لا يزال موضوع علاقة الفرد بالمجتمع محل عناية المفكرين السياسيين من اقدم العصور الى يومنا هذا . وهاته العناية تحاول ضبط القيمة الحقيقية للفرد فى المجتمع . ويمكن تحديد هاته القيمة بالتوازن والمعادلة بين الحقوق والواجبات .
الا أن هناك ملاحظة مبدئية . وهى أنه لا وجود لهاته القيمة ولا لهذا التوازن وهاته المعادلة الا فى نطاق النظام الديموقراطى
ومعلوم ان النظام الديموقراطى هو نتيجة لتطور عميق لمفهوم الحكم فى المجتمعات . وقد مر الحكم من الملوكية المطلقة الى الملوكية المقيدة بالدستور في بعض الاحيان والى النظام الجمهورى البحث فى غالبها ،
كما مر أيضا من الديموقراطية السياسية أى " حكم الشعب بواسطة الشعب " الى الديموقراطية الاقتصادية والاجتماعية أى " حكم الشعب بواسطة الشعب ولفائدة الشعب " أيضا .
ومن هنا تولدت فكرة التوازن بين الحقوق والواجبات . وهى ناتجة عن مشكلة تساكن البشر وتعاشرهم . وهاته الفكرة كانت ولا تزال الشغل الشاغل للمفكرين السياسيين والاجتماعيين من افلاطون الى الفارابى الى ابن خلدون الى روسو وغيرهم
الا ان أهم ما يمتاز به التوازن بين الحقوق والواجبات فى عصرنا الحاضر هو ظهور فكرة العدالة الاجتماعية إلى جانب فكرة الحرية
وبعبارة أخرى يمكن القول بأن القيمة الحقيقية للفرد فى المجتمع هي رضاه بالحد من حريته لفائدة المجتمع الذي يعيش فيه . ويتحقق ذلك من طرف المواطن الصالح بدافع حب الخير لغيره من المواطنين وبدافع روح التضامن معهم . كما يهدف ذلك الى مراعاة المصلحة الحقيقية الاجلة التى لا يمكن أن تضمن الا فى نطاق مجتمع مستقر تسوده العدالة والمساواة لا التطاحن والظلم والاستبداد والاستغلال . . .
وبعبارة اخرى أيضا يمكن القول بان القيمة الحقيقية للفرد فى المجتمع تحصل من تغلبه على النفسية الفردية وتشبعه بالنفسية الاشتراكية .
فبينما تهتم الفردية بالفرد وتجعله مبدأ لها تهتم الاشتراكية بالجماعة والجماهير
بيع المفكرين الذين حاولوا توضيح مفهوم الاشتراكية قد ألحوا فى جعل الافكار والأشياء جماعية وفى استحالة الانفراد والانعزال بحيث تحل روح الجماعات محل روح الفرد والقاعدة الاجتماعية محل الارادة الشخصية .
