الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

المقامة التونسية، بين التقليد والتطور، المرحلى نحو القصة

Share

ميلاد فن المقامة ومساره فى البلاد العربية مشرقا ومغربا

بعد ان تأكد اتصال الغرب بالبلاد العربية واحتكاكه بها لعوامل وأسباب   مختلفة ، نجمت عن ذلك وبصورة لم تكن فى تخطيط الغربيين بالتأكيد ، محاولات للتعرف على الحضارة العربية ثم الاستفادة منها ، وكان من اوائل ذلك التقليد أو محاولة التمثل والهضم أن بدأت عمليات لاقحام البلاد العربية في عصر المطبعة . وكانت عملية ناجحة لم تلبث أن آتت أكلها ، وقامت في كل من تونس وبقية البلاد العربية حركات لاحياء التراث العربى والاسلامى ، مدارسة وتحقيقا ونشرا ، وكان من أهم المطابع التى قامت بدور يذكر فيراقب المطبعة . الرسمية بتونس ومطبعة بولاق بمصر وبعض المطابع ببلاد الشام ولم تلبث هذه الحركة أن رافقتها حركة اخرى وهى بعث الجامعات ونشر التعليم الجامعي الحديث تقليدا لما كان يرى فى العالم الغربى وسريعا ما رأينا جهود المثقفين العرب تضم الى جهود المستشرقين فى الكشف عن تراثنا واحياء آدابنا والاستعانة على ذلك بوسائل البحث الجديدة عن طريق المستشرقين الذين أخذوا بيد الجامعات العربية عند ظهورها . اما بطريقة مباشرة كالتدريس بها ) 1 ( أو بطريقة غير مباشرة بما كتبوا ونشروا وما أن أهلت عشرينات هذا

العصر حتى بدأت تتجلى أو قل : تلوح فى الافق معالم عصور الادب العربى واستجلاء الانواع الادبية التى عايشت عصرا من عصوره ) 2 (

2 - وقد تمخضت تلك الجهود على أن فن المقامات يعد من اهم تلك الانواع الادبية وكان للباحثين فى هذا الموضوع من الاثر كل على قدر اطلاعه وما أسعف به من النصوص وكلما تقدم البحث العلمى قليلا ازدادت أبعاد هذا الفن استجلاء بالمغرب والمشرق . ولقد وجدنا الباحثين من المستشرقين والمشارقة اسبق منا  نحن المغاربة في العناية بهذا الموضوع حيث رأيناهم أثاروه على مستوى الاداء  والمضمون ولا يكادون يختلفون فيه بسبب وجود المعاجم اللغوية التى اراحتهم  من مؤونة المدارسة فى تحديد مفهوم كلمة " مقامة " و " مقامات " ) 3 ( .

ولكنهم بعد ذلك اختلفوا في عمر المقامة وفي السابق اليها من الكتاب  العرب ) 4 ( . على اننا رأيناهم بعد ذلك يتفقون على أن بديع الزمان هو الناهج لهذا الفن والمعروف به وان القرن الرابع الهجرى هو محتضن هذا الفن بمعناه

الاصطلاحى ) الاحدوثة من الكلام مقامة كأنها تذكر فى مجلس واحد يجتمع فيه  الجماعة من الناس ) 5 ( لسماعها ( باعتبارها حكاية طريفة تشد الاسماع اليها

ثم يشيرون إلى ان تلامذته التالين نسجوا على منواله ولكن انبههم وكاد يتفرد بهذا الفن دون استاذه - هو أبو محمد القاسم الحريرى حيث كتب خمسين  مقامة ) فجاءت نهاية فى الحسن وأتت على الجزء الوافر من الحظ وأقبل عليها الخاص والعام حتى أنست مقامات البديع وصيرتها كالمرفوضة ) 6 ( ولم يعف بعض  الدارسين المختصين أنفسهم فحاولوا أن يضعوا كشوفا لمسار المقامات منذ  القرن الخامس وقد تأثروا تأثرا اقليميا فى نهاية ما وضعوا من كشوف مقامات السيوطي ) * ( يصلون بها من احاديث بن دريد الى مجمع البحرين ) 7 ( . ولكن  جميعهم اقتصر على مسار المقامة المشرقية فقط . أما مسارها المغربى فقد تعثر ولم  نجد سوى اشارات خفيفة . والعذر فى ذلك لهم مقبول فالمغاربة  هم اولى من  غيرهم في احياء آدابهم وبعث تراثهم ، ثم ان الآداب المغربية ومعها الاداب  الاندلسية المحمولة عليها . لم يتم الكشف عنها بصورة علمية مركزة لا بالنسبة  لتونس ولا للجزائر ولا للمغرب . واذن فمن الضرورى باعتبارنا مغاربة ان نعنى بأصول آدابنا وان نراقب مسارها صعدا حتى العصر الحديث ، وفي ذلك اسهام  جيل لخدمة الأدب العربي العام وانهاضه مما ينتابه من غموض وتشكيك

