يمثل شعر الشابى مرحلة ذات شان من مراحل تطور الشعر العربى فى تونس وامتدادا لشعر شعراء المهجر . وبقدر ما كان هذا الشعر صدى لطموحات ابناء الصادقية والبعض من الزيتونيين استطاع ان يكون ايضا امتدادا لما كان يدرسه ابناء التونسيين فى معهد كارنو من شعر لامارتين والفريد دى موسيه وغيرهما ، وجسرا روحيا وصل الشاعر بأرواح مثل روحه مشوقة الى قيم جديدة رانية بشوق طبيعى الى الحركة . لذا كان ديوان « اغانى الحياة » (1) نشيد صنف من الشباب المثقف التونسى الذى بدأت بصماته تلوح في ابرز مظاهر الحياة . ففي المجال الاجتماعى انبثقت الحركة العمالية على يدى محمد على الحامى (2) وظهرت الدعوة الى تحرير المراة على يدى الطاهر الحداد (3) وفى المجال السياسى ظهر جيل جديد من السياسيين يؤمن بضرورة التغيير وحتمية الحركة كان معظمه قد تثقف فى فرنسا ، وتمرس باساليب السياسة فيها . وفى المستوى الثقافى قامت الصحافة بدور جليل فى نشر الاشكال الادبية الجديدة والقيم الفكرية الحديثة التى كان يهتز لها هذا الجيل ، كالحرية والعدالة .. فاضحت الثقافة اقرب الى المجتمع وإلى الشعب .. لذا تعد
الفترة التى انشأ فيها الشابى شعره متميزة من وجهين : فهى أولا فترة تحول وتغير ، سادتها حدة صراع بين جيلين ، اى بين تصورين فكريين للمجتمع وللحياة : تصور يؤثر المحافظة على البنى التقليدية بمؤسساتها وقيمها المتداولة فهى مقدسة ، وتصور يقدم خطابا فكريا جديدا ويتعامل مع البنى التقليدية بحدة فى المستوى الثقافى والفكرى وبلين فى المستوى السياسى . وهى ثانيا فترة كان معظم اقطاب الدعوة الى التغيير فيها من « الآفاقيين » سواء كانوا من الزيتونيين او من ابناء الصادقية وفدوا على العاصمة وواصل البعض منهم تعلمه خارح البلاد التونسية . هؤلاءهم الذين سيكونون حملة الخطاب الفكرى الجديد فى مستوياته المختلفة : الاقتصادى والاجتماعى والسياسى والثقافى . ومن البديهى الا يكون الشابى بمنأى عن هذه المعطيات العامة التى يعسر ان يفحص شعره دون ان ننزله فيها اولا ، ودون ان نؤطره فى سياق ظروف الشاعر الذاتية ثانيا . على ان هذه الضرورة لا تحتم علينا مصادرة ان نتامل ديوان أغانى الحياة بوضعه فى تيار ادبى معلوم هو الرومنسية . فمثل هذا التصنيف ربما يبدو ضربا من التعسف على دلالة المصطلح ذاته ، اذ الرومنسية اتجاهات متعددة ذات مصادر اوربية مختلفة (4) ، ربما كان تعامل الادباء العرب والشابى بالخصوص معها محفوفا بظروف ذاتية وموضوعية كيفت ادراكه لها مما يؤدى حتما إلى تميزها بمياسم خاصة . ولسنا نروم فى هذا الفصل ان نعقد مقارنة بين الرمنسية باعتبارها مذهبا فكريا فى الآداب الاجنبية وفى شعر ابى القاسم وانما الاشارة فقط الى عسر اعتبار هذا المعطى من مصادرات عملنا لحضور نفس شعرى فى الديوان اقرب الى حس الشعر العربى الكلاسيكى ونغمه شكلا ومضمونا فالديوان وقد احتوى على كل ما عثر عليه من قصائد الى حد الآن يتركب من جزئين : جزء غلب عليه نفس التقليد والمعارضه ويمثل الشابى الشاعر الحدث . وهو الى شعر شعراء البعث اقرب (5) وجزء تميز بتجاوز المماثلة الى ادارك شعرى اصيل ، وخلق فنى متوازن ، وهو تارة شعر شعور
صرف وتارة اخرى شعر شعور متأمل فيه اشراقات روحية عزيزة ، وبوارق وعى حسى جليل (6) .
