الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

المقدس في شعر الشابي

Share

يمثل هذا التحول تطورا جوهريا فى مواقف ابى القاسم الوجودية رغم ما يمكن ان نجده فى الديوان من نوسان ، وتراوح بين هذا الرأى وذاك يعود اساسا الى تبدل الاحوال ذاتية كانت او موضوعية . ويستقطب هذا التحول معنى التمرد وهو ثنائى الابعاد : ميتافيزيقى لفظ من خلاله ابو القاسم مقولات المقدس السائد الماورائية . واجتماعى ، انكر عبره اسس الواقع الاجتماعى بالصورة التى بينا آنفا . وقد استحال التمرد ببعديه رفضا وقطيعة قامت بين الشاعر الفرد والمجموعة ، تجلت بالدرجة الاولى فى التحرر من قيود سنن المقدس السائد - وقد اصبح فى نظر الشابى مدنسا ، ومن حدود المعتقد الذى افرغ العقيدة من جوهرها الربانى ، ومضمونها الالاهى ذاك الذى يحفظ لها اشعاعها الروحى . ولئن كانت العقيدة فى نظر ابى القاسم فوق البشر فلاننا لا نملكها بل تملكنا . وان كان ذلك كذلك فكل تقنين لها يخلع عنها سمة الالوهية ، ويخرجها فى لبوس البشرية .

ذاك سر من اسرار سموها تصبح معه العبادة روحية صرفا ، وضربا فى المسالك الروحية البكر ، وتعريدا عن السبل المطروقة وخروجا عن الامتثالية . هذا التصور جعل الاستاذ توفيق بكار يقول : (( والنص ( اى محاضرة الشابى التى كان القاها بتوزر بمناسبة المولد النبوى الشريف ) علاوة على ظاهرة الاصلاح تلك يجلو لنا ظاهرة اخرى لعلها من خصائص نفسية الشابى ، وهى ذلك الظمأ الدائم الى حياة باطنية عامرة باسمى معانى الروحانية فمن ثم حرصه

على تجاوز المظاهر المادية الى ما فى الاسلام من روحانية قد تروى غلته )) (34) على ان هذه الروحانية وان كانت منبع ايمان الشابى فانها لم تتبلور فى الديوان محصورة فى اطار التصورات الروحية الاسلامية - السنية على الاقل - اذ هى بعض من الروحانية التى يصبو اليها الشاعر خاصة وان العقيدة من خلال اشعاره اوسع من ان تحد فى دين ، ولقد عاش الشابى كما ذهب الى ذلك الاستاذ توفيق بكار : (( فى وقت ما من حياته الرومنتيكية كتجربة وجودية وكمذهب ادبى معا )) (35) . وهذا ما جعله يسعى الى اعادة بناء الوجود خارج اطار البنى الدينية أى فى الميثولوجيا عموما ، والميثولوجيا اليونانية خصوصا ، تلك التى يجد فيها الانسان السعادة الكبرى التى قد تكون الاديان قضت عليها ، وتلك التى لا يشعر فيها الانسان بجبروت الالاه ، فتنزل الآلهة الى مصاف الناس ويرتقى الناس الى مصاف الآلهة . ولا غرابة فى اللجوء الى الميثولوجيا فهى اطار ملائم يمكن للانسان ان يبنى ضمنه فضاءه المقدس ذاك الذى يثير فيه الانفعالات القوية المخصوصة والقادرة على اتخاذ ميسم دينى مميز كالنشوة او الصوفية ، ويتطلب منه صرامة ، وتفانيا مطلقا ، وتضحية عظمى ، غير انه يتضمن قيما مخالفة .

فى هذا الحيز اتخذ المقدس مضمونا مغايرا فلم يبق ذلك السكون ولا تلك الامتثالية ، وانما اضحى يرتكز على تاصيل الكيان .

ولسنا فى كل ما نذهب اليه ننحو الى اتهام ابى القاسم بالالحاد ، فذاك مذهب لا تقصده ، لعقمه ، وانما ننزع الى ابراز أعماق التحول ، فى تصور الاسس التى ينبنى عليها المقدس فى شعره .