3- كان للمقامة رحلة فى المغرب العربى ومسار ، والظاهر أنها وصلت الى القيروان في أواخر القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس لان ابا اسحاق الحصرى صاحب زهر الآداب والمختلف في تاريخ وفاته يعد فى مقدمته بأنه سوف يحلى كتابه بباقة، من بدائع البديع ) 8 ( . مما يدل على أن للمقامة طرافة  وجدة عند ادباء القيروان وقتئذ والا لما اشترط أديب القيروان أن يتخذ لكتابه منها حليا ،

وزاد فذكر أن البديع كتب اربعمائة مقامة عارض بها أحاديث بن دريد ) 9 ( . وهكذا نستطيع أن نقول : إن عصر المقامات بالمغرب العربى بدأ بتونس الصنهاجية وعلى عهد صاحب زهر الآداب بالذات ثم ان ابا عبد الله محمد بن  شرف وهو ممن أدرك - على الارجح أبا اسحاق الحصري - كان أول من تعاطي هذا الفن أو قل : من السابقين الاولين له فعارض البديع فى بابه وصب على  قالبه وفى مقامته بعض طول ولكنه غير مملول آخذة بطرف مستطرف من  اخبار الادباء وذكر الشعر والشعراء ) 10 ( .

وله مقامة أخرى فكاهية ولعلم النفس وعلمائه فيها مجال للقول وللنظر وتلك أطول من هذه ) 11 (

وقد رأينا فى بلاد الاندلس مسارا لهذا الفن أيضا وقد أثبت ابن بسام فى ذخيرته طائفة من المقامات منها مقامة لابي حفص عمر بن الشهيد ) 12 ( ومقامة أخرى لابى محمد بن مالك القرطبي وقد كان خاطب بها ابن صمادح ) 13 ( والمقامات السرقسطية لابن الاشتركوني وعددها خمسون التزم فيها ما لا يلزم  بقرطبة وعارض بها الحريري ) 14 ( وقد رأينا فى كشف المصادر لزكى مبارك  انه اعتمد على مقامات لابن خلدون . واذا لم يمكن ذلك تصحيفا مطبعيا فانا  نستفيد ان ابن خلدون كان من كتاب المقامات للعصر الحفصى ) 15 ( ومعنى هذا

ان فن البديع هذا قد طبق المشرق والمغرب العربيين ومما لاشك فيه ان لدارس الادب المقامى من الرأى ما يقول في تأثير الادب المقامي على الادب الاوربى وخاصة منه ما سموه بالاقصوصة ( * ) والظاهر أن جلاء العرب عن الاندلس قد وضع حدا لهذا التطور الادبى حيث أعقبه امتداد صليبي الى بلاد المغرب أدى الى توقف الحياة الأدبية أو قل على الاقل بتونس بالنظر الى ان المغرب الاقصى ظل بمنجاة  مما اصاب البلاد التونسية . فان الصراع الحفصى العثمانى الاسبانى أتى على كل اثر من اثار المعرفة بالديار التونسية وقد اعترف المرحوم حسن حسنى عبد الوهاب بذلك الفراغ ( .

وما ان بدأ الاستقرار السياسي يأخذ مجراه ببطء تحت الحكم العثماني حتى ظهر حكم حسين بن على مع مطلع القرن الثامن عشر ) 17 ( . وكان الرجل عارفا  بحالة الايالة ونفسية أهلها فلم يمر طويل وقت حتى التف الاهالي من حوله وكان فى الرجل نزعة استقلالية جعلته واعيا بما ينبغى أن يكون عليه في سياسة الرعية فاقتصد فى الضرائب ، ونزع نزعة تقشفية . وعرف في ميدان التعليم كيف يستغل المؤسسات التى أنجزها بعض امراء بني مراد فعمرها ونسج على منوالهم بالاكثار من فتح المدارس وترتيب المدرسين . والمقصد من وراء ذلك كله تكوين مملكة ملك فى الامد البعيد ) 18 ( . وكشأن كل مجتمع مسه طائف من  التعصير ونفحة من التجديد لا بد ان تحدث له ازمات وأن يجد فيه ما لم يكن يجد من قبل .