واهم ميدان ترمي فيه الاشتراكية الى الحد من الحرية هو الميدان الاقتصادى
وفعلا فان الاشتراكية لا تؤمن بالحرية الاقتصادية وانما تقتضى تنظيما قانونيا دقيقا وتجعل الانتاج والتوزيع خاضعين لارادة دنيوية مفروضة ومدبرة لا الى نظام الهى عفوى
وعلى هذه الفكرة يستند " دور كهايم " فى تعريفه للاشتراكية اذ يقول : " ان الاشتراكية نظرية تطالب بربط الوظائف الاقتصادية كلها او بعضها بمراكز الادارة والتفكير فى المجتمع . "
وتبريرا لهذا التنظيم العملى التطبيقى ينكر الاشتراكيون صلوحية النظام الطبيعى نفسه او القوانين الطبيعية
فيرى كارل ماركس مثلا ان القوانين الطبيعية تسوق المجتمع بصورة عفوية الى مأزق يصعب الخروج منه ويتجلى هذا المأزق فى حشد القوى الانتاجية ورؤوس الاموال من جهة وفي حشد الجماهير فى طبقة العمال من جهة أخرى . ولا يمكن الخروج منه الا بانقلاب يجعل من قوى الانتاج ملكا للجماهير ويقضى على تطاحن طبقتى الراسماليين والعمال
فالاشتراكية من هذه الناحية عبارة عن نتيجة ضرورية ومحتومة لتطور طبيعي
ثم ان الاشتراكية فى زماننا تحاول مقاومة مفهوم النظام الطبيعى باقامة الدليل على أن المصالح متناقضة لا متجانسة كما تحاول تعويضه بنظام تعطى فيه الاولوية للمصلحة العامة لا للربح الخاص
وتقول ان غاية الفرد فى المجتمع الحاضر هى الحصول على أكبر ربح ممكن لاكثر انتاج ممكن . الا ان الوصول الى الربح الاكبر انما يكون غالبا بتنقيص
الانتاج وتحديده وبالتالى برفع الاسعار وهذا مخالف للمصلحة العامة . ولذا نجد الافراد والجماعات يتبعون عمليا سياسة تقليل الانتاج وذلك فى سبيل رفع اسعار المنتوجات فيتلفون البن فى البرازيل والالات والسيارات ف الولايات المتحدة الامريكية مثلا . . . ولذا يجب تغليب المصلحة العامة على في الربح الشخصى
وبعد ، فما هو مفهومنا فى تونس اليوم للقيمة الحقيقية للفرد فى المجتمع ؟ للاجابة عن هذا السؤال لا يمكن انكار تاثر نظام الحكم وبنيان المجتمع بتطورات مفهومهما على ممر الزمان وفى مختلف الاصقاع
غير أن تونس لم تقلد فى ذلك تقليدا أعمى ما وقع فى غيرها من البلدان فقد انطبع نظامها بواقعها وخاصة بواقع كفاحها التحريرى من الهيمنة الاجنبية . كما انطبع ايضا بواقع انكبابها على مقاومة التخلف وقلب الاوضاع بغية تحقيق التقدم والازدهار
وهناك حافز أول تمكنت بفضله تونس من الانتصار فى معركة الاستقلال وستتمكن بفضله بحول الله من الانتصار فى مقاومة التخلف . وهذا الحافر هو الشعور بالكرامة . ذلك الشعور الذى ما فتئ الرئيس الجليل الحبيب بورقيبة يعمل على غرسه فى نفوس الدستوريين خاصة والمواطنين عامة اثناء الكفاح التحريرى بالامس او اثناء تجنيد القوى الشعبية للخروج من التخلف اليوم .
كما أن هناك حافزا ( ثانيا )أصبح عقيدة في نفوس التونسيين بفضل الثبات والعمل المتواصل للعناصر الدستورية الذين يعملون بهدى من المجاهد الأكبر وهو اعتبار الوحدة القومية فى اعلى سلم القيم مهما كانت الظروف ومهما كانت التكاليف
وقد نتج عن هذين الحافزين اللذين أصبحا مبدأين أصليين فى فلسفة الحياة التونسية اقرار نظام مستمد من الواقع التونسى البحث . كما نتج عنهما أيضا السير فى طريق فرضتها حاجيات هذا الواقع وسهلتها امكانياته
وهذا النظام هو نظام ديموقراطى واشتراكى فى آن واحد . ولكنه مطبوع بالطابع التونسى البحث . وهو ما ننعته بالاشتراكية الدستورية
ونجد اصول هذه الاشتراكية الدستورية فى القانون الاساسي للدولة نفسه الا وهو دستور الجمهورية التونسية الضابط لحقوق المواطنين وواجباتهم على حد السواء .
فمن الناحية السياسية ينص الدستور بكل وضوح على مجموعة من الحريات والحقوق تصبغ عليه ميزته الديموقراطية
فهناك اقرار السيادة لافراد الشعب التى يمارسونها عن طريق الانتخاب العام الحر المباشر السرى ( فصل 3 و 19 و 40 من الدستور )
وهناك اقرار المساواة والحريات العامة والحقوق الفردية والجماعية لا السياسية منها فحسب بل الاقتصادية والاجتماعية أيضا كحق الصحة والتعلم والعمل ( توطئة الدستور ) .
