إلى ذكرى مكسيم غوركى
الذهول
رانت عليهم ظلمة خرساء
وتهالكن فوق الصغار الاقبيه
وانداح فى الليل الكئيب عواء
ركضت ذئاب الغاب بين الاوديه
وعلى الاديم
بؤس مقيم
تتهافت الاوراق فوق اليابسه
والريح تعصف بالزهور وبالغصون
الأفق أغبر والطبيعة عابسه
والجدول المنساب تبكيه الطيور
ليس الربيع
كفن الصقيع
يتساءل الاطفال فى حزن غريب
ويتمتمون شجونهم ويثرثرون
عما جرى؟ والليل يسمع لا يجيب
مصغ لصوت الحزن يلهث للمنون
والصائحات
النائحات
الأمهات ذهلن ، حتى الأمهات
لا حب ، لا أشواق ، لا أشجان
حتى العجائز قد نثرن المسبحات
ألقين بالتوراة والقرآن
فمي الصلاة
والحمدلات ؟
التيه
الناس فى عرض المدينة يركضون
وعلى ظهورهم الاسرة والمتاع
ملء المتاه تجوس حولهم الدجون
مثل الخضم ولا سفين ولا شراع
ملء المكان
ملء الزمان
يعلو الصراخ وليس بينهم كلام
ومن الذهول سحابة تعشى العيون
يسعون ملء الخوف يلتحف الظلام
بين الحدائق لا زهور ولا عيون
يتزاحمون
على المنون
الضجة الرعناء تقتل كل شى
وعلى مقاعدهم يموت السائقون
فى كل سرداب يغص وكل حى
يتثاءبون حياتهم ويدخنون
هم ميتون
متحركون
يتهالكون من المصاب على المصاب
ومن العياء على العيآ يتهالكون
ويسائلون نفوسهم تأبى الجواب
وتبيت تسألهم وهم يتساءلون
لا يسمعون
لا يسمعون
النور يصلب فى عيونهم الكليله
والحزن يسكرهم فهم لا يحزنون
ألفوا الخنوع لأنفس باتت ذليله
جنوا وما عقلوا بأن بهم جنون
ويقهقهون
لا يضحكون
نسيتهم حتى هموم الناس
وسلتهم الأفراح والاتراح
فرغت عيونهم من الاحساس
لا صحو ، لا صهباء لا أقداح
هم في خمار
هم في دوار
شئ وراء الجهل والأحلام
صبته ربات الظلام عليهم
ألقى بهم فى التيه والاظلام
ما كنهه ؟ العلم ليس لديهم
شئ غريب
لا يستجيب
فى الحان
طافوا بحانات المدينة حائرين
يستفسرون الكأس والاوتارا
شربوا عقولهم وباتوا ظامئين
يتملقون الدن والخمارا
والمومسات
الجائعات
العقل شيخ بينهم أسيان
أكل الزمان شبابه وكهولته
قد وصوصت عيناه فى الندمان
متذكرا غزواته ورجولته
أيام كان
فجر الزمان
شيخ ضرير هده سكر كبير
مغرى بمومسه مغضنة الجبين
شربت دماء العاشقين على سرير
وأدارت الأيام بين المدمنين
لم ترتو
لم ترعو
صرعت بنات الحان والأفكار
واغتالت الزمن المتعتع والمكان
وعلى خطاها صفق الخمار
وعلى الجدار تكلمت بنت الزمان:
فات الأوان
أخلوا المكان !
خرجوا كما دخلوا على الخمار
لا شئ غير اليأس والتمويه
الليل داج مسدل الأستار
والدرب يضرب فى مجال التيه
وعلى الرصيف
رعب مخيف
الصلاة المخمور
هرعوا سكارى نحو بيت الله
يحدوهم المغرى بتلك المومس
مثل القطيع وراء رب الشاه
يترسمون عصاه تحت الحندس
متناكبين
متهالكين
سحلوا نفوسهم على الطرقات
والمثخنات من الجراح على الجراح
وتقيؤوا الحسنات والسيات
والفكر والغثيان والامل المجاح
واللامباح
والمستباح
ناداهم الشيخ المعربد للصلاة:
الله أكبر! غنت الأطيار
حرق الفتيل وغامت المشكاة
سبحانه، قد رنت الاوتار
رب المساء
رب النساء
أو لم تروا كيف اليتيمة شردت؟
إنا بقرنا أمها فى العالمين !
