الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

المكتبة التونسية ، عبر الاجيال والقرون

Share

الثقافة تراث انساني ثمين الا انه شائع ومشترك بين البشرية جمعاء لا يختص به شعب دون شعب ولا قبيل دون قبيل لان افراد النوع شاركوا فى توسيع افاقه واعانوا على توطيد دعائمه واجمعوا على نشر فضائله لافرق في ذلك بين يونانيين ورومان وعرب وشرقيين وغربيين على الاطلاق . وهذا التراث النفيس المتداول المتوارث النامى المتنقل مع الانسان عبر القرون والاجيال لم تضطلع الصدور بحمله لما يعترى الانسان من آفات متعددة يتعذر استقصاؤها

ولذلك التجا الى الكتابة والاختراع فى هذا الشان فجاء الكتاب الذي هو نعم الحافظ والامين والمرشد والمعين وشعر الناس منذ الوف السنين الى حفظ هذا الكنز والاحتفاظ به للحاجة اليه . وللاحتفاظ بالكتاب يرجع الفضل الى تاسيس اول مكتبة فى العالم . وقد علم من سير التاريخ وقضايا الاجتماع ان المكتبة اصبحت فيما بعد النبراس المتالق فى افاق المدنيات الانسانية وهيهات ان تشع لها شمس او ينبثق لها نور الا فى البيئات التى لها مكانتها فى العرفان الذي هو اساس كل حضارة وعنوان كل وعى ورقى حتى اصبحت معيارا تقاس به درجة الامة في ميادين الارتقاء فى سائر الاعصر التى مرت ناهيك بعصرنا الذى تحتل فيه المكتبة بين الامم المتقدمة اعلى مكانة . وقد ظهرت فى القصور الشماء من ناطحات السحاب تغرى المطالعين والهواة والرواد بملائين المجلدات في سائر الفنون والعلوم . وبهذا الاعتبار كانت الامة التى لامكتب لها لاماضى ثقافى لها بل ولا شئ يذكر عنها فى التاريخ الثقافى العام والامة السباقة الى هذه الغاية النبيلة لها اليد البيضاء التى لاتجارى على التقدم الانساني المنشود فى كل العصور لاينازع فى ذلك منازع البتة

ولعل هذه البلاد الافريقية والحضيرة التونسية اسبق الامم ذات الشان فى هذا الميدان بماضيها الثقافي المجيد الذى يثبت لنا انها حملت فيه مشعل المعرفة شعاعا متالقا متلالئا منذ الوف السنين . وبصرف النظر عما كان للعصر الفنيقي والروماني من مكاتب بافريقية عفت عليها الدهور واسدلت عليها العصور ستار النسيان فان الدور الاسلامي الخطير كفيل بحفظ هذه

المئاثر وقمين بتخليد هذه المناقب الساميه كيف لا وهو الذى أمدنا بالمعلومات الصادقة القيمة عن سير المكتبة بافريقية وما وصلت اليه من ازدهار وما اعتراها من ذيول واضمحلال منذ اربعة عشر قرنا بل ومكننا من التحدث عن المكتبة ببلادنا فى اطمئنان

ولا ريب عندنا فى ان اقدم مكتبة عرفتها افريقية بعد رسوخ قدم العرب بهذه البلاد وتاسيسهم للدول واقبالهم على تعزيز شان العلم وتشجيع العلماء واكرام الادباء وعنايتهم بالمعرفة وتهافتهم على اعلاء شان مؤسساتها

هى ( دار الحكمة ) بالقيروان التى اسسها الاغالبة بهذه العاصمة على طراز دار الحكمة ببغداد على عهد المأمون العباسى وقد كان الاغالبة بافريقية يتاثرون خطى العباسيين فى ميادين الاصلاحات الثقافية والعمرانية ويحرصون اشد الضروب والشعب . وقد ذكر لنا التاريخ عرضا اسماء بعض الحرص على تطبيق ما يستجد منها بافريقية وما يظهر من ابتكار فى سائر الشخصيات من الذين اشرفوا على بيت الحكمة بافريقية وامتازوا بالضلاعة والاطلاع الواسع العميق مما يبرهن على ان الاغالبة كانوا يعنون اعظم العناية بالمؤسسات الثقافية ويختارون للاشراف عليها الاكفاء من الاعلام . وها نحن نذكر هنا لمعة عن آخر شخصية علمية وادبية اشرفت على دار الحكمة الا وهى شخصية ابى اليسر ابراهيم بن احمد السنيبانى المعروف ( بالرياضى) : كان هذا الرجل من كبار العلماء واساطين الادباء وافذاذ الحكماء بغدادى الاصل راوية رحالة محصلا مبرزا غريد المعرفة واسع الاطلاع اشتهر بالهواية الادبية والاخلاص للعلوم والاداب وتتلمذ لأكابر افذاذ من علماء العربية كالجاحظ وتلقى عن المبرد وثعلب ودرس على ابن قتيبة واجتمع برجال الشعر العربى وافذاذه الذين ذاع بين الادباء صيتهم وترامت شهرتهم

