الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

المقـــــــــــــــــبرة

Share

(( كل شئ محتمل الوقوع فى هذه الحياة الكلبة الا أن نرى العساكر الاسرائيليين داخل منازلنا وداخل عيوننا .. )) .

لم يستطع الشيخ أمين ، العاقل أن يصدق ما يحدث حواليه وهو يغادر مقبرة البلدة مرهقا مع اطلالة الفجر . لقد امضى الليل بكامله يتلو القرآن فوق قبر ميت جديد . كانت أصوات المدافع والانفجارات تمزق سكون الليل فيحاول اخراسها رافعا عقريته بالتلاوة بنبرة متحدية . البلدة مقفرة تماما ، أين ذهب الناس ؟ وأين اختفى المقاتلون ؟ منذ أن شاع نبأ سقوط قلعة الشقيف ، مساء أمس ، استبد بالجميع خوف مثقل بالذل ، وبدل أن يحيوا الليل بذكر الله ويستمدوا منه القدرة على الصمود فى قتال عدوه وعدوهم ، احيوه بالاستعدادات العاجلة والمحمومة للهرب بعيدا . (( ما غزي قوم قط فى عقر دارهم الا ذلوا ، فلا حول ولا قوة الا بالله .. )) الدبابات الاسرائيلية تتقدم عبر الحقول المزروعة بالتبغ ، وباستطاعة الواقف فوق سطح منزله أن يشاهد، يا للهول ، أرتالها المنتشرة هنا وهناك دون أن ينبثق من باطن الارض الطيبة أنس أو جن لوقف الشر الزاحف بكل جبروت الباطل . (( الدنيا تؤذن فعلا بزوالها .. )) . بالامس ، بالامس فقط ، كان المقاتلون يقسمون بطلقات ألسنتهم وطلقات رشاشاتهم بأنهم سيشعلون الارض والسماء فى وجه الغزاة ، ولكن سقوط قلعة الشقيف ، بعد مقتل جميع المدافعين عنها ، جعل البلدة ساقطة عسكريا ، فكان لا بد من تراجع تكتيكى ( التراجع بنوعيه التكتيكى والاستراتيجى عملة عربية جديدة شديدة الرواج هذه الايام ) . (( تخرصات وحجج باطلة )) قال الشيخ أمين لنفسه بصوت مهموس وهو يدرك ساحة البلدة الرئيسية . لم يسبق للشيخ أن رأى الساحة نظيفة من لبشر كما يراها هذا الصباح المشؤوم . حتى فى الليل عندما يذهب الى المقبرة أو يعود منها ، كانت الطرقات والازقة تبدو مثقلة بأنفاس النائمين

وبتهويم أحلامهم . سار على الرصيف الحجرى لا يدرى أين يذهب وماذا يفعل . الطاولات الخشبية التى تبسط عليها الخضار والفواكه ، كل صباح ، ترتع عليها جيوش الذباب بحرية واطمئنان ، والجيش الآخر يرتع بدوره فوق أرضنا بحرية واطمئنان . الشمس ترتفع بخجل . لقد أدمنت شمسنا الخجل . القصف يقترب . (( لماذا القصف ؟ .. )) الدرب ممهدة أمام القادمين . فكر فى الذهاب الى الجامع والصعود الى مئذنته ليتبين مدى تقدم الدبابات المغيرة ، ولكنه لم يفعل . (( باستطاعة طائراتهم أن تكتشف النملة فوق الارض )) كما يقول الحاج درويش دائما . قاتل الله الحاج درويش على طول لسانه . كان يردد باستمرار : (( اذا حم أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون )) محاولا اخراج الحروف من مخارجها الاصلية ، ولكنه هرب الملعون مع من هرب . " الى أين ؟ .. )) .

