدلا ومحرفا تحريفا لا سبيل الى السكوت معه )) وقد سرد الأشطار الأربعة التى وجدها محرفة على زعمه وهى واقعة فى 33 ص . خاصة به ضمن الجزء الذى برز أخيرا من تأليفنا .
لو صحح الرجل ما سماه تحريفا منا ثم تهكم بنا وسكت لاغتفرنا هفوته معنا وتنقيصه منا ومن مجهودنا الأدبى مهما كانت أيادينا عليه وإعلاننا بسمعته ، لكنه تجاوز ذلك بالتهكم على مقام من المقامات الرفيعة وذاتية أحرى بنا أن نعترف لها بالفضل والمعرفة والطهر من أن نلمزها بسوء النية وتدبير
الكذب أو التغاضى نر بدا من أن نتولى على نفس الصحيفة التى نشر فيها ارجاع ذاكرته التى فقدها وإخراجه الى النور من ذلك الديجور .
لقد افتتح كلمته وكأنه يشرف علينا وعلى العالم الأدبى من سمائه المزخرفة الرائعة . فقال : (( طلب منى المؤلف . . . أن أمده بشئ من شعرى رأى من مصلحته ومصلحة قرائه أن يملأ به بعض ورقات من كتابه المذكور ، فما كان منى الا أن أحلته على ديوانى ليختار منه ٠٠٠ ولم أستحسن أن أسلم اليه شيئا بخط يدى . . . )) وليسمح لى القراء أن أهمس فى آذان جميعهم بأن صاحبنا يكذب دون أن نقصد تهمته بسوء نية الكذاب . ولو كانت المسألة من الأهمية بحيث ينفق عليها لقدمت لهم صورة شمسية من خط يده فى الكتاب الذى أرسله لنا يعرض علينا به شعره ويعلمنا بأنه أرسل طيه 13 قصيدة لم تنشر ، ثم يطلب منا أن ننتظر كتبه التالية التى يرسل فيها ما يتمكن من نسخة تباعا . بل هو يفيد القراء شيئا عن حقيقة انقلاب صديقنا الكاتب إذا أعلمناهم بأنه يعقب جميع مكاتيبه تلك باحدى هاته العبارات ( اختاروا ما يروق لكم ) أو ( الرجاء اصلاح ما ترونه واجبا ) . وقد كنا إذ ذاك مشغولين بمدافعة الحكومة التى أوقفت مجلتنا مع غيرها من الصحف الوطنية فأحلنا مجموع ما ورد علينا إذ ذاك على أحد أدبائنا النابهين لتصفيتها وقد أرجعها لنا وهى لا تزال حتى اليوم مزينة بالقلم العادل وعلى هاته المسودات الخطية كان يجب على صاحبها أن يضع التبعة لا أن ينكرها وهى حية محفوظة ليحمل علينا الأوزار ويسئ الى حضرة المتطوع بالتصحيح ...
صديقنا سعيد ليس أول من كذب علينا ، وما وضعنا أنفسنا ضمن التيار الاجتماعى والأدبى إلا ونحن على بينة من حقيقة ما نستهدف له من مثل ذلك . إنما الذى يهمنا بوجه خاص فى هاته العجالة هو إساءة الكاتب الى غيرنا بسببنا وتهجمه عليه وعلى علمه وفضله ، فقد تهكم على الأستاذ المصحح وهو الذى طالما نشطه وألح عليه أن يحضر دروسه العروضية التى يؤمها طبقة من محبى الكمال الأدبى ومعظمهم من خريجى المدارس الثانوية والكلية الزيتونية .
لو قارعة فى علمه لقلنا تلميذ يتحكك بأستاذه . ولو أنكر عليه رئاسة الأدباء لقلنا نزوة شاعر والشعراء يتبعهم الغاوون ، بل أخذ يلمزه ويحشو كلماته المبطنة بالحرير الناعم قذائف غريبة مستبشعة .
فانه لم يكد يذكر تطوعه بتصحيح الكتاب حتى قال : (( والمصحح ليس له أى شغل )) وما كاد يبين تلك الغلطات الأربع التى أراد أن يقيمها على كاهلينا حتى أصبح ندا لعلم شاعر تونس وأصبح يلتفت لمحاسبته التفاتة الند الذى نزع عن نفسه كل تأدب مع نده ، فيقارعه دون وقار ودون احتشام قائلا : (( لو قلنا خزندار لكان أرشق )) .
ولا عحب فمن هو خزنه دار ؟ أليس هو الشاعر ؟ والكاتب شاعر أيضا . وهل هو إلا صاحب الديوان ؟ والكاتب طبع لنفسه ديوانا منذ شهزين . وهل
خزنه دار هذا إلا الرجل الذى (( ليس له شغل )) اليوم ؟ وصاحبنا ليس له شغل أيضا إذن فهما متساويان تماما . إلا أننا نعلم صاحبنا أن عدم اشتغال خزنه دار اليوم هو عنوان طهره وفخره . فلقد قام بحادثة خمسة أفريل الشهيرة ؛ فلما فقد الملك الذى كان دعامته قدم الشاعر استقالته ونزل من البلاط معتزا منشدا :
وسأكتفى بوظيف شعرى عائشا ما بين أقلامى وبين محابرى
وهو لو كان طامعا فيما يطمع فيه المتعيشون لما قال فى خطته السامية التى كان يشغلها إيثارا لمبدئه :
قد كنت أحمل ذلة لا خطة حتى ترانى خاجلا من ناظرى
وهذا إنما هو سمو النفس وعظمتها . وأخبرك يا صديقى ( سعيد ) بأن هاته العاطفة الكسرة موجودة وإن لم يشعر بها كثيرون وقد قال عن مثلها أمير البيان العربى والمثل السائر أبو الطيب :
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت فى مرادها الأجسام
وفى الحقيقة ليس عديد البلاطات فى العالم موفورا وفرة مكاتب المحامين فى المملكة التونسية حتى نطلب الى الرجل أن يلتحق بواحد منها عاجلا وإلا هاجمنا أمنه وشممه الوطنى فى قصره ومصطافه بكلمة : (( ليس له شغل )) .
فهل بعد هذا يبقى فى ذهن أى كان شك فى أن مثل الأستاذ خزنه دار صاحب هاته النفس العالية لن يدبر الطرائق السفيهة لنمدحه كذبا ولن يحس بخلل أديب تونسى (( ويعتمد ابقاءه )) وهى الوجوه التى يرددها الكاتب بجسارة غريبة .
أما طلبه من حضرات القراء أن يصححوا تلك الأغلاط الأربع فى نسخهم فنعلمهم أنهم سيجدون فى آخر الجزء الذى سيصلهم قريبا وهو خاتمة المجلد لأول جدولا تحرينا فيه الأغلاط التى وقعت بسبب رحلتنا مع حضرة الأستاذ خزنه دار لدراسة الأدب التونسى فى أطراف البلاد والتعرف بالأدباء . نقول هذا توضيحا للحقيقة وبودنا أن نحتفظ بعواطف الصديق ( سعيد ) وكل أديب يعرف قيمة الأدب والصدق .
