نشر فى (( لسان الشعب )) يوم 18 افريل 1928
(( لقد أحدث الفصل السابق المنشور بالعدد الماضى تحت هذا العنوان ضجة بين الادباء لم أكن أتردد فى حدوثها . فالأدباء كلهم ناقمون على زين العابدين الذى لا يزال يعبث بالأدب التونسى ويسخره لمصلحته المالية فى الصفحة الأدبية التى جعلها إعلانا بدون ثمن لكتابه الذى جمع فيه كلام الشعراء والذى ليس له فيه إلا تلك التراجم التى سود بها وجوه الأدباء التونسيين بدعوى أنها الصراحة وعدم كتمان الحقائق . وأعظم دليل على ارتياح الناس الى هذه الفصول هى المكاتيب الواردة على إرادة الجريدة من باعة بعض بلدان المملكة وغالب بلدان جارتنا العزيزة الجزائر فى طلب توجيه كميات أخرى دون التى وصلتهم الأمر الذى عولت الادارة بسببه على طبع ألف نسخة زائدة على الحساب ما دام هذا الموضوع على بساط النشر وما دام زين العابدين السنوسى يكتب أنه ذهب الى الأستاذ الفلانى وتحادث معه فى قصره ويكتب أن الأستاذ الفلانى زاره فى مطبعته فى حين أن هذا الأستاذ بكاد لا يفارق المطبعة ويشاع أنه ينام فيها فى بعض الأحيان .
سألنى فى هذا الأسبوع كثير من الأصدقاء عن السبب الذى دعانى لأن اكتب هذه السلسلة من المقالات - أو من الصواعق كما عبر عنها أحدهم - التى توهموا أنها ستكون حجر عثرة فى سبيل ذلك الرجل المسكين وستعوقه عن إتمام طبع بقية الأجزاء بسبب الاخفاق الذى صار يجده بين الناس فى كثير من البقاع التى وصلها فى رحلته الأدبية كما يقول ويصيح . وقد كنت أفهم من كلامهم أنهم ينكرون على عملى ويودون أننى لا أعود الى الموضوع . غير أنهم لا يكادون يقفون على الحقيقة حتى ينقلبوا من أشد الناس غيرة على الأدب ومن أحرصهم على مناقشة الأستاذ زين العابدين الحساب .
أما أولئك الأدباء الذين راسلونى من قسنطينة وبسكرة وعنابة وسوق أهراس وقالمة وسطيف والجزائر وغيرها والذين تدور مكاتبتهم حول تعجبهم فانى لا أجيبهم إلا بكونى أطلب من الله أن يقوم الذين تعجبوا من أعماله برحلة أدبية أيضا فى جهاتهم (1) ليطلعوا على صحة قولى بأنفسهم وليسمعوا بآذانهم تلك الجمل التى ملها الناس بالساحل والجنوب التونسى والتى يمكننا أن نسبقها لهم من الآن ومنها : ما ألطفكم ! وما أطيب بلادكم ! وأنتم فخر هذه الأمة ! وبمثلكم لا تفشل المشاريع ! وأنا مسحور بأدبكم ! وبارك الله فيكم ! وكثر الله خيركم ! وبودنا أن يكون فى الأمة الاسلامية من يعرف - مثلكم - أن مشروعنا الأدبى فى احتياج الى المال .
هذه هى الخدمة الأدبية التى يقول زين العابدين إنه قائم بها . وهو مع ذلك لا يذكر من الشعراء إلا أصحاب القصور الذين لا يترك أدنى فرصة تمكنه من الترامى عليهم والتحادث معهم فى قصورهم أو أصحاب الموائد الكبيرة الذين أشبعوه فى رحلتيه بما يلزم لاحضاره أكثر من ورقة بنك ذات ويل للمطففين . أما أولئك الذين لا يملكون القصور ولا الموائد ولا يسكتون إذا وقع التعدى عليهم أو على بنات أفكارهم التى طلبها منهم بالحاح ليزين بها صدر كتابه وليببيعها الى الناس بدون رأس مال فانهم ليسوا بشعراء عنده وهم أحقر من أن يجرى قلمه السيال بذكر أسمائهم . وإذا لزم ذكرهم ولا بد فانما يذكرها فى سبيل التنقيص ليس إلا ! واذ ان هذا كله يجب ان يرفع عنه النقاب ليطلع عليه قراء العربية بجميع أنحاء العالم فقد اخترنا هذه الجريدة التى لها شهرة بجميع الأقطار الشرقية ورواج عظيم فى الجزائر لنكتب فيها ما قد عزمنا على كتابته والى الملتقى .