ثمة كلب هائم فى طرف الساحة الجنوبى ، لا يدرى ، هو الآخر ، أين يذهب وماذا يفعل . والحيوان يشعر أيضا ، متى كان أليفا ، بالوحشة . حدق الشيخ فيه طويلا : ذنبه داخل باسترخاء بين قائمتيه الخلفيتين ، وأنفه ملتصق بالارض . لقد اجتمع عليه الجوع والخوف . لماذا لم يلحق بالهاربين ؟ ، ربما لانه أكثر التصاقا بالارض من البشر . (( لا حول ولا قوة الا بالله )) مد الشيخ يده الى جيب قمبازه وأخذ السبحة السوداء بين أصابعه . ليته يلتقى بانسان واحد فقط ، بالحاج حسن صاحب الفرن وصاحب الزوجتين ، أو بعلي النمري تاجر الخضار ذى الصوت الانثوى . حتى خولة الصفدية التى تملأ الساحة دائما بجسمها المترهل وصوتها الماجن ، لا أثر لها على الاطلاق . ربما كانت تستعد لاستقبال الغزاة على طريقتها الخاصة . (( استغفر الله ! )) لقد حاول الشيخ أمين أن يردها الى الرشاد مرارا ، ولكنه كان دائما كمن ينطح جدارا . بل كثيرا ما كان يتلقى رشقات من لسانها يحمر لسماعها وجه الغلام . ولا تتجه اهاناتها البذيئة الا الى عمامته الصغيرة ، لانه بلا لحية ولا شاربين ( من يتصور وجود شيخ أمرد الوجه ؟ ) . ومنذ أن اعتم الشيخ أمين ، فى غفلة من الزمن ومن المؤمنين ، بهذه العمامة الصغيرة ، وارتدى هذا القمباز الفضفاض ، وهو يحاول فرض مشيخته على الناس ، ولكن بدون فائدة . ذلك انه لم يجاوز أعواما طويلة عند معهد دينى مشهور،وهو ينتمى الى أسرة معروفة بتفريخ الشيوخ ، ولا يحسن اعداد الشاى ، والأدهى من ذلك كله انه أمرد الوجه ، فقط بعض شعيرات وبرية الشكل وألوان تتوزع بخجل فوق أقاليم وجهه المستطيل ، كتلك التى تنبت وسط صلعة قاحلة يحلو

لصاحبها أن يتلمسها بأطراف أنامله كلما داعبه مرأى النساء بوهم الفحولة . لذلك لم يكن من المستغرب أبدا أن لا يتجرأ الشيخ أمين يوما على امامة المصلين ، حتى فى الحالات التى يغيب فيها الشيخ الرسمى عن البلدة ، لانه إن هو فعلها مرة ، فقد يغرى بعض المصلين وراءه من المؤمنين الخبثاء (والمؤمنون بشر كسائر البشر) بالاتيان عمدا ، بتصرفات شاذة ، دون مراعاة منهم لحرمة المكان . لذلك اكتفى من المشيخة بغسل جثث الموتى وتكفينها وتلاوة القرآن فوق قبورها مقابل أجر يقيه بعض الجوع.

(( الناس مدخولون فى أمورهم ، الا من عصم الله )) (أين هم المعصومون ؟). كل ما حدث فى الماضى القريب وما يحدث اليوم دليل غضب من الله (( ماذا بكم بزمان يتزيى فيه الرجال بزي النساء ويتزيى فيه النساء بزى الرجال ، وتركب ذوات الفروج السروج .. )) . الدبابات الاسرائيلية تصل الى أطراف البلدة ، صوت هديرها الراعد بات يملأ الاجواء . الكلب يختفى من الساحة . بعض أكوام الزبالة المتبقية من الامس تنتشر هنا وهناك . على شرفة أحد المنازل بعض الثياب المنشورة على حبل ، لقد نسيها اصحابها بدون شك . يجب أن يغادر الساحة الى مكان آمن ، ليس من المستحسن أن يعرض المؤمن نفسه لموت مجانى . (( سنجعل من هذه البلدة الصامدة مقبرة للغزاة )) . لقد جعلوا منها مقبرة للصمود (( لا حول ولا قوة الا بالله .. ما غزى قوم قط فى عقر دارهم .. )) . القصف يشتد ، كان أبو موسى يقول دائما : (( طالما أن أسلحتنا فى ألسنتنا ، وطالما أن عقولنا فى آذاننا ، فنحن تالفون حتما )). رحم الله أبا موسى ، فقد كان ، على الرغم من فسقه وقلة دينه ، وحده فى هذه البلدة على حق . أدركته القذيفة الآتية من الحدود الجنوبية فى عقر داره ، حدث ذلك قبل سنتين . لقد ارتاح أبو موسى ، لا عينا ترى ولا أذنا تسمع .