ادى انفصال تصور ابى القاسم عن مقولات المقدس السائد فى طور تجربته الوجودية الى ظهور ثنائية فى الديوان تقوم على المقابلة يتجلى قطبها الاول فى تواتر كلمات كـــ : ظلام - ليل - شقاء - مآس - الموت - اثم - نكر ، وتلتقى كلها فى معنى المدنس ، ويشكل قطبها الثانى طغيان كلمات كــ : نور - صباح - سعادة - جلال - حياة  - طهر ، وتأتلف كلها لتدل على مضمون المقدس ، وقد

انقسم الفضاء تبعا لذلك الى : 1 فضاء مدنس متمثل فى حياة المجموعة فى المدينة قائمة على المقدس السائد :

ماذا اود من المدينة وهى غا                              رقة بموار الدم المهدور ؟

ماذا اود من المدينة وهى لا                               تررثى لصوت تفجع الموتور ؟

ماذا اود من المدينة وهى لا                               تعنو لغير الظالم الشرير ؟

ماذا أود من المدينة وهى مرتا                             د لكل دعارة وفجور ؟ (36)

2 وفضاء مقدس هو الغاب يحيا فيه الشاعر متفردا حياة قدسية :

والكون من طهر الحياة كانما                هو معبد والغاب كالمحراب (37)

وكذا كانت حال ابى القاسم فلئن كان ينزع فى شعره الى حياة روحية ممتلئة ، صاغها من الفن والجمال والاحلام ، وبلغت به حد المثالية (38) فان حقيقته البشرية كانت تشده الى واقعه الانسانى :

(( ان ابن آدم فى قرارة نفسه              عبد الحياة الصادق الايمان )) (39)

وذاك ما جعل حياته جهادا مريرا بين أمل الفناء نهائيا فى رحاب السماء بين أعمدتها ، واثر القوة الغريزية التى تحد من انطلاق الحركة نحو المقدس . فقامت بهذا الوجه فى الديوان جدلية بين المدنس والمقدس ، اخرجت الانسان من سكونه المميت الى الحركة الساعية الى الحياة . ونزلته منزلة جديدة ارتأى فيها علة وجوده ، حتى اضحت لديه منبعا يستمد منه طاقته ، وينفث فيه القوة :

خلقنا لنبلغ شاو الكمال              ونصبح أهلا لمجد الخلود (40)

وبلورت معالم الاطر التى سيصاغ فيها المقدس . وهى أطر ثلاثة : أولها الفضاء ومدلولاته باعتباره اطارا سيحاول فيه ابو القاسم ان يؤسس عالما جديدا .

وثانيها الزمان ، والمضامين التى سيتخذها فى سياق هذا التأسيس الجديد. وثالثا وضعية الانسان الجديدة ومنزلته فى ضوء هذين الاطارين المحددين.

هكذا تجلت هذه الجدلية فى الديوان فى النوسان بين دنس المدينة ، وحرم الطبيعة ، المتمثل فى خروج الشاعر وقد لطخته آثام الحياة من العالم الاول الى فضاء جديد يبحث فيه عن الطهارة ، وهو الغاب . ولم يكن هذا الخروج نهائيا لا اوبة بعده وانما هو غيبة محدودة عن العالم المدنس يرنو من ورائها الشاعر الى ادراك حقيقته الالاهية ومعانقة جوهره الاصيل . فهو اذن حج الى الغاب الحرام ، لا بد له من إحرام . ومفتاح هذا الاحرام القلب ، بصيرة أبى القاسم المبصرة ، التى تمكنه من ان يفتح لنفسه الظمأى طريقها الى الحق ، ومن ان يحتوى كل شئ ، فيجوب عوالم المطلق كالافاقة لا يقر له قرار . هو الحياة ، عامرة ، طاهرة ، والجوهر الالاهى لا يلج الانسان عوالم الالهة الا به ، لانه من سنخها ، فوق الزمان ، هو (( الابد الصغير )) .