من زلزل الزلزال حتى هدمت ؟
قل : مالها ضاقت على المتساكنين ؟
لولا المنون
ما تصنعون ؟
غثيان . سبحان من كورها ودورها وصورها وفي سحيق من الفضاء دحاها وطحاها، أخرج منها ماءها ... : آمين . هو الذي خلقكم وسواكم وأعطاكم ما أعطاكم.
: آمين لولاه ما عاشت الفئران والديدان والبراغيث والطاعون. : آمين . من أزلم الازلام ونصب الأنصاب؟ : آمين . هو الحمد لله الذي لا تعلمون، إياك نعبد، اشهدوا يا ناس، هل تفقهون؟
: آمين . اخرجوا إليه حفاة عراة، إنا امطرناكم، ولما خرجوا من المسجد حذر الموت قال لهم ربهم موتوا فيه ، بين الصلب والترائب ، إذا رفض العقد إنا رادوه إليك وجاعلوه ، والشئ الذي فيه تختلفون. : آمين إذا وقعت الواقعة ، ليس لوقعتها شئ ، شى ، صم بكم عمى بهم.
: آمين . من (هتلر) الالمان و (موسل) الطليان ومن؟ : آمين . قل آمنا بما انزل علينا من السماء، و (الاقمار) حولنا تطرف ، والحتوف ، الماء والصواعق اللواحق والزوابع التوابع ، ولو كان فيهما الاهان لفسدتا ...
: آمين . كانتا رتقا ففتقناهما ... إخلعوا أحذيكم وأثوابكم وألبابكم ، ولنبلونكم فوق الأرصفة والجدران يشد بعضها بعضا ، وبالعاصفة القاصفة ، بهصب ونصب وشصب ووصب وهصب وهو على كل شئ لا تعلمون.
: آمين . جاء فى صحف ابراهيم وعيث فى كتب شيث ، فى التوراة والانجيل. : آمين . وفي الصحف اليومية والأسبوعية. : آمين
. إنا بطرناكم بطرا ، ومن حولكم المواء والعواء والخوار ولا قطط ولا ذئاب ولا أبقار .
: آمين . مشعشع متعتع. : آمين : مجعجع مبعبع : آمين . لا يشبهه شئ فى السماء ولا فى الارض وهو على كل شئ لا تعلمون ، آمين. : آمين ، آمين .
في الدير
صنعوا إلها قد من خبث الحديد
عبدوه فى دير وليس به صليب
وأتوا بأرغول يموت به النشيد
وهموا شموع لم يطهرها اللهيب
وبلا ضياء
يغفو المساء
يتفاءلون وبالزهور المستكينه
يتراشقون ، ولا جمال ولا عطور
صنعت من الشحم المذاب على المدينة
ومن الشموع الباكيات على القبور
لا يشكون
لا يلحدون
امرأة بلا شباب
شخصوا لقادمة تصيح وتستغيث
شعثاء مطفأة العيون من البكآ
من عهد نوح تشتكى من عهد شيث
مشقوقة القدمين دامية الخطى
قالت لهم :
، يا ويلهم ،
ماذا دهاكم ؟ من عساكم ترقبون ؟
فلقد تساقطت النجوم على الجبال