الا ان الدستور ينص ايضا فى توطئته على وجوب استخدام ثروة البلاد لفائدة الشعب
ووسيلة ذلك الحد من حقوق المواطنين لازدهار الاقتصاد وللنهوض الاجتماعى
ولهذا الغرض ينص الفصل السابع من الدستور على ما يلى بالحرف الواحد :
يتمتع المواطن بحقوقه كاملة بالطرق والشروط المبينة بالقانون . ولا يحد من هذه الحقوق الا بقانون يتخذ لاحترام حقوق الغير ولصالح الامن العام والدفاع الوطني وازدهار الاقتصاد وللنهوض الاجتماعي
من هنا جاء اختيار تونس لسياسة الاقتصاد الموجه وسلوك سبيل التخطيط بغية تحقيق توفير الانتاج مع العدل فى توزيعه وبعبارة أخرى فقد اختارت تونس اليوم الاشتراكية كمذهب لها فى الحياة ولكنها اشتراكية تونسية بحت تستمد مبادئها من مبادى الحزب الحر الدستورى الاصيل
وتمتاز هذه الاشتراكية عن غيرها من الاشتراكيات الاخرى من جملة ما تمتاز به بالموازنة والمعادلة بين حقوق الفرد وواجباته أقصى ما تكون الموازنة والمعادلة .
فهى تقاوم الحيف والتفاوت وتسعى الى تمكين كل المواطنين لا طبقة دون أخرى من الصحة والتعليم والمسكن كما تسعى أيضا الى مقاومة البطالة وتمكين المواطنين من وسائل العيش بالعمل والارتزاق
وهى ترمى الى توفير كل الامكانيات للفرد لبلوغ حياة الرفاهية والازدهار وبكلمة موجزة فان الاشتراكية الدستورية تهدف الى تحقيق العدالة الاجتماعية .
والاشتراكية الدستورية تتوخى فى سبيل ذلك الحد من الحرية الاقتصادية المطلقة وتنظيم الاقتصاد لفائدة الجميع . وذلك انها كبقية الاشتراكيات الاخرى لا تؤمن بالحرية الفردية فى ميدان الاقتصاد لسببين اصليين
أولهما الحيف والاستغلال كما يوجد ذلك فى النظام الحر الرسمالى . وثانيهما سوء التصرف كما يوجد ذلك عن جهل او تواكل وتقاعس في المجتمعات المتخلفة
غير ان الاشتراكية الدستورية خلافا للاشتراكية الشيوعية تؤمن ايمانا بالفرد وبعاطفة حب الخير فيه وبقدرة عقله على فهم مصلحته الحقيقية ولذا فهى تنبذ العداوة والشحناء والتطاحن التى تثيرها روح الاستغلال والمنافسة .
كما تسعى الى احلال روح الاخوة والتعاون واعتبار المصلحة العامة الجماعية فوق المصالح الخاصة الفردية
وتتوخى فى ذلك سياسة الاقناع بالمناقشة الحرة النزيهة . وخلاصة القول كما يقول الرئيس الجليل الحبيب بورقيبة
كانت القاعدة الاساسية التى توجه الفرد فى أن الفرد لا يهمه الا شخصه وان الانسان الفرد غاية فى ذاته ليس عليه الا أن يعمل لصالحه الشخصى . .
والواقع ان الشخص يعيش ضمن المجتمع ولا يستطيع أن يحافظ على حريته ويتمتع بها الا اذا كانت هناك قوة تحميها أعنى قوة الدولة التى هى فى الحقيقة قوة المجتمع وهكذا نجد انفسنا أمام ضرورة التوفيق بين الحر التى هى ضرورة للفرد ولابد من ضمانها له لكى يؤدى للمجتمع واجب ويتمتع الفرد بفرحة الحياة وبين عدم الاضرار بالغير وخاصة بالافراد الذين ليس لهم من الامكانيات ما للاخرين . . . "
