الهواية ضرب من ميل النفوس الى شىء تحبه وترضاه . وهى التى تسيطر على اتجاهات الافراد وتقودهم من حيث يشعرون او لا يشعرون الى طرق مختارة يسلكونها ولو كلفتهم اثمن شىء فى حياتهم . فكم من شخص شاء له ابواه ان يتجه الى دراسة الهندسة واخرجته هوايته من شعبة الهندسة الى شعبة الفلسفة او التاريخ او اللغة او التخصص فى الموسيقى الى غير ذلك
على ان الهواية يجب ان لا نفهمها بمعناها البسيط الساذج الذى يفهمه عامة الناس . فهى الميل عن شعور ووعى وادراك . وهى الباعث على الدراسة والتنقيب الذى يضمن للهاوى التفوق والنبوغ ويوفر له الاحترام والتقدير ويمكنه من اشباع نهمه بشئ قوى ممتع .
واذا كانت الهواية هى الوعى والصقل فواجب على الممثل الهاوى ان لا ينكمش على نفسه لانه حياة والحياة لا تقف اذ الوقوف موت فالممثل الحقيقى هو الواعى والمدرك لفنه ومتطلباته من قيافه واخراج والقاء - وتاليف - وملابس الى غير ذلك من المعرفة التكنيكية التى نحن فى حاجة اليها - كبلد متخلف في هذا الميدان ولعل اكبر شاهد على ما اقول هو ما كتبه فى هذا الميدان عباقرة الممثلين وفطاحل الفن المسرح فى العالم الاخر امثال - قوردون قراك -
وسلاشار - وموسيناك - وجون لوى بارو - ولوى جوفى - وديان - وغيرهم فى عالم الممثلين - وما حبره امثال - اندرى وانستاين - وفليكس قاف - وقوياى فى عالم الفلسفة - كل هذا كتب عن المسرح وهو قليل من كثير وغالب ما كتب خلقته الهواية والميل الى المسرح عن وعى وادراك ، وهو ما يحمل كل ممثل هاو ببلادنا الى فهم فروع التمثيل وانواعه سواء منها المجرد عن كل وظيفة سوى تسلية الجمهور بطريقة رخيصة بسيطة او بطريقة رقيقة رفيعة . او التمثيل الذى يوقظ الوعى فى نفوس المواطنين باثارة المشاكل وخط المناهج نفوس المواطنين وهى القطع الانموذجية فى الداخل والمفخرة فى الخارج . وهى ما خلدها شكسبير - وراسين - وموليار - وكاسترو - وكالديرون وغيرهم .. او التمثيل الذى يوقض الوعى فى نفوس المواطنين باثارة المشاكل وخط المناهج التى يجب اتباعها للنهوض بالامة التى انبت المؤلف والممثل والمخرج - عناصر انجاح كل مسرحية تمثل على ركح المسرح
كل هذا نحن اليوم فى حاجة ملحة اليه لنبعث نهضة مباركة ولنصلح ما افسده الغاصب . ونطرد اشباح التاخر بوسائل ناجعة فعالة .
واذا كانت الهواية هى الوعى والوعى هو المساعد على النجاح فى كل شىء فهناك الصقل الذى لا بد منه لكل ممثل حتى يضمن لمواهبه التطور والنمو ويدفع بها الى قمة الفن الصحيح المتمثل فى لباسه وحركاته ونطقه ولا غرابة ان نقول ذلك وهو اللوحة الزيتية التى تثير اعجاب الجمهور وتحرك فيه الشعور بتذوق الجمال . فالممثل يصور الفرح - والحزن - والرضى والسخط - والجبن - والشجاعة - والنذالة والطيبة - والوداعة - والخبث - والحنان - والعجرفة - والعظمة - والحقارة - كل هذه المتناقضات تتجمع فى الممثل ويعرضها على
جمهوره فى اسلوب ساحر جذاب . والجمع بين هذا يتطلب تضحية ووعيا بالرسالة التى حملها ليكون الواعظ والناهى - والواعد - والمتوعد - والزاجر والمصلح . فهو يعيش فى عالمه الصغير بروحه وجسمه بتفكيره وجوارحه كل ذلك من اجل مجتمعه وبلاده يحترق كالشمعة ليوفر النور لغيره يتعب ليجلب لهم الراحة . ويشقى ليسعدهم . هذا الممثل الذى دفعت به هوايته الى عالم الفن الذى لا ساحل له يعمل المستحيل ليظهر امام نظارته فى مظهر لائق محبب لهم فهو يقضى اوقاته كلها فى خدمة فنه ومن اجل هذا التفرغ جاء الاحتراف الذى لا بد منه لنضمن له العيش كغيره ممن كانوا مثله فى بداية حياتهم واختاروا لانفسهم طرقا اخرى ضمنت لهم الجاه والتعظيم ووفرت لهم العيش فى اطمئنان واستقرار - اما الممثل الذى وهب عقله واعصابه وجهازه التنفسى لفنه ليكون كمخبر للانفعالات والتحاليل النفسية تراه لا يجد ما وجده غيره من بقية ابناء وطنه من احترام وتقدير . فاغلب الناس - ويا للحسرة - ينظرون الى الممثل وكانه صعلوك رمت به الاقدار فى عالم موبوء عفن . ومنشأ هذا يرجع اولا وبالذات الى عدم ادراكنا لرسالة المسرح وقيمة العاملين على النهوض به -
