( كتب هذا المقال الممتع خاصة للمنهل فضيلة الاستاذ الكبير الشيخ محمد بن مانع مدير المعارف العام ، وهو من أوثق من يكتب عن الملك الراحل العظيم )
سرى نعشه فوق الرفاب وطالما سرى جوده فوق الركاب ونائله
يمر على الوادى فتثني رماله عليه وبالنادى فتبكى ارامله
فى ضحوة يوم الاثنين ثاني ربيع الأول ١٣٧٣ مات هذا الملك العظيم فى مدينة الطائف ونقل جثمانه الكريم على متن طائرة الى مدينة الرياض وكان معه ولى العهد ابنه الامير فيصل فدفن بعد المغرب من ذلك اليوم فى مقابر آل سعود فى الرياض . ولما سمع الناس نعيه من الاذاعة السعودية بمكة المكرمة اخذهم لهذا الخبر المزعج ، المقيم المقعد ؛ ونزل عليهم هذا النبأ نزول الصاعقة ولم تطمئن نفوسهم له عند أول مرة من سماعه حتى تكرر فى الاذاعة عدة مرات فحينئذ اخذوا فى الاسترجاع والدعاء له بالمغفرة والرحمة والرضوان .
وليس بغريب استعظام الناس موت العظماء عند اول سماعه لأنهم يعرفون حق المعرفة عظم المصيبة عند فقدهم ولكنه خفف آلامهم وازال هم قلوبهم ما يعلمونه من ولى عهده الذى تولى الملك من بعده وهو جلالة الملك ( سعود ) امد الله بحياته ؛ فانه
" الشيخ محمد بن مانع كاتب المقال "
ولله الحمد قد جمع شمائل والده الراحل الكريم . ولهذا اطمأنت النفوس وارتاحت القلوب وترحموا على الفقيد ودعوا ابطول العمر للملك الجديد المحبوب وولى عهده الامير " فيصل " المعظم
ان الملك الراحل تغمده الله برحمته ، له سيرة أربت على سير الملوك والامراء لم يسبقه اليها سابق ولم يجمعها جميعها ملك ولا امير . كان رحمه الله على ما اتاه الله من العظمة والشجاعة والجسارة عارفا حق المعرفة بالله قائما باداء حقوقه محافظاً على شرائع الاسلام داعيا إلى تحقيقها والعمل بها وكان يهتم بامور اوقات العبادة التى يحصل فى معرفة اوقاتها اختلاف كالحج والصيام فان له بذلك عناية عظيمة كتحقيق اول شهر رمضان وآخره حذراً من افطار يوم من رمضان او صيام يوم العيد ، كما انه يحرص كل الحرص على معرفة اول يوم من ذى الحجة ليكون حج الناس صوابًا بوقته .
وكان رحمه الله محباً للعلم واهله ويكثر مجالستهم ويكرمهم ويبذل لهم الاموال الطائلة ويعينهم على الافادة والاستفادة ، وقد سهل تحصيل العلم بما امر بنشره من كتبه الكبار والصغار فى الحديث والتفسير والفقه والتوحيد والتاريخ وكان يأمر ببذلها لاهل العلم مجانًا راجياً الثواب من الله . ومن هذه الكتب المشار إليها ما يزيد على عشرة مجلدات كالمعنى والشرح الكبير وتاريخ ابن كثير وقد امتلأت خزائن العلماء من كتب جلالة الملك رحمه الله وقد سار ابناؤه النجباء على طريقته فى محبة العلماء ونشر كتب العلم ابتغاء مرضاة الله فجزاهم الله خيرا وادام لهم السعادة والسيادة
وكان جلالة الملك الراحل رحمه الله سلفى العقيدة على مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن على منهاجهم وله عناية خاصة بمؤلفات علماء أهل السنة كشيخ الاسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم لما اشتملت عليه من التحقيق والسلامة من البدع المضلة التى كان يبغضها ويبغض ما فيها من البدع . ولما من الله عليه وعلى المسلمين واستولى على نجد والاحساء وعلى الحجاز ، ازال انكرات البدعية والشركية واحيا مذهب السلف الصالح الذى كان عليه النبى عليه