تبلو الحياة فتبليها وتخلعها          وتستجد حياة ما لها قدم

وانت انت شباب خالد نضر       مثل الطبيعة لا شيب ولا هرم (41)

ان يقظة الشعور السامى فى المحرم تفجر فيه الطاقة على الحلم باعتباره لغة الروح الحقيقية القادرة على فك الرموز الالاهية التى تتضمنها المخلوقات ، فهى اللغة التى توحى ببقايا قوى الروح الالاهية فى الانسان ، تلك التى تمكن من ادراك الرموز الغيبية للموجودات فى نشيد حسى متناغم اقرب الى فطرة الانسان ووجوده الاول ، يمحى فيه الشعور بالنسبة وتتجلى فيه يقظة الحس وقد اتصلت بالكون المطلق . فتحررت من سجن وعيها المحدود . لذا كان للخيال دور خطير فى اخصاب هذه اليقظة الروحية باعتباره قوة تمكن من تصور متألف ومتسق لعالم جديد يبدو غريبا للمنطق العقلى ، فهو اذن وسيلة بعيدة الآفاق يبصر بها الانسان ما لا يقدر على ابصاره بعقله .

هكذا يلوح لنا الاحرام بمقوماته الثلاثة : القلب والحلم والخيال ، من الضرورات التى يتهيأ بها المحرم للحج ، فينزع عن نفسه كل اثواب الدنس ويقطع صلاته بواقع ما بقى - وهو على هذه الحالة - الواقع ، لانه نسبى عارض ثم يلج حالا جديدة تتسم بيقظة الروح ، واهتزاز النفس وسعة الخيال ، وهى

كلها تحيى الشوق الى الابدية ، والمطلق ، وتفتح ابواب السماء . ذاك هو ابو القاسم فى الحال الشعرية . جلال الاحرام .

سيمكن هذا الاحرام الروحى ابا القاسم من خوض تجربة دينية جديدة من منطلق وجودى طريف تتجلى من خلالها ملامح المقدس الجديد وهياكله وسيكون فضاؤها الغاب . ولسنا نروم فى هذا القسم من الدراسة ان نعرج على مدى نجاح الشابى فى وصف عالم الغاب او اخفاقه فى ذلك (42) ، او ان نفحص مظاهر الطبيعة المادية وانما نريد التاكيد على رمزية حضور الغاب ، ففى هذه الرمزية يلوح المقدس ، فيتحول الغاب بحكم حال الاحرام من واقع موضوعى محايد الى واقع آخر جديد فوق طبيعى يتجلى فيه الالاه فى الاشياء فتكون للاشياء اذ ذاك ابعاد اخرى دون ان تفقد حقيقتها المادية ، ويتخذ الغاب وقد اصبح مقدسا بعد الحقيقة الكونية (43) .

من هذا المنطلق أسس الغاب باعتباره فضاء الآلهة الذى لا يلجه الا المطهرون ، على أهم توابع المقدس وهى السر والسحر (44) . اما السر ، فيلوح فى قصائد كثيرة نذكر على سبيل المثال منها الغاب ، ويستقطبه معنيان : اولا معنى المطلق ، ففضاء الالاه بكر ذو ادغال ومسالك وعرة يروم الشاعر الضرب فيها لاستكشافها ، فلا يقدر على الاحاطة بها . فاذا الغاب فضاء لا نهائى تلفه الظلمة الدامسة ويزخر بالاشعة المبهرة (( يرتد معها البصر حسيرا )) وذاك سر الفن الآلاهى المعجز .

وجلست تحت السنديانة واجما              ارنو إلى الافق الكئيب امامى

فأرى المبانى فى الضباب كانها                فكر بارض الشك والابهام

او عالم مازال يولد فى فضا                   الكون بين غياهب وسدام

وارى الفجاج الدامسات خلاله            ومشاهد الوديان والآجام (45)

وثانيا معنى الصمت : وهو صمت عامر ممتلئ مفكر ، اى انه الموسيقى لا تحدث ضجيجا ولا صدى وانما تذيبهما لتجلو الصمت الحى ، وهو كنه الحياة فكانما كلام الالاه فى عظمة الصمت .