فلئن كان شعر المرحلة الاولى اقرب الى « كد الروية » فان شعر المرحلة الثانية اميل الى « عفو البديهة » . ولا تجعل هذه السمة من شعر ابى القاسم جزأين منفصلين لا يتصلان ففى الديوان باعتباره وحدة متكاملة ثوابت عديدة : أولها طغيان طابع الالم وثانيها حضور القضية الماورائية متمثلة فى الاشكالات المتعلقة بالوجود الانسانى : بالحياة والموت ، بالقضاء والقدر ، بالخير والشر ، بالمصير ، الخ .. وثالثها النفس الدينى السارى فى الديوان ، ويظهر فى حضور متواتر لالفاظ استلهمها الشاعر من المعجم الدينى : معبد - هيكل - وحى - نبى - رب - آلهة - انجيل .. وفى توظيف متميز للميثولوجيا .
تلوح هذه الثوابت موحدة للشعر فى الديوان ، اذ انها ترجعه الى معين واحد هو الشاعر ذاته . الا انها لا تظهر فى الديوان بميسم واحد . فان كان الالم فى شعر المرحلة الاولى تبرما ، فانه فى شعر المرحلة الثانية انتشاء بالكيان الانسانى المأساوى ، وبالقدر الانسانى . وان كان حضور القضية الماورائية فى البداية فى حدود احترام المقدس الدينى فانه اضحى فى النهاية تشككا فى المصادرات الدينية القديمة ، وبالتالى للمقدس الدينى بصفة عامة مما حدا بالشاعر الى افراغ اللفظ المستلهم من المعجم الدينى من دلالته الاصطلاحية واخصابه بمعنى يستقيه من السياق الوارد فيه مع احتفاظه بشحن النفس الدينى .
هكذا يلوح من خلال الطرح الذى اتخذنا والثوابت التى ضبطنا ان قضية المقدس اساسية فى ديوان ابى القاسم . ففيها نتبين مواقف الشاعر من النظام الكونى ومنزلة الانسان فيه ، والضوابط التى تحدد السلوك البشرى ، وتضمن سلامة الانسان ، وترسخ احساسه بالامن فى المستويين الماورائى والمادى .
يعسر ان نحدد بكل دقة ، منذ البداية ، معنى المفضل المقدس . فهو يعنى الحرام ويرمز الى الطاهر ويشير الى الرجس . وهو ايضا كل هذه المعانى
مجتمعة (7) الا انه ، منهجيا ، تنتفى فى المستوى التطبيقى امكانية الجمع بين كل هذه الدلالات ولعل لفظ المقدس على غموضه وعسر تحديده مشدود الى المعانى الدينية شدا ، فهو كل ما يرتبط بالآلهة ويتعلق بها . وهو كل ما يختص بالعالم السماوى عموما ويلوح فى السلوك البشرى فى الشعائر والطقوس التى بها يحاول الانسان ان يجد الحماية والسكينة والقوة والفعالية والحقيقة فى اجلى مظاهرها . هكذا يضحى المقدس موقفا من الوجود وتصورا له وتجربة دينية لا تستقيم الحياة البشرية بدونها .
على ان دلالة المقدس اوسع من ان تقيد فى الحدود الدينية . فلقد اتسع حقل اللفظ الدلالى نتيجة التطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية واصبح يستعمل فى سباقات جديدة . ويعنى القيم العليا التى من اجلها يهب الانسان حياته فى العصر الحديث . وبالتالى « فالمقدس هو الكائن او الشىء او المبدأ الذى يقصر عليه الانسان حياته فيعده مسلما من المسلمات لا يمكن انكاره او نفسه ولا خيانته مهما كان الثمن » (8) ، وهذا المقدس يتطلب كسابقه : « صرامة والتزاما وتفانيا وقوة عاطفة وحرارة ايمان ونفسا صوفيا ايضا » (9) . وهو بهذا نوع جديد من التجربة الدينية ومظهر آخر لتصور الوجود البشرى . بهذا التوجه يصبح كل شىء قابلا لكى يكون مقدسا . ولن يكون كذلك الا ان نظرنا اليه « فى صورته المثلى والمجردة (10) ، ووهبناه بالاضافة إلى واقعه المادى واقعا آخر غير الاول لا عقليا هو حقيقته الجوهرية . وبذلك يمكن ان تكون الطبيعة فى التجربة الدينية موحية ببعد ما ورائى فلا يرى الانسان فيها قيمة محايدة وانما يجدها موحية بما وراء وجودها المادى .