السلام واصحابه وقد كان له فى اليوم والليلة مجالس يسمع فيها دروس العلم ويحافظ عليها باوقاتها حضراً وسفراً وتلك الدروس فى تفسير ابن كثير ومؤلفات ابن القيم وابن رجب وغيرها من مؤلفات مشايخ اهل السنة والجماعة ، وله حافظة قوية وبجيد الاصغاء ويحسن الاستماع لقراءة القارئ حتى انه احيانا يعيد ما سمعه من غيران ينقص شيئا من معناه ، وكان رحمه الله محبا لسماع القرآن ويغبط حفاظه ويتم دائما لو حصلت له فرصة ووقت متسع لحفظه . وكان رقيق القلب تخشع عند سماع المواعظ وربما ظهرت عليه امارة البكاء من خشية الله ، وكان يشتد عليه الحزن لما يصيب احدا من المسلمين من المصائب ويواسيهم بما يخفف عنهم احزانهم ويسليهم عن
مصائبهم ويدفع عنهم الشر بكل وسيلة .. وبصلاح نيته جمع الله به شمل العرب ونزع الضغائن من قلوبهم حتى صاروا بفضل الله اخوانا ونسوا ما كانوا عليه من امور الجاهلية واقبلوا على تعلم شرائع الاسلام وطلب الرزق الجلال بعد ما كانوا عليه مين قتل النفوس وسفك الدم الحرام وقطع الطرق ونهب الاموال حتى صارت جزيرة العرب آمن بلاد الله يسير الراكب فيها آمنا مطمئنا على نفسه وماله لا يخاف الا الله سبحانه وتعالى . .
وقد كان رحمه الله وقافا عند حدود الله لا تأخذه في الحق لومة لائم يستشير العقلاء من أهل العلم فى اكثر الامور لهامة ، ويعمل بما دل عليه الدليل من اقوال العلماء فى مسائل الخلاف ، ولا يقدم على حديث رسول الله قول احد كائنا من كان ، وهو كثير التثبت فى الامور ويدرك بفهمه الثاقب وذكائه العجيب قدر السعايات والوشايات التى يرفعها اليه أهل الاغراض الفاسدة المبطلون فلا يلتفت اليها ولا يعول عليه لعلمه بمكر الناس ، وما يحاولون من ايذاء بعضهم بعضا وقد نشر له رحمه الله عدة رسائل ونصائح عامة وخاصة وهى تدل على قوة القيم ونفاذ البصيرة والمعرفة بأحوال الناس مشتملة على ضروب من انواع العلم فى الاخلاق والآداب والسياسة والتعريف بطبقات الناس ومراتبهم وهى من املائه قطعا لان اكثرها يسمع منه ىي حديثه فى مجالسه المباركة فلوا اهتم بها احد رجال الديوان الخبراء بها وجمعها وهى قريبة التناول لان اكثرها قد نشر فى الجريدة الرسمية - لحصل منها كتاب علم تنتفع به الاجيال القادمة ، كما انتفع الناس فى رسائل من تقدم من العلماء والعقلاء ذوى الافكار المنيرة والعقول السليمة ؛ وكان رحمة الله يرى ان جميع المؤلفات التى جمعت فى سيرته غير وافية بالمقصود من بيان احواله وما جرى له فى غزواته وفتوحه للبلدان وما ظهر من آثار سياسته الحكيمة التى بهرت عقلاء الرجال .. ولا شك ان مثل سيرة هذا الرجل العظيم لا يستوعبها رجل واحد وانما يدرك ذلك جماعة سايرته فى جميع ادوار حياته وعرفوا شمائله فى السلم والحرب والمعاهدات ويجلونه رجال السياسة وما جرى بينه وبينهم من عهود وشروط وكان رحمه الله قوى الايمان بالقضاء والقدر ، راضيا بما قضاه الله من عسر ويسر " وشدة ورخاء ، وان هذا الايمان القوى والاعتقاد الثابت هو الذى ثبته فى المواقف الصعبة التى تطيش فيها عقول الرجال ، ولقد من الله على المسلمين وجبر مصيبتهم بولى عهده الملك ( سعود ) الذى اتصف بجميع صفات والده الملك العظيم فنسأل الله ان يحفظ جلالته وسمو ولى عهده وسائر الاسرة السعودية المالكة وان يديم لهم السعادة والسيادة بمنه وكرمه