واصيخ للصمت المفكر ، هاتفا     فى مسمعى بغرائب الانغام (46)

وأما السحر ، فسمة ملازمة للغاب فى الديوان وتتجلى فى اكتساب الغاب قوة جاذبة تجعل منه محور الكون ، ويفسر هذه الجاذبية حنين الشاعر الدائم الى استمرار العلاقة بينه وبين الطبيعة باعتبارها حضورا إلاهيا ، وكأنه ف كلى ذلك لا يستطيع ان يحيا الا فى هذا السحر ، فانه يهبه الصحو والطهر والحقيقة .

ونسيت دنيا الناس فهى سخافة           سكرى من الاوهام والآثام (47)

نتبين من خلال هذه الرؤية ان هذا الفضاء الجديد متميز نوعيا ، عن سابقه ، فلقد اضحى الغاب الفضاء المركزى للكون ومحوره الكوخ (48) احيانا او السنديانة احيانا اخرى (49) شانه فى ذلك شان المعابد او المساحد بالنسبة الى المقدس الدينى . وحضور الشاعر فى هذا المحور يجعله ، وهو محرم ، فى حال من الادراك الصوفى يتصور معها انه اكتشف الحقيقة المطلقة واضحى بدوره محور الكون ، تجرى من حوله الموجودات فى افلاكها .

تمشى حواليه الحياة كانها                  الحلم الجميل خفيفة الاقدام

وتخر امواج الزمان بهيبة                   قدسية فى يمها المترامى (50)

ولهذا التصور قيمة وجودية خطيرة . اذ ينم عن موقف جديد ، لابى القاسم استوطن فيه الانسان المحور ليستطيع تبعا لذلك توجيه حياته ، وبالتالى ليؤسس وجوده الجديد ، وكانما لا يستطيع الانسان ان يحيا العالم الا اذا اسسه ، وبذلك يستحيل الانسان خالقا لعالمه ، الا ان هذا التاسيس لم يكن الا خارج النسبية فى المطلق ، لذلك كان مماثلة للانشاء الالاهى للكون ، وبالتالى فان كانت غاية حج الشاعر الى الغاب تأسيس عالمه الخاص وقد اتخذ بعد الحقيقة الكونية ، فانها كانت كذلك عودا بالانسان الى فطرته ، ووجوده الاول،

أى فى صورته المثلى ، لذلك اضحى الغاب جنة الانسان الضائعة يسعى الى استردادها ، حتى ينهى تماما ذاك التوتر الذى تثيره فيه النسبية ، وهذه الجنة وطنه الروحى الذى شرد عنه :

شردت عن وطنى السماوى الذى   ما كان يوما واجما مغموما

شردت عن وطنى الجميل .. انا الشقى   فعشت مشطور الفؤاد يتيما ( 51 )

فامسى يعيش شقاء وتيها تحدد فى ضوئهما معنى الغربة ، اذ هيى الغيبة عن الفطرة ، وعزوف عن السمو وعن الارتقاء فى سلسلة الموجودات ، وتعريد عن السعادة الحقيقية .