- يا شيخ أمين ، يا شيخ أمين .. اختبىء يا مجنون ! لم يدر الشيخ أمين من أين جاءه الصوت، كانت النبرة مكتومة، هناك على ما يبدو بعض الصامدين وراء الابواب المغلقة . ولماذا يختبئ ؟ ومن هو المجنون ومن هو العاقل ؟ (( إذا حم أجلهم .. )) انفجار هائل يقع على مقربة من الساحة ، أعقبه صمت ثقيل . الكلب الهائم يحتاز الساحة كالسهم ، من أين جاءته القوة على الجرى ؟ لا شك أنه شعر بالخطر الداهم فقرر الهرب الى مكان آمن . وعلى الشيخ أن يأوى هو أيضا إلى مكان آمن . لم يعد هناك مكان آمن فى هذا العالم الموبوء . (( إن الله قادر ، إذا شاء ، على اهلاك الغزاة فى لحظة عين )) . ولكنه جلت مشيئته ، لا يبدو أنه يريد ذلك . والناس ، بدورهم ، ليسوا راغبين بالمقاومة لان كلمة

(( نصر )) قد حذفت من المعجم العربى . والعدو يعرف ذلك جيدا ، ويعرف - حسب مزاعم الحاج درويش ، التى أكد أبو موسى ، رحمه الله ، صحتها - اسم كل مقاتل من حملة الكلاشينكوف ، وانتماءه الحزبى والمذهب والعاطفى ، ويعرف المقاتل الحقيقى من المقاتل المزيف ، وما يقوله ويردده إمام البلدة فى خطبة صلاة الجمعة ، بل ويعرف متى يضاجع الرجل زوجه . (( قاتلهم الله ، إنهم لا يتركون أمرهم سدى ، فهم أشد تمسكا بباطلهم منا بحقنا )) . الجو يزداد ثقلا وخطورة . ربما كان من الافضل لشيخ أمين أن يغادر مع المغادرين . (( ولكن من الذى يقرئ الموتى ، إذا كان هناك موتى ، شهادة الموت ؟ )) شيخ البلدة الرسمى غادر البلدة منذ أسبوع مع أغنيائها . للاغنياء شيوخهم وللمعدمين شيوخهم . (( لا )). من واجبه البقاء . إذا قدر الله موت امرئ فلا راد لذلك . واذا قدر البقاء لامرئ فما من قوة فى الارض تنال منه . فليأتوا . (( إنهم آتون على كل حال )) . ربما أصبحت دباباتهم عند مداخل البلدة تتقدم بحذر . كل خطوة محسوبة بدقة . رحم الله ابا موسى عندما كان يقول : (( الاسرائيليون لا ينتصرون علينا بالسلاح فقط )) . كان أبو موسى ، على الرغم من فسقه وقلة دينه ، يقول أشياء معقولة جدا ، وكلما كان يحتدم النقاش ، أمام دكانه ، حول الاوضاع السائدة والأوضاع المرتقبة ، كان ، رحمه الله ، يحسم النقاش بقوله بصوت عال : (( فتشوا عن البترول .. )) .

الطائرات والدبابات وأصوات الانفجارات تطبق على البلدة اليتيمة برعدها المخيف . من الافضل الابتعاد عن هذه الساحة ، لان البقاء فى وسطها نوع من الانتحار ، ثم اذا هو تجنبه الموت ، فقد يرى نفسه مكرها على رؤية الغزاة بالعين المجردة . اتجه غربا عائدا الى المقبرة ، فقد يجد بين الموتى من يخفف عنه وطأة الشعور بالوحشة وبالذل . الطريق ضيقة كخلقه . أصوات بعض الصبية ترتفع من أماكن مجهولة : (( وصلوا ، وصلوا .. )) حث الخطى بدافع غريزى . ثمة من يرحب بهم بدون شك (( لا حول ولا قوة الا .. )) . انفجار قريب جدا . اذا هانت كرامة المرء هان بنظره كل شئ . دخل المقبرة من طرفها الشمالى ففوجئ بكثرة الهاربين اللاجئين اليها ، جاؤوا يحتمون بالموتى ، منذ أكثر من ألف سنة وهم يحتمون بالموتى (( شبيه الشئ منجذب اليه )) ، صيحات الخوف تقطر ذلا . رآهم يعدون بالملايين ، بعشرات الملايين ورأى المقبرة تتسع وتتسع الى ما لا نهاية . سار ببطء دون أن ينتبه الى أنه يدوس على شواهد القبور . وعند قبر أبى موسى أقصى بعياء يبكى .

اشترك في نشرتنا البريدية