كابى تمام والبحترى وابن الجهم ودعبل وغيرهم من ائمة البيان العربى وكان همزة وصل بين الشرق والبلاد الافريقية فقد نقل اليها ادب المحدثين بالعراق . نقل اشعارهم - رسائلهم . تاليفهم الى شباب القيروان انذاك ومكتبتها وسهر على نشر ونقل الادب العربى بعاصمة افريقية . وكان علاوة عن ذلك موفقا في التاليف فقد الف ( لقط المرجان ) على غرار ( عيون الاخبار ) لابن قتيبة وكان لقط المرجان اوسع واغزر . كما الف ابو اليسر كتاب سراج الهدى فى علوم القرآن الحكيم وله الرسالة الوحيدة والمؤنسة وقطب الادب وما الى ذلك من التاليف التى لم يصل الينا منها شىء على ما اظن . ؟ وقد استمر ابو اليسر يؤدى مهمته حتى لاوائل الدولة العبيدية الشيعية سنة

297 هـ ولما انتقل بنو عبيد من افريقية سنة 362 الى القاهرة وتسلم ادارة افريقية من ايديهم الصنهاجيون اقبل هؤلاء على العلم وتانقوا فى انشاء المكاتب وامدوها بالمجلدات الوفيرة حتى كانت المرأة على عهدهم تنسخ المصاحف القرآنية فى اناقة لا نظير لها وتبعث بها الى مكتبة القيروان . الى ان منيت افريقية بهجوم اعراب صعيد مصر على عهد من ارتقت فى دولته العلوم والاداب بهذه البلاد الملك الصنهاجى العظيم المعز بن باديس الذي رفض بكل اباء معاملة الرؤساء المصريين من بني عبيد فارسلوا على افريقية

جيشا عرمرما من المفسدين الذين نسفوا بافريقية معالم العمران واتلفوا هياكل الحضارة وصيروا البلاد اثرا بعد عين وقضوا على كل اثر للعلم وشردوا العلماء والادباء ومزقوا البلاد شر ممزق فتلاشت المكتبة الافريقية العظيمة من القيروان والمهدية وبقيت اطلال منها دارسة بجامع عقبة بالقيروان .

وظلت افريقية تعانى الاخطار الجسيمة والثورات الهائلة المدمرة المبيدة من منتصف القرن الخامس الهجرى الى اوائل القرن السابع حتى توطد سلطان الحفصيين بتونس وظهر عاهلهم العظيم ابو يحى زكرياء بن عبد الواحد الحفصى الذي شق عصا الطاعة فى وجوه الموحدين خلفاء مراكش واقتطع افريقية من امبراطوريتهم واستقل بها دونهم لفساد سلوكهم ووجه عنايته لعمارة الحاضرة ( تونس ) عاصمة البلاد واعلاء شانها بين العواصم ببناء الاسواق والمدارس وما الى ذلك واهتم على الاخص بالنهضة العلمية الادبية وجمع سائر بقايا كتب مكتب مكتبة الصنهاجيين والاغالبة وابرز المكتبة التونسية ( بالقصبة )

واضاف اليها الوف المجلدات حتى بلغت على عهده نيفا وثلاثين الف مجلد فى سائر العلوم والفنون وقد تبارى علماء الحاضرة فى امدادها بانتاجهم العلمى والادبى واناط ابنه محمد المستنصر خطة الاشراف على هذه المكتبة الزاخرة انذاك بعهدة متولى خطة العلامة الكبرى فى الدولة وهى خطة وزير فى ذلك العهد لابى الحسن بن موسى بن معمر الطرابلسى المولود بطرابلس سنة 609 تسع وستمائة ولما سئل ابن معمر عن سير المكتبة الحفصية وعما تحويه من كتب ذكر انها كانت ثلاثين الف سفر وانه لما اخر عنها واعيد

اليها وجدها عشرين الف سفر فسئل عن موجب ذلك فقال : المطر وايدى البشر . . . ؟ اجل كانت هذه المكتبة الحفصية الضخمة محل عناية ابى زكرياء الاول وابنه المستنصر حتى كان الاخير لا يسمح بترسيم تاليف فى فهرستها حتى ينقد . وكان مهمة النقد موكولة لاكبر اديب عرفته الاندلس وتونس فى ذلك وهو الاديب حازم القرطاجني المتوفى سنة 684 بتونس صاحب