وهذا ما حصل بالفعل فى عهد حسين بن على وكان ذلك بسبب ولاية العهد وقد تدخلت دول مجاورة في الصراع وترجيح كفة الحزب الباشى مرة والحزب  الحسينى مرة أخرى ) 19 ( على أن هذا كله لم يمنع تونس من أن تلم شعثها أو

على  الاصح البيت الحسيني ، وبالرغم من حدة الازمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فان الحركة الادبية والفكرية لم تجمد ولم تتوقف لكثرة المدارس التابعة لجامع الزيتونة والمنتشرة فى العاصمة وبعض المدن الكبيرة كسوسة  وصفاقس ، ونظرا إلى أن بعض البايات قد حاول تقليد السلف فى انعاش تلك الحركات الادبية والعلمية وذلك بعقد المجالس لاصحابها واجراء المناظرات فى  قصورهم ، والغرض من وراء ذلك تركيز الفكرة الاستقلالية  من جهة واستغلال الادباء والعلماء في الرعاية لبيتهم الحسيني الحاكم والتمكين له من جهة اخرى وقد وجدنا أدباء تونس في القرن الثامن عشر متهالكين على خدمة  ذلك البيت باقلامهم ) 20 ( وقد وجدوا فى التراث مادة للاستفادة منه فى مهمتهم بالتقليد  والمحاكاة ولهذا ارتبطت النهضة الادبية فى تونس بالرجوع الى الماضى والعمل على هديه على نحو ما رأينا فيما بعد عند أدباء المشرق العربى ابان نهضتهم  فلقد كان الاسلوب واضحا

5 وأهم الفنون الادبية المنبعثة فى تونس لهذا العصر الفن المقامي وكتابه الناجحون فيه أبو عبد الله محمد الورغي الاديب الباشى ، وأبو الحسن على الغراب وحمودة بن عبد العزيز ) 21 ( ، ومحمد ماضور السليماني ) 22 ( واحمد هويد الذي أوحت مقامته الباهية لكتاب عصره بالنسج على منواله واسماعيل التميمى إن صح ما ينسب اليه ، ومحمد السنوسى  

ومجمل محاور مقامات هذا العصر يتصل بالحكم وسياسته ، وبالجانب الديني المتمثل في مدح الاولياء كالمقامات المنشأة فى الولى الباهى ) 23 ( والجانب الاجتماعي الوصفي المتصل بالعادات كالمقامات الختانية ) 24 ( ، والجانب

الفكاهى الهزلى كهندية الغراب وصابونيته أو عبائيته ان صح ان تسمى مقامة ( 25 ) . وجميع تلك المقامات ثرية بالخلفيات مما جعلها من حيث القيمة الوثيقية فى المرتبة الاولى لمن يريد التعرف على ذلك العصر سياسة واجتماعا واقتصادا خاصة مقامة الورغي الخمرية التى تعد أكمل واعمق مقامة لخصوبة مضامينها ووضوح الرؤية لدى كاتبها

وفى بعض مقامات هذا العصر تجاوز لفكرة الراوى والبطل المتلازمين فى بنية المقامة العتيقة ، اذ أصبحت الرسالة مقامة كعبائية الغراب ، على ان هناك من كتابها من بقى حبيس الهيكل التقليدى كخمرية ابن عبد العزيز والتشبث من حيث الاسلوب بما تشبث به السلف ) 26 ( واذا كانت هناك مقامة فى القرن  الثامن عشر حرية بالوقوف عندها والبحث فيها لا من حيث المضمون الداعى الى العجب من هذا النضج المبكر عند كاتب تونسى كالورغى ) 27 ( ولكن ايضا من حيث الشكل ولولا جملة قصيرة فى الافتتاحية لتلك المقامة لعدت أقصوصة  تونسية أولى مكتملة فى فجر الادب العربي الحديث وقد تكون مقامة محمد ماضور آخذه فى هذا النحو من الشكل بسبب من مقامة الورغي ، نظرا لاشراقة أسلوبه الاندلسي وقصر لوحته وتركيز الوصف فيها مع البعد عن الاغراب والحشو بما كان يحشو به حمودة بن عبد العزيز مقامته ) 28 ( . على أن عملية الاسجاع قد تورط فيها عامة كتاب المقامة ولم يسلم من ثقلها أحد وان خف عند الورغى وماضور وثقل عند الغراب وابن عبد العزيز  

يتبع (

اشترك في نشرتنا البريدية