وتهاوت الأفلاك فى ليل القرون
الأرض خاست .. لا انتظار ولاجدال
هل تسمعون ؟
هل تفقهون ؟
نظروا إليها صامتين بلا عيون
وتثاءبت فيهم بقايا الضجة
وبلا سؤال ساءلوها : من تكون ؟
هل أنت بنت البحر بنت اللجة ؟
جاءت إلينا
وحنت علينا ؟
قالت : أنا الحزن المقيم على الوجود
من أجلكم يغتالنى جيش الظلام
أبكى ربيعا كان يضحك فى الورود
يقظى وجرحى لا يجف ولا ينام
لو تعلمون
لو تشعرون
الحريق
حملوا متاعبهم وساروا مجهدين
يحدوهم ناي وانغام حزينه
والذكريات وراءهم تبكى السنين
ملء الدخان ، وقد تباعدت المدينة
تبدو الديار
مثل النهار
حرقوا الزمان وما ترامي من مكان
وتنهدوا فالأفق مربد عصوف
تركوا المدينة للحرائق والدخان
للريح تذريها رمادا للكهوف
للذكريات
الهاربات
وتطاير الأطفال فى الأفق الكئيب
زمرا يلاحقها اللهيب المستعر
وعرائس الغاب الجميلة فى نحيب
يندبن لبات الغصون على الشجر
والصادحات
الساحرات
رثاء الفجر
يبكين فجرا كان كالطفل الجميل
متوهج الوجنات بالشفق البديع
متنفسا عطرا يرف على الحقول
يمشى على الدنيا بأحلام الربيع
وعلى الحمام
يلقى السلام
أيام كان الحب يحتضن الوجود
نشوان من فرح تناجيه الطيور
وتبثه شوق النسائم للورود
وصبابة النحل الموله بالزهور
أيام كان
فجر الزمان
ومضى الجميع إلى الشواطئ يركضور
للموج فوق البحر يعلو كالجبال
للريح عرض البحر يعلو فى جنون
والليل يخلع ثوبه فوق التلال
ركب الغيوم
دون النجوم
تركوا المدينة للمنون وللعدم
للبوم لللفئران والديدان
للغول يلتحف العواصف والظلم
لا وجد لا أشواق لا أشجان
صمت ثقيل
ليل طويل
إلا بقايا من عجوز لا تنام
تحيا على حلم العهود الماضية
ايام كان الحب يهدل فى الحمام
بين النخيل وفى جوار الساقيه
أيام كان
فجر الزمان
نظرت إليهم والفؤاد له وجيب
والحزن أسكرهم فهم متر نحون
غفرت لهم تلك الخطايا والذنوب
وانداح ملء الكون صوت فى السكون
فتجمعوا
وتسمعوا :
الخلاص
خلف المدينة لا تزال لنا حقول
خضراء ملء العين حبلى بالمياه
نبتت قلوب الناس فيها والعقول
وعلى جوانبها المسرة والحياه
هاتوا البذار
هاتوا الصغار
فلتزرعوا الأطفال حول الاوديه
ودعوا ضياء الشمس يحتضن الوجود
ما أذبل الازهار غير الأقبيه
خلوا النسيم يشم رائحة الورود...