المقصورة التى مدح بها المستنصر ونوه فيها بتونس ( العاصمة ) وبمشاريع الحفصيين فيها وحضارة البلاد على عهدهم وهو القائل عن تونس العاصمة فى حديثه عن المستنصر والتنويه بعزة سلطانه وعلو شانه

حضرته  ام   البلاد    كلهــــا         وقطب ما منها دنا وماقصا

ان ذكرت مدن الدنا فهى التى    يختتـــم الفخر بهـــا ويبتدا

كجنة  الخلد  تسر مــن راي          فيزدرى الخلد وسر من راي

حسن البــلاد كــلها مجتمع          لها وكل الصيد فى جوف الفرا

وقال حازم فى هذه المقصورة عن ماء زغوان الذى جلبه المستنصر بالله للعاصمة ما يلى

وطــود زغوان   دعوت  ماءه            فلم يــزغ عن طاعة ولاونــى

بل قد ارى نقيض تقطيع اسمه       فى جوبه الارض مجيبا من دعا

واذعـــن الطود لطـــود بــــاذخ          اشــم يستذرى بـــه ويحتمــى

وكفــــرت  طاعتــــه  لمؤمـــن            طاعته لكــافر فيمــا مضــى

وعاد فى عصركـــم كعهــده             فى عصر من شاد الحنايا وحن

الى آخر ما اشاد به من معالم الحفصيين فى شعره ونثره

ومن لطائف ما يروى عن نقد حازم للكتب العلمية ما حكاه المؤلف الاديب ابو جعفر الفهرى التونسى قال : الفت شرحا على كتاب الجمل للزجاجى ولما اتممته قدمت نسخة منه لمكتبة الدولة الحفصية فصدرت الاوامر باحالة نسخة الكتاب على حازم لتعقبه : قال فذهبت الى حازم بداره بتونس فاستأذنت فأذن لى بالدخول قال : فوجدت كتابى بين يدى حازم يتعقبه فقلت له يا ابا الحسن : وعين الرضا عن كل عب كليلة : ؟ فاجابنى على البديهة بقوله : يافقيه يا ابا جعفر : انت سيدى واخى ولكن هذا امر الملك لا يمكن فيه الا قول الحق ؟ : ( والعلم لا يحتمل المداهنة ؟ ) فقلت له اطلعني على مواقع الخلل فقال : اما هذه فنعم . واظهر لى مواضع سلمتها وبشرتها واصلحتها بيدى اهـ وهكذا

أستمرت هذه المكتبة بتونس منهلا سائا للوراد وموردا عذبا لرجال العلم وهواة الادب والفنون يقصدونها من انحاء العالم الاسلامى للاستنارة

يتاليفها والاستفادة منها بل كانت اكبر معين لمؤرخنا الفيلسوف عبد الرحمن ابن خلدون على تاليف كتاب العبر وديوان المبتدا والخبر ( تاريخه الكبير ) ومازالت هذه المكتبة تطفو وترسب تزدهر فتمتد افنانها المياده وتذبل اذا غزتها جراثيم الفساد والمفسدين الى ان افضت نوبة الامارة بتونس الى شيخ الموحدين ابي يحيى اللحيانى الحفصى سنة 711 فاتى على معظمها بالبيع فى اسواق الوارقين خلسة . وكان يتحفز انذاك للفرار من تونس تحت ضغط منافسه ابى بكر الذى كان اميرا للقسم الغربى من المملكة الحفصية عند انقسامها فاختلس هذا الخائن جميع مدخرات الدولة الحفصية واحتجن الاموال وفر الى مصر هاربا . وقد سئل حافظ هذه المكتبة ابن معمر المتوفى سنة 682 عند خروجه من السجن وقبيل وفاته عن مكتبة الدولة فاجاب بانه وجدها تنقص عن الستة الاف مجلد كما روى التيجانى ذلك واثبته . . .

اما اول من اسس مكتبة عمومية بالمعنى المتعارف اليوم قدرة عقد الدولة الحفصية محيى ما اندثر من مجدها وموقظ اجفان المعارف بها بعد اغفائها الامير الصالح ابو فارس عبد العزيز المتوفى سنة 837 هـ فهو الذى اسس المكتبة للعموم بمقصورة بمجنبة الهلال من جامع الزيتونه وسن لها قانونا حكيما يقتضى تلافى ما وقع اتلافه سالفا فاشترط الا يخرج الكتاب من المكتبة .

