الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

المناعى ورسالته

Share

يجدر بنا ونحن فى هذا الصراع العنيف ازاء احياء تراثنا الادبى القومى ان نقف فى موضوعنا هذا على رجل من رجال الادب التونسى كان مغمورا على حسب ما يبدولى ؛ وهذه الشخصية هى محمد بن محمد سليمان المناعى الذى دخل ديوان الانشاء فى حياة والده ، فذاع صيته آن ذاك اى فى اوائل دولة احمد باى ثم التحق بخاصة ولى العهد محمد باى فكتب عنده مدة ثم انعزل الى ان وافاه الاجل .

وبعد هذه اللمحة التاريخية الموجزة حول حياة الرجل ننتقل بكم الى ما خلفه لنا من انتاج ادبى رائع غلبت عليه الصراحة فكان من المترسلين المجيدين فى عصره . ولقد شابه كثيرا الجاحظ فى رسالة التربيع والتدوير من جهة الاسلوب حينا والمقصد طورا آخر ؛ حيث شملت الجد والهزل كما انه تناول فيها بعض الالفاظ العامية المستعملة فى تونس (كالبشكير) وهنا نلحظ الطابع التونسى الذى طبعت به الرسالة . غير ان الفارق بينه وبين الجاحظ هو الظرف الزمانى والمكانى والموضوع ، اما الناحية العقلية فهى وان كانت متمايزة الا انها فى الحقيقة تصور مدى ما وصل اليه الفكر البشرى فى تصويره للحقائق تصويرا واقعيا جامعا اخاذا بالقلوب .

فكان الفن ، والبراعة ، والدقة فى الوصف ، والمواهب الخلاقة المتحررة ، وقد اعتمد فى ذلك على ثقافته الواسعة التى استقى مناهلها من جامع الزيتونة.

كان موضوع رسالته يدور حول هجائه لباش كاتب وهو الشيخ محمد الاصرم ثم عائلة الغريانى والباجى وبوسن ، وقد تقدم بهذه الرسالة للملك الذى اشرنا البه سابقا ليطلعه على امره وليساعده فى قضيته بعد ان حاق به الزمان واصبح مرسى للمصائب والويلات والهم والنكبات ولنستمع اليه وهو يصف اعداءه (( ومن المسلوب الظرف من لا ينظر الى الانسانية بطرف من خلع

فى الخسف الرسن ولم ينبته الله النبات الحسن الجارى من التهور على اقبح السنن من اجهد فى القذارة والعفن فشرع وسن حمودة بوسنن ، ومنهم المجهول النسب الخامل الحسب محمد بن سعيد وكلا ان يخرج مثله من ظهر سعيد بل هو هيان بن بيان شىء يسمع ولا يرى للعيان حسب ما روينا عن الاعيان ))

فى هذه الفقرة الرائعة يتضح لنا مدى ما وصل اليه الانسان من الحرية فى التفكير ومجابهة الواقع بكل طمأنينة وراحة بال ، اما الناحية الفنية فهى فى غاية الابداع ، اذ عرف الكاتب كيف يغدق الاوصاف على صاحبه حتى يشخصه لنا فى ابشع منظر واخس اخلاق وافسد طوية ، ثم التفت اليه فى حديثه عن محمد بن سعيد الذى انكر عليه مطابقة التسمية المسمى والطعن فى صحة نسبه ثم كيفية التخلص من هذا المأزق الذى دخل فيه باشارته اللطيفة التى ينوه فيها بانه اعتمد فى كل مقالته على الرواية والسماع عن رجال عصره الذين سبقوه سنا وتجربة ومعرفة .

اما عداوته مع باش كاتب فقد صورها فى تقلبه معه اذ يحسن اليه حينا ويسئ احيانا من جراء الوشايات التى وصلت اليه عنه وقد اشتدت بينهما العداوة والبغضاء الى ان بلغت اوجها فى معاملته له فى الدار التى اعطاه اياها ثم انتزعها منه ، ولكن المناعى قام بسعى حثيث فى اجتثاث هذا الخصام من اصوله عن طريق الوساطة ولكن قضى الامر ؛ فقال (( فما استتم الخبر (اى الواسطة) الا وقد طافت بى من خدامه زمر فارتجعوا منى جميع الدار وما كان اعطانى من جليل وحقير وبالغوا فى البحث والتنقير على البشكير والحصير )) واذن فما بعد هذا الصنيع من استجداء او استعطاف . وكانى بالكاتب هنا يتفق والمتنبى فى السلوك اذ كم من مرة اشاد المتنبى بكافور قصد الوصول الى ما يهدف اليه ولما اعياه الطريق وبدت عليه علائم اليأس اتخذ الهجاء بابا للتسلية عن كربه فكان الاقذاع فى الوصف .

(( صار الخصى امام الآبقين بها       فالحر مستعبد والعبد معبود

(( لا تشترى العبد الا والعصا معه     ان العبيد لا نجاس مناكيد                                                                                                                                           (( ام اذنه فى يد النخاس دامية       ام قدره وهو بالفلسين مردود

ولكن المناعى لم يقف عند هذا الحد فى معركته بل راح يصور لنا الحياة

الادبية فى عصره عند بعض الكتاب ، ولست ادرى هنا هل كان فى وصفه محقا صادق اللهجة ام انه بالغ فى ذلك اذ كانوا من الد الاعداء له واهل الوشاية به . (( ومن الكتاب من ليس من فرسان هذا الحرب ولا من اهل الطعن فيه والضرب ، لم يعينوه باشهاد ولا امداد وانما تقربوا له فى عداوتى بتكثير السواد ، اولهم ذو الجهل والرعونة والذات الملعونة التى تروع الكلاب بقبحها فتحرس نفسها منه بنبحها الحائز من المخازى ما هو واف حسن بوكاف ، وثانيهم ذو الاخلاق الرديئة والنفس الدنيئة الضارب فى الثقل بالسهم المصيب، وارث الركاكة بالفرض والتعصيب )) وكل متامل فى هذه الفقرات المقتضبة من الرسالة التى جرت كلها على هذا السنن من الهجاء والتشنيع تبدو على ملامحه علامات الانكار والاشمئزاز من هذا الصنيع ، او انه يصف الرسالة او صاحبها بالسخافة فى التفكير ؛ ولكنها فى الحقيقة تمثل الواقعية فى الادب الحق بصورها الزيتية وجزالتها اللفظية وصناعتها الفنية .

واخيرا هذه نتفة من ادبنا المطمور الذى ظل حياة كاملة رهين مقابر الغفلة والنسيان وعدم الاكتراث ، فلنجى معالمه ولنوضح مكانته لكل من يهوى المعرفة ويتبنى الادب والفن .

اشترك في نشرتنا البريدية