فى هذا الاطار تتنزل دراستنا للمقدس في مدونة ابى القاسم الشعرية فما هى مظاهر هذا المقدس وخصائصه ؟ وما هى امتداداته الماورائية ؟ ثم ما هى وظيفته ؟
لا يمكننا ان نحدد اوجه المقدس عند الشابى بشكل سكونى بل علينا ان نتتبعها فى تساوقها وتطور تجربة ابى القاسم البشرية والشعرية . لذا يجدر
منذ البداية ان ننبه الى ان مضمون اللفظ سيشهد تغيرا قد يبلغ حد التقابل فى النهاية خاصة واننا نلاحظ حضورا فى الديوان لبعض ملامح المقدس السائد كما تصورت للشابى نتيجة ممارسته الاجتماعية والفكرية فى مجتمعه ، من خلال قصائد متعددة نذكر على سبيل المثال منها (( الدموع )) و (( يا حماة الدين )) و (( الى الله )) و (( شكوى ضائعة )) و (( فلسفة التعبان المقدس )) . ودون ان نراعى فى هذا الحيز من الدراسة مواقف الشاعر منها والتى سنحللها فى قسم لاحق ، نرى أن المقدس السائد يستمد ملامحه بالدرجة الاولى من المؤسسة الدينية التى ترعاه متمثلة فى الامام والقس ، وهما رمز هذا المقدس .
مــلىء الدهــر بالخــداع فكـــم ضلـل الناس من امـام وقس (11)
وفى الفضاء المتميز الذى يختص به هذا المقدس وهو الزوايا
فو الحق ما هذى الزوايا واهلها سوى مصنع فيه تصاغ السخائم (12)
فكان بذلك مقدسا مقننا فى اطر معينة ذات تأثير اجتماعى وفكرى عميق ساهمت بقسط كبير فى ترسيخ تصور معين للنظام الكونى غلبت عليه سمات مخصوصة مما جعلها تعتبر كل دعوة الى التغيير خطرا عليها (13) ، وعلى ابعاد مقدسها الروحية . لان الامر يؤدى حتما الى الاخلال بمنظومتها . وقد بوأت هذه الاطر الالاه منزلة عليا تتجلى فيها العظمة المستمدة من جلال القوة ، وسلطان الابدية فهو الخالق القهار الغلاب المرعب سلاحه فى ذلك قضاء ، وقدر ، وموت ، وزمن ، حتى انه تصور للشاعر وحشا فاتكا حذرا :
هذا هو اللغز عماه وعقده على الخليقة وحش فاتك حذر (14)
وتجلي له ثعبانا كسته قوته هالة من القدسية فى قصيدة (( الثعبان المقدس )) التى كان التداخل فيها جليا بين التصور الماورائى لنظام الكون وطبيعة العلاقة بين العابد والمعبود من ناحية وطبيعة العلاقات الانسانية فى الواقع البشرى المادى من ناحية اخرى . فلاجل ذلك سجد الانسان وعبد وتذلل وتضرع خوفا وهلعا ورعبا واستسلاما فسعى الا يكون الا فى ضوء هذا السلطان ، وهذه المشيئة الالاهية لان كل تجاوز لها يعد مروقا ، واخلالا بالنظام ، وولوجا فى حيز الفوضى اى عالم الدنس .
اني الاه طالما عبد الورى ظلى وخافوا لعنتى وعقابى (15)
لذا كان دور الانسان دوما خضوعا يجد فيه منزلته فى النظام بالعبادة حتى لا تقع عليه لعنة الارباب . وكلما اثم ، وكل اثم هدم للنظام ، قدم القرابين تكفيرا .
وتقدموا لى بالضحايا منهم فرحين شان العابد الاواب (16)
ما الذي قد اتيت يا قلبى الباكى ؟! وماذا قد قلته يا شفاهى يا الاهى قد انطق الهم قلبى بالذى كان .. فاغتفريا الا هى قدم الياس والكآبة داست قلبى المتعب الغريب الواهى فتشظى وتلك بعض شظاياه فسامح قنوطه المتناهى (17)
وظاهرة الغفران تشير الى الوجه الآخر للالاه . وجه الرحمة ، وتلمح الى ديمومة الاقرار بالطاعة . وهكذا يلوح ان مصدر ايمان الانسان خوف لا محبة ، وسعى مستمر الى طاعة مؤدية إلى سعادة السكون ، ورضى بالقدر الالاهى مجسما فى حقيقة الموت الازلية ولغز الوجود كله ، وفى احداث يرى الانسان نفسه بحكم هذا التصور عاجزا عن دفعها . فباحترام الناموس الالاهى متمثلا
فى المحرمات يحافظ الانسان على النظام وديمومة الحياة . لذا قدر على الانسان ان يسكن ان اراد مصيره خيرا . فسر الحياة محافظة على النظام وسكون .