وليس للراغب في المطالعة حق فى التصرف فى الكتاب بالمطالعة او النسخ الا داخل المكتبة تحت رقابة الحافظ لها . واقام لهذه المكتبة موظفين رسميين يفتحونها فى اوقات محدودة مضبوطة من كل يوم ويناولون الطلاب ومدرسيهم وغيرهم الكتب واقتفى اثر هذا الامير الصالح فى العناية بالمكتبة العمومية الامير ابو عبد الله محمد الحفصى الذى قال عنه ابن ابى دينار ( كان ختام بني ابي حفص ومن بعده اسم بلا مسمى ) . . وهى المتوفى سنة 952 فبنى المقصورة بطرف صحن الجامع الاعظم بتونس من الجهة الشرقية مما يلى الجوف تشرف على سوق العطارين ( وهي المعروفة لهذا العهد بالمكتبة

العبدية ) واضاف اليها كتبا مفيده وجعل لها ايضا ترتيبا يقضى بفتحها عند اذان الظهر ويستمر فتحها الى ما بعد صلاة العصر . وعلاوة عن ذلـك كان بالجامع الاعظم جامع الزيتونه على العهد الحفصى مكتبة زاخرة بالوف المجلدات ولم تزل محفوظة الى ان عبث بها برابرة الاسبان عند غزو لتونس سنة 980 هـ فى الحديث عن غزو الاسبان لتونس وعاث عسكره فى البلاد وربطوا خيولهم بجامع الزيتونة واستباحوا ما به وبالمدارس العلمية من الكتب والقوها فى الطرقات يدوسها

العسكر بخيولهم وهذا هو السبب فى قلة تاليف الفحول من هذا القطر لانها ضاعت شذر مذر في هذه الواقعة الخ اه ولما اطرد الاتراك الاسبان من هذه الديار سنة 981 ورسخت اقدمهم بتونس لم يعنوا بالمعرفة ولا بمكتبتها واهملوا الشؤون الثقافية كلها الى ان تاسست الدولة الحسينية بتونس سنة

1117 ه ومضى صدر منها فى التطاحن على الامارة ولم تكد تستقر الامور حتى انبرى الوزير يوسف صاحب الطابع وزير حمودة باشا المتوفى سنة 1230 ه فأحيا المكتبة التونسية بجامعه الشهير (جامع صاحب الطابع بتونس ( العاصمة ) واقام به خزائن علمية فى فنون مختلفة واتخذ من جامعه مدرسة لدراسة الفنون الثقافية الاسلامية وكان جزاؤه من البايات ان نكلوا به شر تنكيل ومثلوا بجثمانه وانقرض ذلك الوزير وانقرضت معه آثاره العلمية الى ان افضت الامارة الى المشير احمد باشا باى الاول المتوفى سنة 1271 ه

فجدد مكتبة الجامع الاعظم جامع الزيتونة واحتفل بتجديدها ونقلة الكتب اليها احتفالا رائعا في يوم مشهود . ووقف الامر عند هذا الحد الى ان اقتعد اريكة رئاسة الوزارة للدولة التونسية الوزير الخطير المصلح خير الدين باشا فجدد شباب المكتبة العبدلية بتونس واعاد النظر فى قانونها ونقحه بما يلائم العصر وايد الفكرة القديمة الرامية الى الاحتفاظ بالكتاب داخل المكتبة وعدم السماح لاحد بنقلته للخارج وحسن احوال المكتبة بتحسين حالة مكانها وادخال الانظمة الحديثة انذاك على ترتيب كتبها وتبرع لها بجميع كتبه العربية وكانت تبلغ نحو الفى مجلد وجمع لها سائر الكتب التى كانت متفرقة بالجوامع والمدارس وكانت نهبة ارباب المطامع ممن لا يراقبون فى الامانة العلمية الا ولاذمة : قال صاحب الصفوة : فان خزانة الكتب الحنفية بالمدرسة الحسنية

وجدبها مكنسة ولم يوجد بها ولا ورقة مع انها كانت تشتمل على مئات من المجلدات وهكذا اغلب الخزائن مع عدم النفع بها الا لمن كانت بيده وهم افراد قنيلون يعسر عليهم وجدان الكتاب الذي يريدونه لعدم ترتيب وضعها وضبطها بدفتر واعداد فضبطت ( اى على عهد الوزير خير الدين بالعبديه ) وعم النفع بها لكل مريد من المسلمين حتى قال بعض من كانت بيدهم تلك الخزائن اقسم انى الان استنفع بما كان تحت يدى من الكتب احسن مما كان عندى اه والسلام

هذا وسنفرد للمكتبة الحديثة فى العصر الحديث بحثا خاصا عند الاقتضاء ان شاء الله

اشترك في نشرتنا البريدية