تلد الحياة
ودعوا الحياه
خلوا مدينتكم لديدان القبور
الدير ناء بحمله فتهدما
والهكم ذاك الحديد بلا شعور
الأرض خاست تحته فتردما
خلوا الشموع
ترثى الربوع
هاتوا الرفوش وهدموا الصلبان
ولتصنعوا منها سواقى للمياه
هدوا المساجد وابتنوا الايمان
إني أرى الانسان فى الدنيا إله
فلتعشقوه
ومجدوه
هو الاله الواحد القهار
هو الذي رفض المذلة والعبيد
أجرى المياه وفجر الأنوار
هو من طحى هو من دحا وله تميد
والمنتهى
والمشتهى
هو منشئ الأيام والساعات
وبه الليالي ساهرات فى العيون
هو ناسخ الآيات بالآيات
وإليه يا أهل البسيطة ترجعون
يدرى الأمور
وبه تدور
ثوروا على الرب القديم وحطموه
لا ترهبوه فانه مسخ وضيع
وإلى إلهكم الجديد فعددوه
فهو الذى أهدداكم روح الربيع
ومن التراب
خلع الشباب
البذار
حملوا عزائمهم وساروا منشدين
وتناثرت من حولهم زمر الحمام
حفروا الزمان وأخرجوا الكنز الثمين
ومن الضيآ الوردى قدنسجوا الخيام
وعلى البطاح
نشروا الصباح
نفخوا رياح الشرق تأذن للسحاب
والبرق يفترع الغيوم الحالمات
حبلى بأفراح الربيع وبالشباب
ويشق صدر الأفق عن سر الحياة
وعلى البحار
يلد النهار
حرثوا أديم البحر واقتطعوا فضاه
زرعوا كروما ليس تشبهها كروم
رقصت بنات الحان فيها للمياه
زرعوا الأهلة فى الشواطئ والنجوم
وعلى البقاع
ألقوا الشعاع
زرعوا العزائم والنفوس المثمره
والشوق والاحلام والافكار
زرعوا المطامح والعقول النيره
والذكريات حبلن بالأسرار
زرعوا القلوب
مثل الحبوب
امرأة فى الربيع
نظروا إلى الأحلام تزهر والثمار
البحر أخضر والفضاء عبير
وعلى الحقول ترف أجنحة النهار
تشدو الحياة ويبسم الأمل الكبير
فتجمعوا
وتسمعوا
صوت جميل من وراء الرابية
أغلي من الأشواق والأحلام
أحلى غناء من خرير الساقية
فكأنه روح توشح بالسلام
والأمنيات
الغاليات
صوت فشا كالنور فى الظلماء
كسعادة الأطفال في الشطآن
صوت مشي كالحب في البغضاء
كمحبة الانسان للانسان
وبدا خيال
بين التلال
حسناء تزري بالورود الباسمه
لبست ربيعا قد تطرز بالشموس
وتوشحت بالسحر ترفل حالمه
يسمت فأشرقت الجوائح والنفوس
نظرت إليهم
وحنت عليهم
قالوا : ترى من أنت ياذات الوشاح ؟
ولمن أتيت من الربوع القاصية ؟
هل أنت عاشقة محيرة الجراح ؟
أم أنت بنت من بنات الداليه
ها قد وصلت
فلمن أتيت ؟
قالت : أنا الحب المقيم على الزمان
حددت أحلامي وهذا الفجر عاد
إني أنا الروح العطوف أنا الحنان
والشمس يغمر نورها يوم الحصاد
فلتحصدوا
وتجددوا
المناجل
حملوا مناجلهم وساروا منشدين
يحدوهم ناي وانغام جميلة
ومن الحنان عليهم روح أمين
والطير تنشد بين أزهار الخميله
وعلى الأديم
فجر مقيم
رفت عليهم راية حمراء
نسجت من الشفق المضرج بالنجيع
وعلى البيادر هامت الأشذاء
وبكل كف منجل يبدو رصيع
قد كان فيصل
والآن منجل
خرجت بنات الحقل فى سمط بديع
مثل النجوم نزلن من فلك السمآ
وبكل نجم أشرقت روح الربيع
تختال فى ثوب توشح بالبهآ
للهازجين
العازفين
للرافعين فؤوسهم فوق الرؤوس
للزارعين نفوسهم والأمنيات
للأصفياء الأتقياء بلا طقوس
للواقفين صلاتهم وبلا صلاة
للمؤمنين
بغير دين
لخمائل الزيتون تطفح بالعبير
من حولها تنمو المسرة كالشعاب
للحب والأشواق والأمل النضير
للعزم يورق للسلام وللشباب
للمنتهى
للمشتهي
للصانعين من السيوف مناجلا
للصامدين الزاحفين على الزمان
ولكل من عشق الحياة مناضلا
للنصر يلبس تاجه الانسان
للأمنيات
الباقيات
وسقتهم الحسناء من ذوب الأصيل
خمرا تضوع بها المفاوز والبطاح
قالت: على نخب البيدر والحقول
الكأس أرفعها وأرقص للصباح
للمشتهى
للمنتهى