لهذا كان الغاب فى شعر ابى القاسم وطنه الروحى ورمز اللانسانية من قبل ان تخلق ومن قبل ان يدنسها الاثم ، حيث كان الانسان فى صورته الاولى " لب هذا الكون " ( 52 ) يعيش " فجره القدسى " ( 53 ) ملاكا فتلمحه تارة شعاعا ، وتارة نشيدا وتارة اخرى عطرا . هو الحب لم يمسسه رجس ، والحقيقة خالصة من شوائب العرض والحرية لم تقيدها النسبية والفضيلة فى صورتها الالالهية ( 54 ) . ولقد كان حج ابى القاسم الى الغاب دوما سعيا لمعانقة هذا الكيان الاول وهذه الفطرة الطاهرة ، فترة طفولة البشرية ( 55 ) وشوقا دائما للحركة فى كون مقدس ، وحنينا ابديا الى المنبع . ولا نذهب فى هذا السياق مذهب من عد الحنين الى الغاب فرارا من الواقع الى عالم الوهم ، وانما يبدو لنا فى الحقيقة حركة ينزع من ورائها الشاعر الى استرداد واقعه ايام نشأته الاولى بكل قيمه وكانه بهذا العود يروم اعادة صياغة وجوده بما تبقى له من قوى حية كتلك التى كانت له فى بداية خلقه . وهكذا يتخذ هذا العود الى الزمن السحيق معنى الولادة ويضحى الانسان تبعا لذلك مزامنا للنشاة الاولى ، وقد تبلور هذا المعنى بجلاء فى قصيدة الغاب ، حيث تمثل الشاعر ، وهو فى حال احرام ، نفسه آدم تنفث فيه الروح .

فاذا انا فى نشوة شعرية فياضة بالوحى والالهام

ومشاعرى فى يقظة مسحورة .....

وسنى كيقظة آدم لما سرى   فى جسمه روح الحياة النامى

وشجته موسيقى الوجود وعا   نقت احلامه فى رقة وسلام

وراى الفراديس الانيقة تنثنى   فى مترف الازهار والاكمام

وراى الملائك كالاشعة فى الفضا    تنساب سابحة بغير نظام

واحس روح الكون تخفق حوله   فى الظل والاضواء والانسام

والكائنات تحوطه بحنانها   وبحبها الرحب العميق الطامى

حتى تملا بالحياة كيانه    وسعى وراء مواكب الايام (56)

ويرمز تمثل زمن النشأة بالاضافة إلى ما سبق الى قابلية الانسيان لتجديد قواه من هذا المنبع ، اذ ستمكنه هذه القابلية من اعادة بناء حياته ببعديها الميتافيزيقى والاجتماعى على اسس مقاربة او مماثلة لنموذج البناء الالاهى ومن تفجير ارادة الحياة فيه ، ومن تجديد ما قد ابلاه الزمن التاريخى .

بهذا الوجه يكون الزمن المقدس زمن حضور الفعل الالاهى متجليا فى الانشاء وهو زمن لا يماثل الماضى التاريخى ، اذ هو الزمن الاصلى الذى لم يسبقه زمن آخر . لذا كان اسطوريا يقدر الشاعر على استرداده فى حال احرامه فيجعله الحاضر دوما . واذذاك يكون متضمنا لمعنى الخلود . فهو زمن طفل ابدا .

فزمان الغاب طفل ، لاعب عذب جميل

وزمان الناس شيخ عابس الوجه ثقيل ( 57 ) .

ان حياة الشاعر ابى القاسم فى الفضاء والزمن المقدسين محدودة اذ ما ان يسترد طبيعته الاولى فى طهرها وقوتها حتى يعود بحكم بشيريته الى واقعه المادى ليؤسس حياته من جديد . الا ان الحج الى الغاب بالنسبة الى ابى القاسم ضرورة فبدونه تنتفى صلة الانسان بالمقدس ، ويضحى الوجود مستحيلا وكان المقدس حبل الحياة الممتد يصلها بالسماء ، ووحى مسترسل ، يقتضى نبوة تحدث عنها ابو القاسم فى قصيدة النبى المجهول ( 58 ) ، وهى ليست نبوة صادرة عن

وحى الاهى بالمعنى الدينى المتعارف وانما هى نبوة الانسان الفرد وقد ارتقى الى درجة فوق بشرية بحكم ايمانه بعبقريته ويقظة حسه ، وقدرته على الخلق ، يدعو المجموعة فى لغة شعرية الى سعادة ارضية ، وقيم اصيلة ، تلك فلسفة ابى القاسم تؤمن بالفرد الارقى كقيمة قادرة على التغيير والبناء شأنه فى ذلك شان اهم اقطاب جيله .