لذا كان هذا المقدس السائد بحكم هذا التصور يسلب الانسان ارادة الفعل فيه ، والاحساس بالقدرة ، والطاقة على الحركة ، ولكن يهبه فى الآن نفسه الاحساس بالامن والطمأنينة والسلامة . كما كان ايضا عاملا مهما فى بناء الواقع البشرى ( الاجتماعى ) ، اذ نتبين من خلال الديوان وخاصه من خلال قصيدة (( الثعبان المقدس )) ان هيكل الواقع المادى يماثل التصور الذى بينا لبنية النظام الكونى لذلك نرى التناظر قائما بين الاله والحاكم المستبد من ناحية والمعبود والمحكوم من ناحية اخرى ، فقام الحاكم مقام الالاه واتخد المعبود منزلة المحكوم وهكذا ارتدت العلاقة الاجتماعية مبنية على طاعه المحكوم العمياء للحاكم الذي استمد بذلك (( ألوهية )) مخصوصة فيؤتمر بأمره ويقضى بقضائه وتجب طاعته وعبادته واضحى ، بهذا الوجه ، السلوك الاجتماعى ، والفعل ، فرديا كان أم جماعيا منعدم الجدوى والفعالية ، ان خرج عن هدا الاطار خاصة .
التجارية من التصور الماورائى والواقع المادي في الحيز الذى حللنا من شعر الشاب دلالتان خطيرتان : فهو من ناحية يعبر عن ان السلوك الفردى أو الجماعي في المجتمع لم يكن بمعزل عن المعتقد الماورائى الشائع والذى يمثله من سماهم الشبابي " حماة الدين " ) 18 ( . وهو من ناحية اخرى يبين لنا ان الواقع اللوم هو ايضا بشكل أو بآخر انشاء الاهى وليس انتاجا بشريا كان الانسان مصدر ومحوره وبالتالي المسؤول عنه . فكان ان سلب الانسان فيه قدرته على الفعل الخلاق والحركة ونفيت فيه شدة العزم وباسه ، فارتد سكونا موقا وتذائلا فكان فى يقظته نائما وهذا المعنى كثير التردد فى الديوان ، ونجده على سما المثال لا الحصر في قصيدة " الى الشعب " (19) حيث يقول أبو القاسم .
اين عزم الحيـاة لا شئ الا الموت والصمت والاسى والظلام
عمـــر ميـــت وقلب خـــواء ودم لا تثيـــــــــــــــــــره الالام
وحياة تنــام فى ظلمة الوادى وتنمــو مــن فوقهــــا الاوهــــام
كما يقول ايضا فى قصيدة (( الدنيا الميتة )) (20) .
وارى نفوسا من دخان جامد ميت كاشباح وراء ضباب
نشأ أبو القاسم فى هذا الاطار ، ولا شك انه اثر فيه بوجه من الوجوه ، على الاقل فى حضور النفس الدينى من خلال رؤيته للوجود ، وتميز المجال الذى يحيا فيه شاعرا بالميسم الروحى ، الا ان تجربته البشرية ، ورهافة احساسه ، وميله الفطرى الى الحزن ، وكذلك موت ابيه ، ومرضه وقد لازمه ملازمة ، جعلته مجتمعة يتجاسر بالسؤال ورد فى صيغة الشكوى وكانت بذلك بداية الحركة التى وافقت مرحلة الشباب ، التى يطغى فيها القلق ، ويشتد الرفض .
وقد تبلورت الشكوى ، وهي متواترة فى معظم قصائده وحتى فى بعض رسائله فى عدة مظاهر لم تتجاوز فى البداية التعبير عن الموقف الفردى لتصبح اخيرا افصاحا عن موقف بشرى عام هو نتاج نضج التجربة الفردية التى اتسعت ارجاؤها فكانت صدى النفس الانسانية الحرى . وتجتمع كل هذه المظاهر فى احساس الشاعر الذاتى بوطأة القدر متجليا فى صور شتى ، وهو احساس لازمه طول حياته وساهم بقسط كبير فى تكييفها . فقد عاش ضيمه ولعله تمرس به وخبره فعبر عنه فى احدى رسائله بقوله (( ان افكارى مبلبلة مضطربة فان زوجتى مريضة من زمان وهى الآن تحت المعالجة كما ان جلال مريض بعينه مرضا اتعبه ولا ادرى متى تهادننا احداث الزمان )) (21) . وقد اصل هذا الشعور فى ذاته تاصيلا موت ابيه فطفق كالطائر المكسور يئن : فى قصيدته (( يا موت )) (22) .