والعامل الثانى يرجع الى الممثل نفسه الذى لم يستطع فرض نفسه بوعيه لقيمته وادراكه لشخصيته الرامية الى بث فكرة جليلة والتعريف بقسم عظيم من ادب خالد وفلسفة تنفد الى الاعماق وتؤثر فى النفوس تاثير السحر فى المسحورين . وهذا لا يتحقق بدونه ولا يتكون المسرح بغير ممثل احب المسرح حب الرضيع لامه . ومن هنا كان علينا ان نساعده على النجاح فى ما اقدم عليه ونبذل له كل وسائل التشجيع ليستمر فى مغامرته التى كلفته تضحيات جساما . ونمكنه من الاحتراف الذى يوجد له لقمة العيش ويجعله فى مامن من غائلات الايام . وبهذا وحده نكون لمسرحنا الممثل الذى لا يفكر الا فيه ولا يعمل
الا لرفعه واصلاحه على اسس علمية صحيحة مبتعدا عن الارتجال والفوضوية التى مبعثها الجهل وعدم الاهتمام
فمسرحنا اليوم يناشد كل عناصره لنجدته والخروج به مما هو فيه ينادى الممثل النابغة والمؤلف المقتدر والمخرج البارع والرسام الفنان والجمهور الواعى . والناقد المتبصر الموجه والمرشد . وهذه عناصر - مع كل الاسف - تعوز المسرح التونسى لكن ما نراه اليوم من تحمس له والتفاف حوله لبحث مشاكله ودراسة مواضيعه من كافة المهتمين بالمسرح وعلى رأس هؤلاء جميعا رجال الدولة الذين بيدهم الامكانيات التى تحقق المستحيلات - ان كانت بعد هناك مستحيلات - وما تخصيص عدد من مجلة الفكر التى آلت على نفسها خدمة الثقافة العربية بصفة عامة والتونسية بصفة خاصة ما تخصيص هذا العدد بالمسرح الا بادرة خير ويمن للمسرح التونسى الذى استيقظ وهاله البعد الشاسع بينه وبين زملائه مسارح اوروبا بنوعيها الغربية والشرقية . فعقد العزم على اللحاق بالركب . وها هو يجد اليوم كما وجد امس ابناء بررة سخروا كل امكانياتهم لخدمته والنهوض به . . واصبح لا يسمع الا الاحاديث والندوات والمحاضرات التى تتحدث عن امراضه والامه . وفتحت المخابر لتحضير الدواء الناجع الشافى لتلك الامراض التى اقعدته عن مسايرة الايام جنبا الى جنب مع بقية مسارح الدنيا التى عاشت فى عصور زاهرة وتطورت بتطور الفكر البشرى المكتشف للانارة والاخرام بجميع انواعه والتأليف الذى يصور بكل صدق وامانة حالة الشعوب التى هى عليها ليعرضها المسرح بطريقته المحبوبة .
فاليك ايها الشباب اسوق هذا الحديث لكى تنفض عنك غبار الكسل والتواكل وتخرج من اللامبالاة وتقتحم المصاعب لخدمة مسرحك القومى وتهتم بمشاكل بلادك وانت من توصف بقلب الامة النابض . اليك اخى هذه الرسالة فتحملها بصدر رحب ومحياك تعلوه بسمة الامل وعلامة الانتصار . فانت بمالك من عزيمة الفتوة تستطيع ان تبدل وجه بلادك وتحقق التقدم في كل مظاهر حياة بلادك ان البلدان التى سبقتنا الى الرقى وجدت في شبابها خير مساعد على الوصول الى حياة العزة والكرامة الحقيقية ولك فى ذلك خير اسوة
ان عدم الاهتمام لا يجلب الا الوبال على صاحبه اولا ثم على بلاده وشعبه وهذا ما لا سبيل الى ان نسكت عنه او نتغافل . فعلام الاهتمام مثلا - بالسيربوم - ولعب الورق ، نراه يتزايد مع الايام والمسرح خاو على كراسيه ينتظر شباب البلاد المثقف ليجلس امام ركحه يتامل ويشاهد ما يقدمه الممثلون فيصفق استحسانا ويوجه اذا ما وجد نقصا وضعفا وبذلك يشارك فى خدمة المسرح وتكوين الممثل الصالح
ولعل العذر الذى ستقولونه وانتم تقرأون هذه الاسطر غير مبرر - التونسى لا يحسن التمثيل ولذا لا فائدة فى تضييع الاوقات بدون فائدة
ان قولكم هذا يبرهن على مركب نقص فى كفاءات ابناء وطنكم ومركب النقص اخطر شىء على الشعوب . وكل الناس يبتدئون من الصفر ويصلون الى العشرة فلا يخلق المهندس مهندسا ولا الشاعر شاعرا ولا الطبيب طبيبا ولكن المثابرة والدراسة مع الادراك والاهتمام هى وحدها التى تضمن النجاح لكل مثابر
ونرى هذا فى الممثل فهو بتوجيهكم ونصحكم يصلح من اعوجاجه فى كل مرة ويحاول ان يرضيكم وفى رضاكم اصلاح لنفسه وهكذا يصل الى النبوغ
واخيرا اخى الشاب اتمنى ان تهتم بكل شىء فى بلادك فدراستك لا تمنعك من ان تعيش لوطنك ولشعبك تبذل كل ما فى وسعك لاسعاده والترفيه عنه وانت من ساعدك الحظ على انارة عقلك بالعلم وهى منة يجب ان لا تنكرها او تتهاون بها . فاستثمر امكانياتك فى مساعدة اخوانك وابناء وطنك حتى تكون بارا بارض انبتتك وشعب رعاك واحبك