ولقد كان التعبير فى الديوان عن نبوة الانسان الفرد فى اطار قدسى مماثل للاطار الدينى او مقارب له . فلقد لازمت ابا القاسم فى شعره ، اثناء تأمله ، وصدور وحى العبقرية عنه حالات من الوجد نجدها فى اكثر من قصيدة نذكر منها " الاشواق التائهة " ( 59 ) ، وصلوات فى هيكل الحب ( 60 ) " وتحت الغصون " ( 61 ) " نشيد الجبار " ( 62 ) " والغاب " ( 63 ) ، يستحيل فيها كيان الشاعر المادى الى كيان أصيل يبلغ به أقصى درجات الانتشاء ، يتخيل معها احيانا وكانه امتلك من القوة الالاهية ما به يكون صنوا للآلهة أو يكاد كم هو الشان فى " نشيد الجبار " حيث قام الشاعر مقام بروميثيوس وفى قصيدة " صلوات فى هيكل الحب " حيث اصبح حبيب " فينيس " .

هكذا اصبح الشاعر فوق البشر ، يرتوى من المنبع الخالد ، فهو الخلود

وتملؤنى نشوة لا تحد  كانى أصبحت فوق البشر ( 64 )

روح انا مسحورة فى عالم   فوق الزمان الزاخر الدوام ( 65 )

فاحيا فى ذاته محييات الحياة متمثلة فى بذور الالوهية الكامنة فيه . وهذا الوجد هو نشوة الشاعر الشعرية يفيض عنها الوحى والالهام ويتراءى من خلالها الحق والنظام فى تناسق عجيب لانشاز فيه .

فاذا انا فى نشوة شعرية    فياضة بالوحى والالهام (66)

فاذا الكون قطعة من نشيد   علوى منغم موزون (67)

ولم يبلغ الشاعر درجة الوحى الا بواسطة الفن وقوامه القلب والحلم والخيال (68) . تلك هى عقيدة الشاعر لا ترتكز على القيود ، وتنفى الطقوس نفيا لانها ترفض الامتثالية . لهذا اتخذت العبادة شكل التأمل الشعرى ، بكل مداه ، فهو صلاة الشاعر يعانق الحياة القدس فى خشوع السكون ، حياة الانسانية من قبل ان تخلق ، ويستنطق صمت الغاب الشفاف ، منفردا فاذا هو نشيد الحياة المقدس يدعو الانسان ليكون .

ورن نشيد الحياة المقدس فى هيكل حالم قد سحر

وأعلن فى الكون : ان الطموح لهيب الحياة وروح الظفر

اذا طمحت للحياة النفوس فلابد ان يستحب القدر ( 68 )

يشكل هذا النشيد فى الحقيقة كل قصائد الديوان .

فبديهى اذن ان يجمعها أبو القاسم تحت عنوان " اغانى الحياة " ، فهى خلاصة تجربته فى الوجود وقد استجمع فيها مقومات التاسيس بعد ان كان قد تجلاها اثناء حجة الى فضائه المقدس بالابعاد التى كنا قد بيناها والتى كان قد صاغها فى اطار اسطورى اخرج به ، وهو فى حال شعرية ، الزمن من اطاره التاريخى الموضوعى لينزله فى آن خالد ابدا . هو آن الاسطورة المتجدد على الدوام . على هذا الاساس سيصوغ الشاعر تصوره لنظام الواقع المادى مطابقا لتصوره الميتافيزيقى وامتدادا له ، وكأن الواقع يستحيل خواء ان فقد هذا الامتداد وسيكون تبعا لذلك بناء الواقع البشرى ، مستمدا من نظام الكون زمن النشاة الاولى . وتنزل بحكم ذلك القيم الاصيلة فى الواقع البشرى منزلة المقدس لما تتسم به من خلود  .

اشترك في نشرتنا البريدية