يا مـوت قـد مزقـت صـدرى وقصمــت بالارزاء ظهــــرى
ورميتنــــى من حـــالــــــق وسخــرت مــنى اي سخــــر
فارتد بذلك شعوره بالامن خوفا ، وبالاطمئنان حيرة خلخلت ايمانه بمقومات المقدس السائد ومصادراته . وانقلب الشاعر فى بعض قصائده ، ونذكر على
المثال منها (( الى الله )) و (( شكوى ضائعة )) و (( فلسفة الثعبان المقدس )) يعاتب الالاه لصدوده عنه ، ويؤاخذه لقسوته ، ويتبرم به لسهوه عنه ، فى امتداد شعري متناغم ، بلغ به حدود التساؤل عن حقيقة وجود العطف الالاهى الذى يضمن للانسان الامن والحماية ، وعن حقيقة وجود الوجه الاخر للالاه ، وجه الرحمة .
يا ضمير الوجود يا عالم الارواح يا ايها الفضاء الساهى
يا خضم الحياة يزخر فى الآفاق فى الترب فى قرار المياه
خبرونى هل للورى من الاه - راحم - مثل زعمهم اواه
اننى لم اجده فى هاته الدنيا فهل خلف افقها من الاه (23) .
وهكذا لاح الالاه احادى الوجه ، قسوة محضا ، عمقت شعور الشاعر بالظلم الالاهى . فاحداث الزمان لم تكن نتيجة اثم اقترفه او ذنب ارتكبه وانما هى اس من اسس الوجود . تلك هى حدود النظام يسقط معها معنى الغفران ، ويستحيل التوسل ضربا من العبث ، ويفقد حتى العقاب معناه .
واذا سألت : لم الوجود وكله هم مذيب ؟ قالت : نواميس السماء قضت ومالك من هروب آه على قلبى وان شقيت كشقوته قلوب لم تقترف اثم الحياة وكان ماواها اللهيب (24) .
وذاك هو العبد ، روعت منزلته الشاعر ايما ترويع ، فاضحى القدر الانسانى بالنسبة اليه ماساة ، وكانما كتب على الانسانية ان تشقى . وانى لها ان تدرك ذلك ، فلقد صاغتها مؤسسات المقدس السائد صياغة حتمت عليها الا تحيا الا فى السكون ، ساحددة وكانها لا تجد كيانها الا فيه ، وسعادتها الا به ، فاضحى الفضاء المقدس ، متمثلا فى الزوايا ، (( مصنعا تصاغ فيه السخائم )) (25) وامسى الناس ، وقد اعتادوا الركوع ، عبيد الحياة (( جبلتهم من الشر )) (26) واستحال
خطاب الامام والقس (( ضلالا )) 7-). وهكذا انتقل الوجود من النظام الى الفوضى ، وانقلبت الحياة صحراء قاحلة ، وسخافة ، والانسان عبد الحياة ابن الشيطان (28) .
يا صاح ان الحياة قفر مروع ، ماؤه سراب (29 )
سخافة دنياكم هذه تائهة في ظلمة لا تخد (30)
بهذا الوجه هوى معتقد المقدس السائد فى نظر الشابى ، لانه لا يضع الانسان فى مأمن من الحوادث ، اذ هو نتاج عمل ذاتى ، بشرى يصبح بمقتضاه العالم عارضا . فانقطعت بذلك وظيفة مؤسساته ، واستحالت حياة الشاعر تهياما روحيا ، وسعيا موصولا لتنزيل ذاته من جديد ضمن نظام كونى اصيل يستجليه (( كشئ مغاير كليا للحياة البشرية العادية الدنسية )) (31) ويجده انشباء الاهيا محضا - وما هو فى الحقيقة بذلك لانه اسقاط ذاتى على واقع بشرى موضوعى - وكان رحيل الشاعر الدائم بحثا عن وطن . ولقد يستبد به فى كل ذلك اليأس ، او قد يعييه ، فيؤوب الى نفسه يشكوها اليها :
ايها السارى مع الظلمة فى غير اناة
مطرقا يخبط فى الصحراء مكبوت الشكاة
تهت فى الدنيا وما ابت بغير الحسرات (32)
وقد تأخذه نشوة الامل فيطفق منشدا إذا طمحت للحياة النفوس فلا بد ان يستجيب القدر (33) . كذا كانت الحركة بشوق طبيعي .

